مقالات



‫البحث عن الإقليم العربى‬

25-2-2026 | 02:25
مهدى مصطفى

كثيرا ما تناولت هذا المصطلح فى مقالاتي، حتى صار جزءا من الأدبيات السياسية، وقلت إنه ليس منطقة رخوة، كما تتصور عصابات الفايكنج القديمة والمتجددة، وقد جربونا حين كان يطلق عليهم غزاة البحر، وقد ذهب إليهم رمسيس الثالث، وهزمهم قبل أن يدنسوا تخومنا المصانة، وكانوا قد حاولوا ضرب حضارات شرق المتوسط، لا سيما المدن الكنعانية والفينيقية، ضمن موجات ما يعرف فى التاريخ بـ«شعوب البحر» فى القرن الثانى عشر قبل الميلاد، كما علمتنا نقوش معبد مدينة هابو فى طيبة.
ما الذى يستدعى التاريخ الآن؟ ما يستدعيه أنه لم يتحرك، ويدور فى دائرة حتمية: غزو، وصد، وجعل المنطقة مكانا للتجريب، وقد تمت هزيمتهم فى الحملات المتتالية، لكنهم لا يتعلمون.
 ورد على بالى هذا الجدل الصاخب الذى رافق تصريحات مايك هاكابى، سفير الولايات المتحدة الأمريكية فى إسرائيل، ورافق ادعاءه بأن هذه الأرض من النيل إلى الفرات وراثة للجماعة العبرية.
خلفيات هاكابى العقائدية معروفة، وهو ينتمى إلى تيار أمريكى يربط السياسة بالنبوءات التوراتية، غير أن تصريحاته، بوصفه ممثلا رسميا، تضعف الموقف الأمريكى التقليدى القائم - نظريا - على حل الدولتين.
 فإذا كان هذا هو الموقف الأصيل، فما الداعى للمفاوضات والحوارات والقمم والاتفاقيات، ولماذا يرمى العالم البيض كله فى السلة الأمريكية؟ إن مثل هذه التصريحات أضرت بالدور الأمريكي، وفتحت الباب أمام أدوار دولية أخرى.
كيف تتحول أرض الأحلام إلى أرض الكوابيس؟ هل لأن جماعة متطرفة اختطفت الفكر العالمى فى لحظة نادرة، تريد أن تجعل من روايتها الدينية أصلا، والبقية هوامش؟
الحقيقة أنه إذا عدنا إلى الأصل التاريخى، فإن الوجود الكنعانى فى فلسطين، يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد على الأقل، كما تؤكده الاكتشافات فى أريحا وبيسان ومجدو.
أما سومر وبابل وآشور فى بلاد الرافدين فتمتد حضاراتها إلى الألف الرابع والثالث قبل الميلاد، والفينيقيون فى الساحل الشامى منذ الألف الثانى قبل الميلاد، ومصر القديمة دولة مركزية منذ نحو 3100 قبل الميلاد، جميعها حضارات متجاورة ومتفاعلة ومتداخلة، سبقت التشكيلات الدينية والسياسية اللاحقة بقرون طويلة.
وقد ناقش الإعلامى الأمريكى تاكر كارلسون هذا النوع من الخطاب التوراتى السياسى فى أكثر من حلقة، منتقدا توظيف النصوص الدينية فى صياغة السياسات المعاصرة، فكيف يتحول مهاجرون أوروبيون شرقيون فى القرنين التاسع عشر والعشرين، ضمن موجات الهجرة الصهيونية، إلى ملاك حصريين لأرض متعددة الحضارات؟
 إن الحركة الصهيونية الحديثة تأسست فى أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، وتبلورت سياسيا مع مؤتمر بازل عام 1897 بقيادة تيودور هرتزل، قبل أن تتحول إلى مشروع دولة فى سياق دولى معقد أعقب الحرب العالمية الثانية.
ما دام التاريخ هو الحكم بالنسبة لهاكابي، وأن أرض الإقليم العربى هى أرض العبرانيين، وإذا ملكوا السلاح وأخذوها بالقوة، وذلك لأنها من أملاكهم الربانية!! فهذا يعنى أن مسيرة البشرية الطويلة، وصياغة القوانين الدولية، وميثاق الأمم المتحدة لعام 1945، واتفاقيات جنيف، كلها تصبح أثرا بعد عين، ويغدو ميزان القوة وحده هو المعيار.
وعلينا فى هذه الحالة أن نبحث عن الذات العميقة فى إقليمنا، فلسنا أرضا رخوة، ولسنا أرض مختبرات، وإذا صرنا كذلك فبسبب تاريخ طويل من الإغارة، مرة بالقوة الغاشمة، ومرات بدعوى تحديثنا من التخلف، رغم أن الحضارات الأرضية مستمرة دون ريب، وشواهدها قائمة فى كل متاحف العالم، من اللوفر إلى المتحف البريطاني، والآن نحن أصحاب الديانات السماوية، فالمنطقة هى أرض الوحى، وأرض الأنبياء، وأرض السماء، والآن أضيفت إليها أرض الطاقة التى تسرى فى شرايين العالم.
نستطيع الآن أن نتخلص من التوأمة التى صاغت القرن العشرين والقرن الجديد، بضرب فكرة الأخيار والمختارين، وكذلك التنظيمات الدينية من بنى جلدتنا، تلك التى رافقت هذه الظاهرة، فصارا معا حالة واحدة تكسر سواعد الإقليم.
لعل هاكابى جاء متأخرا، لكنه جاء، وكشف زاوية من الحقيقة، وفى زمن قديم اندفعت أوروبا فى معركة طائفية دينية، راح ضحيتها ملايين البشر، فيما يعرف بـحرب الثلاثين عاما، بين عامى 1618 و1648، ولم نكن طرفا فيها، ولم نجعلهم يتقاتلون على تأويلات السماء، والآن ينقلون معاركهم الرمزية إلى هنا، إلى الإقليم العربي، كأن البحر فاض على شواطئه، وكأننا مطالبون بدفع ثمن تاريخ لم نصنعه.
 ويبدو أننا سنفكر الآن بصوت عال جدا، ونقول، كفى خرافة، وكفى جماعات تعيد إنتاج الصراع نفسه بأدوات جديدة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام