وجوه عبر الزمن



‫جليل حيدر.. حين يكون الصمتُ موقفًا (2 من 3) ‬

22-2-2026 | 00:45
إلهامى المليجى

لم يكن جليل حيدر شاعرًا يعيش على هامش الواقع، ولا صحفيًا يختبئ خلف حيادٍ بارد كان الاثنين معًا، ولكن على طريقته الخاصة: دقيقًا فى المهنة، نظيفًا فى العبارة، وأنيقًا فى حضوره كما فى قصيدته. 
 
فى غرفة التحرير، لم يكن الأعلى صوتًا، لكنه كان الأوضح رأيًا. يحرر الجملة كما لو كان ينقّيها من فائض الانفعال، ويعيد ترتيب الخبر كما لو كان يعيد ترتيب ضميره.
لم يكن يبحث عن سبقٍ صحفى بقدر ما كان يبحث عن صياغة لا تخون المعنى.
تلك الأناقة لم تكن شكلًا، بل أخلاق.
لم يكن يرفع شعارات كبيرة، ولا يتكئ على انتمائه اليسارى ليصنع لنفسه هالة.
كان يعرف أن الحزب إطار لا هوية بديلة، وأن القصيدة موقف لا منشور تعبئة.
جيل السبعينيات اليسارى فى العراق لم يعش زمنًا ثقافيًا هادئًا.
عاش بين الاعتقال والملاحقة، بين الحلم القومى المهزوم والانقسام الداخلي،
بين الإيمان بالفكرة وخيبة التجربة.
فى ذلك المناخ، كان السجن احتمالًا، والمنفى الداخلى واقعًا، والانكسار العربى ظلًا دائمًا.
هنا كتب جليل حيدر قصيدته.
لم تكن قصيدة بيان، ولا قصيدة انتقام.
كانت محاولة لحفظ الإنسان داخل الفكرة، وحماية اللغة من أن تتحول إلى أداة صراع.
كان يكتب تحت الضغط، لكن الضغط لم يُفسد صوته، بل صقل صمته وزاده عمقًا.
المشهد الثانى: الصمت الذى يقول أكثر مما يُقال
تنامى إلى علمى ذات يوم أن جليل حيدر هو شقيق عزيز الحاج، القيادى الشيوعى العراقى المعروف، تلك الشخصية التى ظلّت مثار جدلٍ والتباس فى تاريخ الحركة اليسارية.
استوقفتنى المعلومة، لا سيما أن الاسم لا يوحى بقرابة مباشرة.
سألته بهدوء، كأننى أتحقق من خبرٍ عابر.
نظر إليّ صامتًا.
كررت السؤال.
فاكتفى بهزّة رأس قصيرة، تحمل ما يكفى لإغلاق الباب دون أن يصفقه.
لم يكن إنكارًا، ولا إقرارًا صريحًا.
كان اختيارًا واعيًا بألا يُعرّف نفسه عبر سيرة غيره.
أدركت أن خلف ذلك الصمت مسافة يريد الاحتفاظ بها.
احترمت صمته، وفهمت أن بعض القرابات لا تُختزل فى سؤالٍ عابر،
ولا تُفتح بكلمةٍ صحفية سريعة.
لم يكن يريد أن يدخل فى تاريخٍ شائك، ولا أن يُساق إلى اصطفافٍ لم يختره.
كان يفضّل أن يُعرَّف بموقفه هو، لا بمساراتٍ أخرى التبست وتبدّلت.
كان التاريخ أثقل من أن يُختصر فى إجابة.
فى تلك الهزّة القصيرة، كانت هناك رغبة واضحة فى إبقاء المسافة:
مسافة بين الشخصى والسياسي، وبين القرابة والموقف.
وتعلّمت يومها أن الصمت، أحيانًا،
ليس هروبًا من الإجابة،
بل حمايةٌ للمعنى من أن يُستدرج إلى منطقة رمادية.
هكذا كان جليل فى كل شأن.
يختزل فى الإجابة.
يقتصد فى العبارة.
ويترك للمعنى أن يكتمل دون استعراض.
لكن صورته عندى اكتملت فى واقعة أخرى.
حدث خلاف حاد بينى وبين مدير التحرير، محمد بو خروبه جزائرى الجنسية.
غضبت - كعادتى - وآثرت الاعتكاف فى البيت، مؤمنًا أن المسافة أحيانًا أكثر نبلًا من الجدال.
فوجئت بجليل يزورني.
لم يكن من عادته التدخل فى التفاصيل، ولا الانخراط فى وساطات مهنية.
لكنه جلس، هذه المرة، وتحاور معى بإسهاب غير معتاد منه.
لم يدافع عن أحد، ولم يهاجمني.
قال بهدوء:
هو شخص طيب ومخلص فى عمله، لكن طريقته لا تروق لنا كمشارقة.
ثم أضاف بابتسامة خفيفة:
أستغرب أنك - كمصرى - يفترض أن تكون الأقدر على التعامل مع مشارقة ومغاربة العرب معًا، بحكم موقعك بينهما.
لم تكن ملاحظة إدارية، بل رؤية أوسع.
كان يرى ما وراء الخلاف:
حساسية الأسلوب، واختلاف النبرة، وسوء الفهم الثقافى الذى يكبر حين لا ننتبه له.
من تلك الواقعة اكتشفت ما لم يكن ظاهرًا.
الرجل الذى يبدو بعيدًا عن التفاصيل، كان يتابع تفاصيل التفاصيل.
يراقب بصمت، ويختار لحظة التدخل حين يصبح الصمت تقصيرًا.
لم أجده يومًا متخندقًا داخل طائفة، ولا متحصّنًا بهوية ضيقة.
لم يكن أسير انتماء، ولا حاملًا لمرارة مناطقية.
كان عربيًا بالمعنى الرحب، وإنسانيًا قبل أى تصنيف.
إذا كانت قصيدته ترفض الشعارات، فإن حياته رفضت الانقسام.
الخاتمة: ما يبقى حين يضيق الوطن
جليل حيدر لم يكن شاعرًا صاخبًا، ولا مثقفًا استعراضيًا.
كان من أولئك الذين يعملون فى العمق، ويغادرون المشهد دون ضجيج، لكنهم يتركون أثرًا يصعب محوه.
كتب تحت ضغط السياسة، وعاش فوق حساسياتها.
لم يسمح للخلاف أن يتحول إلى خصومة، ولا للانتماء أن يتحول إلى تعصّب.
وحين ضاق الأفق فى سوريا - التى عاش فيها سنوات من العمل والكتابة -
لم يكن خروجه منها بحثًا عن راحة، بل انتقال إلى منفى جديد فى أوروبا.
منفى لا يُرى دائمًا فى الخرائط، لكنه يُثقل الروح.
هناك، فى المسافة الباردة، ظل يحمل قصيدته كما يحمل سيرته:
بلا ضجيج، وبلا طلب اعتراف.
لكن الغياب لا يعنى الانطفاء.
والمنفى لا يعنى الصمت.
الخاتمة
فى الجزء الثالث والأخير، سنقترب من لحظة المغادرة إلى أوروبا، لا بحثًا عن تفاصيل سيرةٍ خاصة، بل تأمّلًا فى معنى الانتقال ذاته. سنقف عند فكرة الغياب، لا بوصفه انقطاعًا، بل بوصفه طورًا آخر من الحضور. وسنسأل بهدوء: كيف تعيش القصيدة حين تتبدّل الأمكنة؟ وكيف يبقى الشاعر فى ذاكرة قرّائه، حتى حين يبتعد عن دوائر الضوء؟ سنقترب من المسافة...لنرى ما الذى يبقى منها فى اللغة، وما الذى يبقى من الشاعر فينا.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام