نحن والعالم



‪بعد مقابلة الإعلامى تاكر كارلسون والسفير الأمريكى مايك هاكابى‬.. إسرائيل عبء على المصالح الأمريكية ‬

25-2-2026 | 02:42
سوزى الجنيدى ‬

‬جاءت المقابلة التى أجراها الإعلامى الأمريكى المعروف، تاكر كارلسون، مع السفير الأمريكى فى إسرائيل مايك هاكابى بمثابة جرس إنذار ليس فقط لدول المنطقة، لكن أيضا لبعض أفراد الشعب الأمريكى، الذى بدأ يدرك حجم الأضرار التى تسببها إسرائيل، ولعل أحد توابع زلزال كارلسون هو الهلع الذى أصاب التيار الصهيونى فى أمريكا، عقب المقابلة إلى الدرجة التى جعلت شبكة «نيوز ماكس» اليمينية المحافظة، تدعى أن اليهودية تمثّل الأساس والعمود الذى تقوم عليه الحضارة الغربية والعالم الحر والولايات المتحدة نفسها، وأن سقوط اليهودية - والمقصود بذلك إسرائيل - سيؤدى إلى انهيار أمريكا والعالم الحر. ‬
من جانب آخر أكد الإعلامى الأمريكى، تاكر كارلسون، أن إسرائيل عبء هائل على الولايات المتحدة، مضيفا أن "رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو، يحاول مساعدة بلاده عن طريق استغلالنا ولا أفهم لماذا يسمح قادتنا بهذا الأمر؟.  ‬
وأضاف كارلسون: «على سبيل المثال هناك ضغط هائل فى هذه اللحظة التى نتحدث فيها لتكريس مواردنا فى حرب ضد النظام الإيراني، كيف يكون تغيير النظام الإيرانى من أجل مصلحتنا؟».‬
يعد كارلسون من أكثر الشخصيات تأثيرا على اليمين حاليا ولديه أكثر من 1.6 مليون متابع على اليوتيوب وحده، ونص مليار مشاهدة على منصة جوجل. ويصل برنامجه إلى عشرات الملايين من المستمعين والمشاهدين أسبوعيا، وقد غير مواقفه المؤيدة لإسرائيل بعد 7 أكتوبر بسبب العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة وقتل الآلاف من المدنيين والأطفال والنساء. ‬
وقد كشفت تصريحات السفير الأمريكى فى إسرائيل هاكابى خلال المقابلة أن الجيش الأمريكى قتل عددا أكبر من المدنيين فى العراق وأفغانستان، مقارنة بما قتله الجيش الإسرائيلى فى غزة، كما كشفت عن الأطماع الصهيونية فى أراضى دول عربية عديدة، حيث ذكر السفير أنه يمكن لإسرائيل الاستيلاء على أراض من النيل إلى الفرات. ‬
ينتمى السفير الأمريكى لدى إسرائيل مايك هاكابى، إلى التيار المحافظ ذى الجذور الأنجلوساكسونية، وهو تيار ديني - سياسى واسع فى الولايات المتحدة يُعرف بالأنجلوساكسون البروتستانت، ويُقدَّر عدد أتباعه بنحو 70 مليون شخص، ويعد هذا التيار بمثابة العمود الفقرى لما يُسمى بـ«الصهيونية الدينية»، كما يمثل إحدى النخب التاريخية التى ساهمت فى تشكيل المجتمع الأمريكى منذ نشأته، ولا يزال حتى اليوم يشكّل قاعدة اجتماعية وسياسية مؤثرة داخل الدولة ومؤسسات صنع القرار، حيث يمتد نفوذهم إلى قطاعات واسعة، منها الإعلام مثل فوكس نيوز والكنائس الإنجيلية واللوبى اليهودى أو جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، ويستند دعمهم لإسرائيل إلى عقيدة دينية راسخة، ترى أن قيام إسرائيل شرط أساسى ضمن سيناريو إلهى أو نبوءة دينية مرتبط بنهاية العالم والعودة الأخيرة.‬
ووفق معتقداتهم يجب أن تتحقق سلسلة أحداث تبدأ بقيام إسرائيل وعودة اليهود إلى فلسطين وإعادة بناء الهيكل فى القدس، ثم وقوع معركة هرمجدون، يعقبها حكم العالم ألف عام، قبل أن يتم تخيير اليهود — بحسب تصورهم — بين الإيمان بالمسيح أو الهلاك. ‬
وقد كشفت المقابلة أيضا عن اختلاف واضح داخل المعسكر المحافظ نفسه، بين جناحين: جناح يمثّله المذيع كارلسون المرتبط بحركة «ماجا» القومية الانعزالية الداعمة لـ دونالد ترامب، التى ترفض تورط الولايات المتحدة فى حروب دينية أو تقديم مصالح إسرائيل على المصالح الأمريكية؛ وجناح محافظ يمثّله السفير هاكابي، يرى دعم إسرائيل واجبًا دينيًا لا يخضع لحسابات السياسة، والمعروف أن هاكابى القس الصهيونى كان حاكما لولاية أركنسو، وسبق فى 2008 أن سعى لنيل ترشيح الحزب الجمهورى للرئاسة الأمريكية، وهو معروف بتطرفه وارتباطه بإسرائيل لدرجة أنه قبل تعيين ترامب له فى العام الماضى سفيرا لدى إسرائيل كان قد زارها ثمانين مرة مع وفود من الكنائس المعتقدة بالأساطير الصهيونية.‬
ولعل أخطر ما ورد فى المقابلة كان تصريح هاكابى بأن «لإسرائيل حقًا دينيًا فى أخذ ما كُتب لها من أراضٍ فى الكتاب المقدس»، فى إشارة إلى نصوص سفر التكوين التى تتحدث عن أرض تمتد «من نهر مصر إلى نهر الفرات»؛ وهو تصور يُستخدم عقائديًا لتبرير فكرة «إسرائيل الكبرى» الممتدة على حساب دول عربية عدة. ‬
مصر من جانبها قامت بإدانة تلك التصريحات فى بيان لوزارة الخارجية المصرية، حيث أكدت إدانتها مصر للتصريحات المنسوبة إلى مايك هاكابى، السفير الأمريكى لدى إسرائيل، فى أحد البرامج الحوارية، والتى تضمنت مزاعم بشأن أحقية إسرائيل فى أراضٍ تابعة لدول عربية، باعتبارها تمثل خروجًا سافرا على مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة. ‬
كما أعربت مصر عن استغرابها إزاء صدور هذه التصريحات، والتى تتناقض مع الرؤية التى طرحها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والنقاط العشرين ذات الصلة بإنهاء الحرب فى قطاع غزة، وكذلك مؤتمر مجلس السلام الذى عقد بواشنطن يوم ١٩ فبراير الجارى. ‬
وأضاف البيان أن مصر تؤكد مجددًا أنه لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضى العربية، مشددة على رفضها القاطع لأى محاولات لضمّ الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، وكذلك رفض توسيع الأنشطة الاستيطانية فى الأرض الفلسطينية المحتلة.‬
وأيضا صدر بيان فى نفس اليوم أعربت فيه وزارات خارجية كل من جمهورية مصر العربية، والمملكة العربية السعودية، والمملكة الأردنية الهاشمية، ومملكة البحرين، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، وجمهورية إندونيسيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، والجمهورية التركية، والجمهورية العربية السورية، ودولة فلسطين، ودولة الكويت، والجمهورية اللبنانية، وسلطنة عُمان، وأمانات مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامى عن إدانتها الشديدة وقلقها البالغ إزاء التصريحات الصادرة عن سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، التى أشار فيها بقبول ممارسة إسرائيل سيطرتها على أراضٍ تعود لدول عربية، بما فى ذلك الضفة الغربية المحتلة. ‬
وأكدت الوزارات رفض دولها القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التى تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، وتشكل تهديدًا جسيمًا لأمن المنطقة واستقرارها. ‬
وشددت الوزارات على أنّ هذه التصريحات تتعارض بشكل مباشر مع الرؤية التى طرحها الرئيس الأمريكى دونالد ترمب، وكذلك مع الخطة الشاملة لإنهاء النزاع فى غزة، التى تقوم على احتواء التصعيد وتهيئة أفق سياسى لتسوية شاملة تكفل للشعب الفلسطينى إقامة دولته المستقلة. وأكّدت أنّ هذه الرؤية تستند إلى تعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي، وأنّ أى تصريحات تسعى إلى إضفاء الشرعية على السيطرة على أراضى الغير تقوّض هذه الأهداف، وتؤجّج التوترات، وتشكل تحريضًا بدلًا من الإسهام فى إحلال السلام. ‬
وجددت الوزارات التأكيد على أنه لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو على أى أراضٍ عربية محتلة أخرى. كما أعربت عن رفضها التام لأى محاولات لضمّ الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، وعن معارضتها الشديدة لتوسيع الأنشطة الاستيطانية فى الأرض الفلسطينية المحتلة، ورفضهم القاطع لأى تهديد لسيادة الدول العربية.  ‬
وحذرت الوزارات من أنّ استمرار السياسات التوسّعية والإجراءات غير القانونية التى تنتهجها إسرائيل لن يؤدى إلّا إلى إشعال مزيد من العنف والصراع فى المنطقة وتقويض فرص السلام، ودعت إلى وضع حد لهذه التصريحات التحريضية. وأكّدت التزام دولها الثابت بالحق غير القابل للتصرف للشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره، وبإقامة دولته المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وإنهاء الاحتلال لجميع الأراضى العربية المحتلة. ‬
وتؤكد كل تلك البيانات أن الدبلوماسية تُبنى على القانون الدولي، وليس على نصوص دينية محل تأويل. وعندما يتحول السفير إلى مروّج لسردية دينية توسعية، فإنه ينسف الأساس الذى يقوم عليه النظام الدولى الحديث مثل احترام السيادة والحدود المعترف بها، وهو أمر ليس بجديد فى ظل التراجع المستمر فى تطبيق قواعد القانون الدولى وانهيار منظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها ومنظماتها يومًا بعد الآخر. ‬
والواقع أن شعار “من النيل إلى الفرات” ليس تعبيرًا ثقافيًا بريئًا، بل خطاب ارتبط تاريخيًا بأقصى التيارات الصهيونية الدينية تطرفًا، وبالتالى فإن على الإدارة الأمريكية التى تقدم نفسها كوسيط فى الصراع العربي – الإسرائيلى أن تدرك أن أى وساطة لا يمكن أن تصمد، إذا كان ممثلها الرسمى يتبنى خطابًا يعطى شرعية للتوسعً الجغرافى القائم على “حق إلهي”؟  ‬
ويؤكد السفير محمد حجازى مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن تصريحات سفير الولايات المتحدة فى إسرائيل تستدعى إجراء عقابيا ومهنيا ضده من واشنطن، وذكر تعليقا على التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكى لدى إسرائيل مايك هاكابي، بأن تلك التصريحات تعكس انحيازًا أيديولوجيًا واضحًا يتجاوز حدود العمل الدبلوماسى التقليدية، فخلفية السفير المعروفة، المرتبطة بتيارات الصهيونية، تقوم على مقاربة دينية – عقائدية خاطئة للصراع، تنظر إلى دعم إسرائيل باعتباره التزامًا مطلقًا غير خاضع لمعايير القانون الدولى أو لمقتضيات التوازن السياسي. وهذه الخلفية تفسر طبيعة تصريحاته التى تبرر سياسات الاحتلال والاستيطان، وتقوض أى ادعاء أمريكى بالقيام بدور الوسيط النزيه.‬
وأضاف أن بيان وزارة الخارجية المصرية، جاء ليؤكد ثوابت واضحة لا تقبل اللبس، وفى مقدمتها التمسك بحل الدولتين ورفض أى إجراءات أحادية تستهدف تغيير الوضع القانونى للأراضى الفلسطينية المحتلة. كما أن البيان المشترك الصادر عن عدد من الدول العربية والإسلامية يعكس إدراكًا جماعيًا بأن استمرار الانحياز الأمريكى غير المشروط لإسرائيل لا يخدم الاستقرار الإقليمي، بل يفاقم التوتر ويغذى دوامات العنف.‬
وأضاف أن تأثير الصهيونية الدينية داخل بعض دوائر صنع القرار فى واشنطن، لا يضر فقط بالقضية الفلسطينية، بل ينعكس سلبًا على المصالح الإستراتيجية للشعب الأمريكى ذاته، سواء من حيث الكلفة الاقتصادية أو من حيث تآكل صورة الولايات المتحدة عالميًا، ومن هنا، فإن إعادة تقييم هذا النهج لم تعد ضرورة أخلاقية فحسب، بل باتت مصلحة أمريكية خالصة. ‬
وأكد السفير محمد حجازى، أن السلام العادل لا يُبنى على انحيازات أيديولوجية، بل على احترام القانون الدولى وحقوق الشعوب. وأى مسار يتجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى سيظل مسارًا لإدارة الصراع لا لحلّه، وسيبقى المنطقة والعالم رهينة لعدم الاستقرار، مضيفا أن السفير لا يملك أن يعبر عن قناعته الشخصية وآرائه المتطرفة وهو يعلم أنها ستضر بمصالح دولته لمحاولة كسب رضا دولة الاعتماد، وأن الإدارة ملزمة مهنيا بالتدخل واتخاذ ما يلزم لتصويب أداء سفرائها بالخارج، إما بالاستدعاء أو التحذير والتنبيه أو التوبيخ لخروجه عن الأعراف الدبلوماسية ولإضراره بمصالح بلاده فى المنطقة.‬
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام