نحن والعالم



‫مفيد شهاب..‬ وداعا أيقونة القانون الدولى

21-2-2026 | 23:26
أحمد إسماعيل

- سيرة عالم حمل القانون الدولى إلى قلب المعركة الوطنية
 
فى اللحظات الفاصلة من تاريخ الأمم، لا تتقدم الصفوف البنادق وحدها، بل يتقدمها أيضا رجال القانون، أولئك الذين يعرفون كيف تصاغ الحجج، وكيف تستعاد الحقوق، وكيف تحمى السيادة بالقانون كما تحمى بالدماء، من بين هؤلاء، يبرز اسم الأستاذ الدكتور مفيد شهاب، الذى شكل على مدى أكثر من نصف قرن، أحد أبرز القامات القانونية فى مصر والعالم العربى، وجمع بين صرامة الأكاديمى، وخبرة الدبلوماسى، وحس رجل الدولة‪.‬
 
لم يكن شهاب مجرد أستاذ قانون دولى، بل كان أحد الذين نقلوا هذا التخصص من قاعات المحاضرات إلى ساحات التحكيم الدولية، ومن الكتب الجامعية إلى ملفات السيادة الوطنية، وبين جامعة القاهرة، والمحافل الدولية فى لاهاى وجنيف، وقاعات البرلمان والحكومة، نسج مسيرة استثنائية تستحق أن تُروى بتفاصيلها‪.‬
أولا: النشأة والتكوين.. من الإسكندرية إلى السوربون
ولد الدكتور مفيد شهاب عام 1936 فى مدينة الإسكندرية، تلك المدينة التى طالما كانت بوابة مصر على المتوسط، وملتقى الثقافات والحضارات، فى هذا المناخ تشكل وعيه الأول، وبدأت علاقته المبكرة باللغات الأجنبية والثقافة القانونية الأوروبية، خصوصا مع دراسته فى مدرسة الليسيه الفرنسية‪.‬
ثم التحق بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، حيث تخرج فيها بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف وكان الأول على دفعته، ليبدأ طريقا علميا مبكرا نحو التخصص فى القانون الدولى العام، وهو التخصص الذى كان آنذاك فى مصر محدود الانتشار، ويحتاج إلى عقول قادرة على الربط بين القانون والسياسة، بين النصوص والواقع الدولى المتحرك‪.‬
أُوفد فى بعثة علمية إلى فرنسا، حيث حصل على عدة دبلومات متخصصة فى القانون الدولى، ثم نال درجة الدكتوراه فى القانون الدولى من جامعة “السوربون” بتقدير جيد جدا، فى مرحلة كانت تشهد تحولات كبرى فى النظام الدولى بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود حركات التحرر الوطنى، وإعادة صياغة مفاهيم السيادة وحدودها‪.‬
تلك التجربة الأوروبية لم تفقده انتماءه، بل زادت إحساسه بضرورة امتلاك مصر والعالم العربى أدوات قانونية حديثة للدفاع عن مصالحهما فى نظام دولى لا يعترف إلا بالقوى، أو بمن يعرف كيف يستخدم القانون كأداة قوة‪.‬
ثانيا: الأستاذ الجامعي.. بناء مدرسة فى القانون الدولى
عاد شهاب إلى مصر، ليبدأ مسيرته الأكاديمية فى كلية الحقوق، ويتدرج من معيد إلى أستاذ، ثم عين رئيسًا لقسم القانون الدولى فى جامعة القاهرة، التى أصبحت أحد أهم مراكز تدريس هذا التخصص فى المنطقة، كما امتد نشاطه إلى العالمية من خلال التدريس فى جامعات عربية ودولية ثم رئيسا لجامعة القاهرة.
وقد تميز أسلوبه بالجمع بين الصرامة النظرية والربط الدائم بالواقع السياسى، لم يكن يدرس القانون الدولى باعتباره نصوصا جامدة، بل باعتباره ساحة صراع مصالح، تحكمها قواعد لكنها أيضا تخضع لموازين قوى، وكان يؤكد دائما أن فهم القانون الدولى، لا يكتمل إلا بفهم السياسة الدولية‪.‬
أشرف على العشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه، وخرّج أجيالًا من القضاة، والدبلوماسيين، وأساتذة الجامعات، الذين تولوا لاحقًا مناصب مهمة داخل مصر وخارجها، كثيرون منهم يعتبرونه المؤسس لمدرسة مصرية معاصرة فى القانون الدولى.
ومن أبرز مؤلفاته‪:‬‫ القانون الدولى العام، والمنظمات الدولية، وقانون البحار الجديد والمصالح العربية، وجامعة الدول العربية: دراسة تحليلية لميثاقها وإنجازاتها، هذه الكتب لم تكن مجرد مقررات جامعية، بل مراجع تأسيسية لفهم علاقة مصر والعالم العربى بالنظام الدولي‬‪.‬
ثالثا: رجل طابا.. حين استعاد القانون أرضا
وإذا كان لكل عالم لحظة فارقة، فإن لحظة الدكتور مفيد شهاب كانت فى ملف طابا، بعد توقيع معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية، برز خلاف حول تبعية منطقة طابا، ولجأت مصر إلى التحكيم الدولى لاستعادة حقها‪.‬
وكان شهاب عضوًا بارزا فى الفريق القانونى المصرى أمام هيئة التحكيم الدولية، التى انعقدت فى جنيف، وانتهت بصدور الحكم عام 1988 لصالح مصر، مؤكدا مصرية طابا‪.‬
ولم تكن القضية مجرد نزاع حدودى، بل اختبارا لقدرة الدولة المصرية على استخدام أدوات القانون الدولى، لاستعادة حقها دون اللجوء إلى القوة العسكرية، وقد مثلت هذه التجربة نموذجا لكيفية توظيف القانون كأداة سيادية‪.‬
فى تلك المعركة القانونية، ظهر شهاب بصفته عقلا تحليليا هادئا، قادرا على تفكيك الحجج الإسرائيلية، والاعتماد على الوثائق والخرائط والاتفاقيات التاريخية، وقد رسخت طابا مكانته كأحد أبرز خبراء القضايا السيادية فى مصر‪.‬
رابعا: من الجامعة إلى الحكومة.. الأكاديمى فى موقع القرار
لم تترك الدولة المصرية مفيد شهاب فى دائرة الجامعة فقط، بل استدعته إلى مواقع تنفيذية وتشريعية رفيعة، فقد تولى منصب وزير التعليم العالى والبحث العلمى فى أواخر التسعينيات، ثم تولى وزارة الشئون القانونية والمجالس النيابية، إلى جانب عضويته فى مجلس الشورى ومجلس الشعب‪.‬
وفى وزارة التعليم العالى، سعى إلى تطوير البنية التشريعية للجامعات، وتوسيع مظلة التعليم العالى الخاص، وتعزيز التعاون الدولي. أما فى وزارة الشئون القانونية، فقد كان مسئولًا عن إدارة العلاقة بين الحكومة والبرلمان، فى مرحلة سياسية دقيقة شهدت تعديلات دستورية وقوانين محورية، والجدير بالذكر أن وجود أستاذ قانون دولى فى هذا الموقع، منح الحكومة خبرة قانونية عميقة فى صياغة التشريعات، وفهم انعكاساتها الدستورية والدولية‪.‬
خامسا: عضو المحكمة الدائمة للتحكيم.. الحضور الدولى
ومنذ عام 1988، أصبح الدكتور مفيد شهاب عضوا فى المحكمة الدائمة للتحكيم فى لاهاى، وهى إحدى أعرق المؤسسات القانونية الدولية، ولا شك أن هذا المنصب يعكس اعترافا دوليا بكفاءته وخبرته، ويضعه ضمن نخبة من القانونيين الذين يستعان بهم فى فض النزاعات بين الدول، ومن خلال هذا الموقع، ظل حاضرا فى قلب النظام القانونى الدولى، مطلعا على أحدث تطوراته‪.‬
سادسا: تيران وصنافير.. الجدل القانونى والسياسى
وعاد اسم مفيد شهاب إلى الواجهة مجددا مع الجدل، الذى أثير حول اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والمتعلقة بجزيرتى تيران وصنافير، حيث شارك شهاب فى تقديم الرأى القانونى الداعم لموقف الحكومة، مستندا إلى وثائق تاريخية وقانونية‪.‬
سابعا: الفكر القانونى.. بين السيادة والعولمة
وفى كتاباته ومحاضراته، ركز شهاب على إشكالية التوازن بين سيادة الدولة ومتطلبات العولمة، وكان يرى أن الدولة الوطنية لم تمت، كما يروج البعض، لكنها أصبحت تعمل فى بيئة دولية أكثر تعقيدا‪.‬
وكان يؤكد أن القانون الدولى ليس قانونًا مثاليًا، بل هو نتاج تفاوض بين الدول، وأن الدول النامية يجب أن تمتلك كوادر قانونية قادرة على الدفاع عن مصالحها فى مجالات مثل‪:‬‫ ترسيم الحدود البحرية، واستغلال الموارد الطبيعية، والانضمام للاتفاقيات الدولية، والتحكيم التجارى الدولي.‬
ثامنا: الجوائز والتكريمات.. اعتراف بمسيرة
حصل الدكتور مفيد شهاب على العديد من الجوائز، من بينها‪:‬
جائزة الدولة التقديرية، وجائزة النيل فى العلوم الاجتماعية، ووسام الجمهورية من الدرجة الأولى، كما نال أيضا عدة أوسمة دولية، تقديرا لإسهاماته فى القانون الدولي‪.‬
تاسعا: الإنسان خلف المنصب
وبعيدا عن المناصب، عرف مفيد شهاب بهدوئه الشديد، وابتسامته الدائمة، وانضباطه الأكاديمى، كان صارما فى المحاضرات، لكنه قريب من طلابه، لم يكن باحثا عن الأضواء، بل كان يفضل العمل فى صمت، فقد كان يؤمن بأن قيمة العالم تقاس بما يتركه من أثر فى طلابه، لا بعدد المناصب التى شغلها‪.‬
إرث يبقي
وقد رحل عنا الدكتور مفيد شهاب صباح يوم 15 فبراير الجارى، تاركا وراءه إرثا فكريا وقانونيا عميقا، جسد قدرة الأكاديمى على خدمة وطنه فى أرفع المحافل، وجمع بين التفوق العلمى والممارسة العملية، والدور الوطنى فى اللحظات الحاسمة، فيما نعاه زعماء الدولة والمؤسسات الاكاديمية، اعتبره كثيرون أيقونة فى القانون الدولى وعنوانا للمثابرة والإبداع العلمي.a
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام