حياة الناس



ظاهرة تؤرق العالم وتزداد فى الدول العربية خلال شهر رمضان.. إهدار مليار وجبة طعام يوميا

21-2-2026 | 23:32
محمد عبد الحميد - وجيه فاروق

 ثلث البشرية يواجه خطر انعدام الأمن الغذائى.. وما يتم فقده من طعام يكفى 1.26 مليار جائع
 
60 مليار دولار سنويا تكلفة هدر الطعام فى الشرق الأوسط.. ويستنزف نحو 50 % من ميزانية الأسر العربية
 
جهود حكومية تبذل فى مصر ودول الخليج العربى وشمال إفريقيا للحد من تلك الظاهرة 
 
د. أحمد كريمة: مظاهر هدر الغذاء فى رمضان وغيره من شهور العام تتنافى تماما مع تعاليم الدين 
 
د. حامد أبوطالب: الإسلام يدعونا لإطعام ذوى الحاجات وجعل ذلك سببا فى مجاوزة عقبات يوم القيامة
 
د. عبد المنعم فؤاد: هدر الطعام والإسراف والتبذير من أشد أنواع الجحود لنعم الله
 
الأمم المتحدة: ثلث الغذاء المنتج عالميا يتم إهداره.. ما يسبب خسائر اقتصادية تقدر بأكثر من تريليون دولار سنويا
 
قبل أن تهم بمغادرة مائدة الأفطار الرمضانى، هل تساءلت يوما: «إلى أين تذهب الكميات المتبقية من وجبات الطعام التى أمامك؟»،  قد تجد الإجابة حاضر أمام عينيك، وأنت تشاهد الطريقة التى يتم من خلالها تنظيف المائدة والتخلص من بقايا الطعام فى سلة النفايات، فهل فكرت فى طريقة  للحيلولة دون هدر الطعام مع كيفية الحفاظ على تلك النعمة؟
الأمر لا يقتصر عليك وحدك، العالم من حولك  وعلى الرغم من كم الأزمات التى تعصف بأمنه واستقراره، باتت تؤرقه أيضا أزمة «الفقد والهدر الغذائى»، حيث تقدر المنظمات الدولية ( الفاو وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة)، أن ثلث الغذاء المنتج عالمياً (1.3 مليار طن)، يهدر مما يسبب خسائر اقتصادية تقدر بـأكثر من تريليون دولار سنوياً. 
حدود الأزمة تمتد لتشمل الأثر البيئى، حيث يسهم الفقد والهدر الغذائى بنسبة تتراوح بين 8 % إلى 10 %، من إجمالى انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى عالمياً، فضلا عن أن هناك أكثر من مليار وجبة غذائية تهدر يومياً، فى الوقت الذى يواجه ثلث البشرية انعداما للأمن الغذائى، وتقول «منظمة الفاو»، إن الأغذية التى تُفقد وتُهدر، يمكن أن تطعم قرابة 1.26 مليار جائع!
 
تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقدان أو هدر حوالى ثلث الغذاء المُنتج بمعدل يتراوح بين 75 إلى 163، كيلوجراماً للفرد سنوياً على مستوى الأسر تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار، وفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، ويستنزف الإسراف فى الطعام نحو 50 % من ميزانية الأسرة فى العالم العربى.
ويزداد الهدر خلال شهر رمضان ليصل إلى 30 %، من إجمالى الهدر السنوى، بسبب سوء التخزين، والنقل، والعادات الاستهلاكية، والمبالغة فى الولائم، حيث تندفع بعض الأسر يوميا فى إعداد كميات كبيرة من الطعام تتجاوز احتياجتها بصورة لا تتسم مع روحانيات الشهر الكريم!
تعرف منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، الفقد والهدر الغذائى بأنهما انخفاض فى كمية أو جودة الغذاء المخصص للاستهلاك البشرى، مع تمييز دقيق بينهما بناءً على مرحلة حدوثهما فى سلسلة الإمداد، يقع (الفقد الغذائى (فى المراحل الأولى من سلسلة التوريد، بدءاً من ما بعد الحصاد وحتى وصول المنتج إلى تجارة التجزئة، ويعود غالباً إلى مشاكل تقنية أو إدارية مثل سوء التخزين، نقص البنية التحتية، ضعف سلاسل التبريد، أو أخطاء أثناء الحصاد والنقل، ويُفقد العام نحو 13.2 %، من الغذاء المنتج سنويا فى هذه المرحلة، بينما (الهدر الغذائى) يقع فى نهاية سلسلة الإمداد، وتحديداً لدى تجار التجزئة (السوبر ماركت)، مزودى الخدمات الغذائية (المطاعم)، وعلى مستوى الأسر، ويرتبط بقرارات وسلوكيات المستهلكين والبائعين، مثل التخلص من طعام لا يزال صالحاً للأكل بسبب الإهمال أو الشراء الزائد، أو انتهاء تاريخ الصلاحية، ويتم هدر نحو 19 % من الغذاء العالمى فى هذه المرحلة.
 
مصر.. تحدٍ اقتصادى
يُقدر حجم الهدر الغذائى فى مصر بنحو 10 ملايين طن سنوياً، وهو ما يعادل تقريباً 91 كيلوجراماً، من الطعام المهدر للفرد الواحد فى السنة. وتزداد نسب الهدر فى شهر رمضان، والأعياد والمناسبات المختلفة، (الأفراح وأعياد الميلاد)، حيث يتم التخلص من 60 % على الأقل من الأطعمة الصالحة للأكل، ويشكل هذا الهدر تحدياً اقتصادياً كما يسهم فى زيادة الانبعاثات الضارة بالبيئة، وتعمل الحكومة على مواجهة هذه الظاهرة من خلال إستراتيجية متكاملة تشمل تعزيز كفاءة التخزين، وإعادة توزيع الطعام الفائض عبر بنوك الطعام،  فضلا عن مشروعات تدوير المخلفات، ومبادرات لنشر الوعى بخطورة الظاهرة، إضافة إلى تشريعات برلمانية مقترحة تفرض غرامات كبيرة على المخالفين، مع محفزات ضريبية للشركات والمنشآت الملتزمة بإعادة تدوير أو توزيع الفائض عبر بنوك الطعام. 
 
السعودية.. 40 مليار ريال
يتصدر الأرز والخبز والخضروات قائمة السلع الأكثر هدراً فى المملكة العربية السعودية وتقدر تكلفة الهدر الغذائى بنحو 40.4 مليار ريال سنوياً، بمقدار يصل إلى 4 ملايين طن من الطعام، وهناك جهود كبيرة تبذل من قبل حكومة خادم الحرمين الشريفين للحد من تلك الظاهرة، وأثمرت عن انخفاض ملحوظ فى معدلات هدر الطعام خلال عام 2025، حيث تراجع مؤشر الهدر إلى 15.8 % (مقارنة بـ 18.9 % فى 2019)، بينما انخفض الفقد الغذائى إلى 12.1 %. يبلغ متوسط هدر وفقد الفرد سنوياً نحو 155 كجم، ومؤخرا وافق مجلس الشورى على مشروع “حوكمة هدر الغذاء وإدارة مخاطر الأسعار” لتعزيز الرقابة، وتستهدف المملكة خفض الهدر بنسبة 50 % بحلول عام 2030.
 
الإمارات.. 3.27 مليون طن
بينما يُقدّر حجم هدر الطعام فى دولة الإمارات العربية المتحدة، بنحو 3.27 مليون طن سنويًا، بتكلفة اقتصادية تصل إلى 3.5 مليار دولار.  ويبلغ متوسط هدر الفرد نحو 224 كيلوجراماً سنوياً، وشهدت الفترة الأخيرة تكثيف حكومة الإمارات جهودها من خلال دراسات وطنية شاملة ومبادرات رقمية مبتكرة، مدفوعة بهدف إستراتيجى يتمثل فى خفض الهدر بنسبة 50 % بحلول عام 2030، من خلال مبادرات وطنية مثل "نِعمة" التى أعلنت أخيرا عن إطلاق أول دراسة خط أساس وطنية لقياس فقد وهدر الغذاء على مستوى الدولة، بمشاركة واسعة من الأسر والمؤسسات والقطاعين الحكومى والخاص، ومن المقرر الكشف عن نتائجها خلال النصف الأول من العام الجارى 2026 .
 
البحرين.. 94 مليون دينار
يقدر حجم هدر الطعام فى مملكة البحرين، بنحو 493 طناً يومياً ترتفع لأكثر من 600 طن فى رمضان، وبلغ متوسط هدر الطعام السنوى للفرد الواحد نحو 171 كيلوجراما، وتقدر قيمة الطعام الصالح للأكل الذى يتم هدره سنوياً بنحو 94 مليون دينار بحرينى، وهناك جهود حكومية كثيرة تبذل للحد من تلك الظاهرة أبرزها مبادرة “حفظ النعمة”، والتى تمكنت بنهاية عام 2025، من إعادة توزيع حوالى 286,208 وجبة، وأسهمت فى حفظ ما يقرب من 230 طناً من الطعام من الهدر. بالتزامن مع إطلاق حملات توعوية مثل “قدرها لتدوم”، و”الجود من الموجود” بهدف تغيير السلوك الاستهلاكى لدى المواطنين والمقيمين. وتهدف حكومة البحرين لتقليل كميات النفايات المحولة إلى المدفونات بنسبة 35 %، مع التركيز على تحسين إدارة النفايات العضوية (التى يشكل الطعام 60 % منها) وتحويلها إلى طاقة أو أسمدة. 
 
قطر.. ضعف المتوسط العالمى
فى المقابل بلغ حجم سوق إدارة النفايات الصلبة فى دولة قطر 2.73 مليار دولار فى عام 2025، حيث تمثل المواد العضوية (التى تشكل النفايات الغذائية جزءاً كبيراً منها) نحو 48.2 % من إجمالى سوق إدارة النفايات، ويُقدر هدر الشخص الواحد فى قطر بنحو 1.27 كجم من النفايات يومياً، أو ما يعادل 463 كجم سنوياً، وهو ما يقرب من ضعف المتوسط العالمى، وترتفع معدلات هدر الطعام خلال شهر رمضان والأعياد والاحتفالات لتتجاوز 30 % من الأغذية المقدمة، وتسعى حكومة قطر لخفض نسبة الهدر السنوى لتصل إلى 9 % ضمن إستراتيجيات الأمن الغذائى، فضلا عن نمو خدمات إعادة التدوير بمعدل سنوى قدره 8.05 %، مع التركيز على تحويل النفايات العضوية إلى طاقة أو أسمدة. 
 
الكويت.. 400 ألف طن
تشير التقديرات إلى إهدار نحو 400 ألف طن من الغذاء سنوياً فى دولة الكويت، ويصل متوسط هدر الفرد للطعام من 95 إلى 101 كيلوجرام سنوياً، وأظهرت دراسة حديثة أن النفايات العضوية (التى يشكل الطعام الجزء الأكبر منها)، تمثل 35.1 % من إجمالى النفايات الصلبة فى الكويت، وسجلت يوما الجمعة والإثنين أعلى مستويات لهدر الطعام المنزلى، بينما يرتفع معدل الهدر بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان والمناسبات الوطنية نتيجة لإعداد كميات تفوق الحاجة، وهناك تأثير سلبى لتلك الظاهرة على البيئة، حيث تتسبب النفايات العضوية غير المعالجة فى انبعاث نحو 4.5 مليون طن من غاز ثانى أكسيد الكربون سنويا، وتعمل حكومة الكويت من خلال إستراتيجية الإدارة الوطنية للنفايات 2040 على تحسين إدارة النفايات العضوية، فضلا عن مبادرات لتقليل الفاقد والمهدر لتعزيز الأمن الغذائى، وتوجد مقترحات لفرض فرز النفايات إلزامياً من المصدر (المنازل والمنشآت التجارية) لتحسين معدلات إعادة التدوير. 
 
عُمان.. مبادرات ميدانية
وفى سلطنة عُمان تزداد نسبة هدر الطعام لتصل 30 %، خلال شهر رمضان، وتُكثف حكومة السلطنة جهودها لتقليص معدلات الهدر عبر مبادرات تشريعية وميدانية، مدفوعةً بنتائج دراسات وطنية استهدفت تحديد حجم المشكلة وتوعية المجتمع، أبرزها قيام وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه بإطلاق "مختبر الأمن الغذائى" الذى يهدف إلى تعزيز سلاسل الإمداد والتوزيع، مما يقلل الفاقد فى مراحل ما قبل الاستهلاك، فضلا عن استمرار "بنك الطعام العُمانى" (دائمة) فى توسيع نطاق تغطيته لجميع المحافظات، حيث يركز على حفظ النعمة وتوزيع الفائض للأسر المستحقة، مع مبادرات تطوعية دولية ومحلية لتعزيز الوعى.
 
لبنان.. 40 % من إجمالى الغذاء
يعانى المجتمع اللبنانى من هدر طعام يصل إلى 40 %، من إجمالى الغذاء سنوياً، وتبرز هذه المشكلة بشكل أكبر خلال الأعياد والمناسبات الاجتماعية نتيجة الإفراط فى التحضير والشراء، وتسعى الحكومة لإقرار قانون مكافحة هدر الغذاء الذى يهدف لوهب الفائض للمحتاجين. بالتزامن مع نشاط ملحوظ لجمعيات أهلية، فى مناطق متفرقة من لبنان تعمل على زيادة الوعى بمخاطر الهدر وتشجيع الأسر على التبرع بالفائض لتوزيعه على الفقراء.
العراق.. 5 ملايين طن
فى حين يقدر إجمالى كمية الطعام المهدر فى العراق، بنحو 5 ملايين طن سنوياً، نصيب الفرد منها يتراوح من 120 إلى 143 كيلوجراماً سنوياً، ويصنف العراق كواحد من أكثر الدول هدراً للغذاء على المستويين العربى والعالمى، وتتعدد الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، وفى طليعتها ثقافة الاستهلاك التى تميل إلى طهى كميات تفوق الحاجة الفعلية فى الوجبات الغذائية المنزلية، وشراء أغذية تزيد على الحاجة، مما يؤدى لتلفها، وكذلك المناسبات الاجتماعية، حيث تسهم الولائم الكبيرة فى المناسبات والاحتفالات بنسبة كبيرة من الفائض، الذى ينتهى به المطاف فى النفايات.
 
الأردن.. 81.3 كيلوجرام للفرد
بينما بلغ حجم هدر الطعام السنوى فى الأردن نحو 1.13 مليون طن، بمعدل يصل إلى 81.3 كيلوجراماً للفرد الواحد سنويا، ويرتفع معدل الهدر فى المطاعم خلال شهر رمضان، بنسبة تتراوح بين 25 - 30 % نتيجة سوء التخطيط وسلوكيات الشراء المبالغ فيها، وتعمل الحكومة الأردنية للحد من هذه الظاهرة عبر مسارات عدة، أبرزها الإستراتيجية الوطنية للأمن الغذائى، وتستهدف تحويل النظم الغذائية لتكون أكثر كفاءة واستدامة، مع التركيز على تقليل الفاقد، فضلا عن إطلاق حملات وطنية تحت شعار “لا لهدر الطعام”، لرفع وعى المستهلكين بأهمية ترشيد الاستهلاك وآثاره الاقتصادية والبيئية.
 
تونس.. إستراتيجية وطنية
يهدر الفرد فى دولة تونس نحو 172 كيلو جرام من الطعام سنويا، كما يوجه نحو 5 % من إنفاق الأسرة الشهرى، نحو طعام يتم التخلص منه فى النهاية وترتفع نسب الهدر فى شهر رمضان، حيث يتم التخلص من 66 % من الأطعمة المطبوخة، ويؤدى هدر الخبز فى رمضان وحده إلى ضياع نحو 11 مليار لتر، من الموارد المائية المستخدمة فى الإنتاج، ما جعل من هذه الظاهرة تحدياً اقتصادياً وبيئياً كبيراً، وتعمل السلطات التونسية حالياً مع منظمة “الفاو” على وضع إستراتيجية وطنية للحد من هذا الهدر، خصوصا فى المناطق الحضرية الكبرى.
 
الجزائر.. 10 ملايين رغيف
بينما فى الجزائر، تصل نسبة الأغذية التى يتم هدرها سنويا إلى 30 % من إجمالى المتاح للاستهلاك، ويعتبر “الخبز” الطعام الأكثر تبذيرا، حيث يُقدر حجم الهدر اليومى فى الظروف العادية، بنحو 10 ملايين رغيف من أصل 50 مليون تنتج يومياً، ويتراوح حجم النفايات المنزلية السنوية بين 12 إلى 15 مليون طن، ويمثل الطعام جزءاً كبيراً منها، مما دفع السلطات الجزائرية لإطلاق حملات وطنية مكثفة لترشيد الاستهلاك، فضلا عن مبادرات تهدف لرفع الوعى بمخاطر التبذير الغذائى وتشجيع ثقافة الاستهلاك المسئول.
 
المغرب.. 4.2 مليون طن
يُقدر هدر الطعام فى دولة المغرب بنحو 4.2 مليون طن سنوياً على مستوى الأسر، ويصل نصيب الفرد فى المتوسط إلى 113 كيلوجراماً من الأغذية سنوياً، وهو ما يشكل استنزافاً للأمن الغذائى والميزانية المنزلية، ويمثل هدر الطعام ما يعادل 12 % من ميزانية الأسر المخصصة للغذاء، وفى مقابل ذلك برزت مشاريع مغربية مبتكرة، تستهدف تحويل هدر الطعام إلى فرص اقتصادية، فضلا عن أنه تنشط جمعيات مدنية فى توزيع الفائض من طعام الفنادق والمطاعم، على الفئات المحتاجة لتعزيز المسئولية المجتمعية.
 
إسراف وتبذير
من جهته، يرى الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، أن مظاهر هدر الغذاء فى رمضان وغيره من شهور العام،  تتنافى تماما مع تعاليم الدين الذى اعتنى بقوام الإنسان، من مأكل وملبس ومشرب ومسكن، وقال: هناك باب كبير فى الفقه مخصص للأطعمة والأشربة، يتناول الآداب والسلوكيات التى يجب أن تتبع فى الأكل والشرب، وفى طليعتها عدم الإسراف، لقوله تعالى فى كتابه الكريم: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»، وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم «طعام الاثنين يكفى الثلاثة»، لذلك منع سيدنا عمر ذبح الأنعام يوميا منعا للإسراف، بمعنى ألّا يكون يوميا ذبح، لأن من هدْىِ الإسلام المحافظة على الموارد الرئيسة من الحبوب والأقوات وسائر ما يتقوت به الإنسان فى حياته، فحرم الإسلام الاحتكار والمعاملات التى بها جشع وطمع وغلاء وجعل لتناول الطعام آدابا، فمن هدى النبى صلى الله عليه وسلم أن يأكل الإنسان بنظام لا يضر صحته، وأرشد إلى المنهج الصحى فى تناول الطعم، فقال: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع»، وقد كان من هدى الرسل والأنبياء إكرام الضيوف دون إسراف. 
 وأضاف الدكتور أحمد كريمة، هذه التعاليم لو أخذنا بها لحفظنا النعمة، وملأنا بطون الجائعين، ورسمنا البهجة على وجوه البائسين. وهذا من حسن جوار نعم الله تعالى، فعن عائشة رضى الله عنها قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى كسرة ملقاة فقال: «يا عائشة أحسنى جوار نعم الله عليك، فإنها قل أن نفرت عن قوم فكادت ترجع إليهم» ورواه ابن ماجه ولفظه: «فدخل على، فرأى كسرة ملقاة فأخذها فمسحها ثم أكلها وقال: يا عائشة أكرمى كريمك فإنها ما نفرت عن قوم فعادت إليهم». 
وتابع الدكتور أحمد كريمة قائلا: فى شهر رمضان يكثر التبذير والهدر للغذاء دون وعى، كما أن بعض الأثرياء يتفاخرون - فى الأفراح والمناسبات - بإعداد كميات هائلة من الطعام لا يستهلك الضيوف منها إلا القليل، وبدل أن يصرف الفائض إلى الفقراء والمساكين، يكون مصير كثير من هذا الطعام هو صناديق النفايات، وهذا يضيف إلى خسارة قيمة الطعام خسارة أخرى تتمثل فى تكلفة نقل هذه النفايات والتخلص منها. 
 
الفقراء والمساكين
وفى السياق ذاته، يؤكد الدكتور حامد أبو طالب، عميد كلية الشريعة والقانون الأسبق بجامعة الأزهر، ضرورة المحافظة على نعم الله والتصدق بالفائض منها على الفقراء والمساكين، خصوصا أن العالم يمر بأزمة اقتصادية عالمية، وأضاف : الإسلام يدعونا لإطعام الطعام لذوى الحاجات وجعل ذلك سببا فى مجاوزة عقبات يوم القيامة، فقال تعالى “فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَة وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ”.
 
ثقافة التكافل
من جهته، يرى الدكتور عبد المنعم فؤاد، المشرف على أروقة الأزهر، أن هدر الطعام والإسراف والتبذير من أشد أنواع الجحود بنعم اللـه، وقال : كفران النعمة منذر بالخطر، ليس على الواقعين فيه فقط، بل العقاب ينزل على الجميع، وكفى المبذر إثما أنه يكون أقرب شبهًا للشيطان، فقد قال تعالى: “وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوانَ الشَّيَـاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبّهِ كَفُورا”،  ويطالب “المشرف على أروقة الأزهر” بنشر ثقافة التكافل فى الطعام، وتربية الأطفال على فقه الطعام.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام