حياة الناس



معادن وأساطير (1-4).. أشعل الأطماع البشرية وأثار خيال المؤلفين.. "الذهـب" الرصيد اللامع

21-2-2026 | 23:47
ريم عزمى

فى العصور القديمة كان معدنا مقدسا.. وحديثا بات رمزا للوجاهة الاجتماعية والغنى
 
قناع الملك «توت عنخ آمون» المصنوع من الذهب أحد أشهر القطع الأثرية فى العالم
 
قدماء المصريين أول من استخرجوه وكان مرتبطا بالآلهة مثلما يظهر فى قرص الشمس «رع»
 
عربيا بات مرتبطًا بالزواج وعليه يتم تقييم مهر وشبكة العروس
 
الذهب ذلك المعدن الذى تضعف أمامه المشاعر البشرية، ويفرض سطوته على قلوب النساء. من أجله جاب الإنسان الكرة الأرضية فى رحلات استكشافية للعثور عليه، ومع مرور السنون تعاظمت أهميته وقيمته وباتت ثروات الدول تقاس بحجم رصيدها منه، حتى أشعل الطمع فى نفوس البشر، وأثار الخيال فى عقول المؤلفين.
لطالما أسر الذهب البشرية لآلاف السنين، فبريقه الساطع ومتانته وندرته جعلته رمزا للثروة والسلطة والمكانة، عبر الحضارات وتكمن جاذبية الذهب فى خصائصه الفيزيائية، وقوته الرمزية على عكس المعادن الأخرى.
 
تحويل التراب أو المعادن الرخيصة إلى ذهب، هو أسطورة خيميائية قديمة تعرف بـ "حجر الفلاسفة"، منها حكاية "فاوست" ، فى التراث الشعبى الألمانى، والتى تمت معالجتها بطرق مختلفة فى ثقافات أخرى، ومن أشهر الأعمال التى تناولت مغامرات حول الذهب، نجد ثلاثية الأفلام الأمريكية عن الصراع حول كنز فى العالم الجديد من نوعية الكاوبوى "الطيب والشرس والقبيح" ، فى ستينيات القرن الماضى بطولة النجم الكبير كلينت إيستوود، وترتبط صفة الذهب بكل ما هو براق، فمثلا لوصف فترة زمنية تتسم بالرخاء أو الهيمنة نقول العصر الذهبى لكذا.
 
بريق دائم
ما إن نتكلم عن الذهب، فلنذكر الأمثال الشعبية، وقالوا عن المعدن الأصفر: "الذهب مبيصديش" ، بمعنى الإنسان صاحب المعدن الأصيل، و"الذهب زينة وخزينة" ، بمعنى مكمل للأناقة ومفيد فى الادخار، كما يطلق كتشبيه على مواد عالية القيمة، مثل الذهب الأبيض كناية عن القطن خصوصا القطن المصرى طويل التيلة، والذهب الأسود وهو النفط الخام، والذهب الأحمر هو نبات الزعفران، والذهب الأزرق هو المياه، خصوصا فى منطقة الشرق الأوسط لندرتها، وأبدع الراحلون فغنى عبد الحليم حافظ من ألحان محمد الموجى، وكلمات سمير محجوب "ياتبر سايل بين شطين يا حلو يا اسمر"، والذهب الأخضر وهو زيت الجوجوبا، والذهب السائل هو زيت الأرجان.
 
ألوان الذهب
كما أن هناك ألوانا من الذهب، وهى الذهب الأصفر: اللون الأكثر تقليدية، يتكون من الذهب الخالص مخلوطا مع النحاس والفضة بنسب متفاوتة، ويفضل لبريقه الطبيعى، وتأثير العيار على اللون، عيار 24: أصفر (نقى)، وعيار 21: أصفر غنى ودافئ، وعيار 18 أصفر فاتح أو مائل للوردى/الأبيض بسبب ارتفاع نسبة المعادن الأخرى. 
والذهب الأحمر أو البرتقالى أو الوردى، هو سبيكة معدنية تتكون من دمج الذهب الخالص مع نسبة عالية من النحاس، مما يمنحه لونا ورديا أو أحمر غنيا يزداد شدة بزيادة النحاس، يستخدم هذا النوع فى المجوهرات لمتانته، ولمسته الرومانسية، الذهب الأحمر غالبا، ما يكون عيار 18 قيراطا.
والذهب الأبيض هو سبيكة معدنية ثمينة، تتكون من خلط الذهب الخالص (الأصفر) مع معادن بيضاء مثل البلاديوم أو النيكل والفضة، وغالبا ما يطلى بالروديوم لزيادة لمعانه ومتانته، يتميز بصلابته ومقاومته للخدش.
والذهب الأخضر: لون نادر يتكون من خلط الذهب الخالص مع الفضة والزنك، والذهب الرمادى أو الأزرق أو الأسود، يستخدم فى المجوهرات العصرية، حيث ينتج الرمادى بخلط الذهب مع الفضة أو البلاديوم، بينما ينتج الأسود من خلط الذهب مع الكوبالت. 
لطالما أسر الذهب البشرية لآلاف السنين، فبريقه الساطع ومتانته وندرته جعلته رمزا للثروة والسلطة والمكانة عبر الحضارات، ويخفف من القلق المالى، من خلال توفير مخزن ملموس للقيمة، حظى بالتقدير والاحترام عبر التاريخ، هذا الشعور بالراحة النفسية، هو أحد الأسباب الرئيسية التى تجعل الذهب خيارا مفضلا للمستثمرين الساعين لحماية ثرواتهم.
وعن "سيكولوجية الذهب" هناك جاذبية نفسية وتشير الأبحاث إلى أن البشر، ينجذبون بالفطرة إلى لون ولمعان الذهب، ويربطونه بالدفء والإيجابية والطاقة، كما يمنح امتلاك الذهب المادى الأفراد من التواصل مع قطعة ملموسة من التاريخ، مع الحفاظ على ثرواتهم فى شكلٍ قيمة دائمة منذ آلاف السنين.
كما يشير علماء النفس، "إلى أن الإنسان ينجذب بطبيعته إلى الأشياء النادرة والمتينة والجميلة، والذهب يجمع كل هذه الصفات على أكمل وجه”، وأيضا يعكس الذهب المكانة الاجتماعية، فقد "استخدمه الملوك والملكات والأباطرة لإظهار ثروتهم وسلطتهم، بينما كان عامة الناس يجلونه كرمز للرخاء والرضا الإلهى، وحتى اليوم، لا يزال الذهب يحمل دلالات مماثلة، فالساعات الفاخرة والمجوهرات النفيسة والعملات المعدنية ذات القيمة العالية، تعكس جميعها إعجابا اجتماعيا راسخا.
 
مكانة روحية
احتل الذهب مكانة عميقة، تكاد تكون روحانية، فى الثقافة الإنسانية منذ أكثر من 7000 عام، فى فترات ما قبل التاريخ.
ففى التقاليد الآسيوية يمثل  رمز الازدهار والحماية، وربما تكون العلاقة بين الثقافة الهندية والذهب هى الأعمق، والأكثر ارتباطا إذ ينظر إليه على أنه مقدس ومبارك، ويرمز إلى الإلهة لاكشمى ربة الثروة، ويستخدم بكثرة فى حفلات الزفاف.
وفى الصين، يعتبر الذهب رمزا للثروة والحظ السعيد والسعادة، ويهدى للمواليد الجدد والعرائس، لجلب الرخاء وتوفير شبكة أمان مالى، وفى اليابان: النهج المتبع فى استخدام الذهب أكثر بساطة، حيث تُستخدم اللمسات الذهبية غالبا فى الحرف التقليدية (مثل كينتسوجى، فن إصلاح الفخار المكسور بالذهب)، للدلالة على الرقى وطول العمر والجمال فى عدم الكمال.
وفى المنطقة العربية: تاريخيا، كان ينظر إلى الذهب على أنه جسر بين الدنيوى والسماوى، وغالبا ما كان يرتبط بالشمس، فى دول الخليج وبلاد الشام، يعتبر الذهب جزءا حيويا من مهر الزفاف، ويطلق عليه فى مصر الشبكة وهو العريس للعروس. 
وفى التراث الإفريقى، يحمل القوة والهوية الموروث، وفى جميع أنحاء القارة، ولديه أهمية روحية واجتماعية عميقة، وغالبا ما يمثل الملكية والسلطة والأصل، ففى غرب إفريقيا مثلما فى غانا وشهرتها ساحل الذهب، استخدم شعب الأشانتى الذهب تاريخيا للدلالة على المكانة الاجتماعية، وترتدى المجوهرات الذهبية لتكريم الأجداد، والاحتفال بالمناسبات المهمة فى الحياة، مثل مراسم تسمية المواليد.
وفى التفسيرات الغربية يرمز للرومانسية والإنجاز، ويرتبط الذهب فى المقام الأول بالحب الرومانسى، (خواتم الزواج)، والإنجاز الشخصى (الميداليات، والكئوس، وساعات التقاعد)، والقيمة، «يستحق وزنه ذهبا» يعكس وجهة النظر إلى الذهب، باعتباره المقياس النهائى والمستقر للقيمة. 
وفى الأمريكتين، فى ثقافات ما قبل كولومبوس (الإنكا/الأزتك)، لم يكن ينظر إلى الذهب على أنه عملة، بل على أنه "عرق الشمس"، وكان يستخدم فى المقام الأول فى الاحتفالات الدينية وكقرابين للآلهة. 
وفى الحضارات القديمة وبالأخص فى مصر القديمة، تذكر بعض المراجع أن المصريين القدماء هم أول من استخرجه وصهره، وكان الذهب مرتبطا بالآلهة، مثلما يظهر فى قرص الشمس رع، مما جعله ضروريا فى طقوس الدفن الملكى، مثل قناع توت عنخ آمون، وكتب المتحف المصرى الكبير على موقعه الإلكترونى وصفه "يعتبر قناع الملك توت عنخ آمون المصنوع من الذهب أحد أشهر القطع الأثرية فى العالم، ويعد نسخة مثالية من ملامح وجه الملك المعروفة من خلال التوابيت والتماثيل.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام