رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الجمعة 6 مارس 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
مقالات رئيس التحرير
العالم.. حبال من رمال
1-3-2026
|
00:37
جمال الكشكي
ثمة عالم جديد يبحث عن هوية، يمر بمنعطفات خطيرة فى لحظة استثنائية دقيقة، غابت أوتاد القوانين والمواثيق الدولية، اختفت نظرية القطب الواحد، ولم تكتمل نظرية الأقطاب المتعددة بعد، لم تعد فلسفة "لعبة الأمم" صالحة لركض الخرائط فى دائرة مفرغة، ولم تعد لعبة الاستحواذ الحالية مكتملة الأركان.
السيولة عنوان المرحلة، المحيطات والبحار لم تعد تنزعج من مرور البوارج والسفن وحاملات الطائرات، فقد اعتادت المشهد، لغة القوة تفرض قواعد جديدة، البقاء لم يعد بالضرورة للأصلح، صراع القوى الكبرى حول محيطها بات "ماراثون" إستراتيجيا تتقاسمه القوة الكبرى من دون حق كتابي.
أتذكر صلح وستفاليا عام 1648، الذى صاغ مفهوم الدولة القومية التى نعيش فى ظلالها إلى اليوم، بعد أن جلس المتحاربون معا عقب ثلاثين عاما من الاقتتال الطائفى، وتم تقسيم العالم إلى دول وممالك يجب ألا يتم اجتيازها تحت أى ظرف، وتطامن العالم آنذاك إلى صلح وستفاليا، ذلك الذى كان البذرة الأولى للقانون الدولى والشرعية الدولية، وقوانين الدبلوماسية، وصولا إلى صياغة عصبة الأمم، والأمم المتحدة، وهو ما نعيشه إلى اليوم، لكنه يتهشم ويتمزق الآن، وباتت الخرائط فى حاجة إلى وستفاليا جديدة تعيد تقسيم العالم على أسس شرعية جديدة، دون الإخلال بمفهوم الأمم المغايرة أو المختلفة عن بعضها بعضا، فالغابة لا تتكون من شجرة واحدة.
المشهد العالمى قاسٍ بكل تفاصيله، أعتى مراكز الأبحاث والدراسات السياسية لا يمكنها التنبؤ بالخطوة التالية فى المجتمع الدولى، الثابت أن العالم يقف على أرض رخوة، أتذكر هنا كتاب «حبال من رمال» لمؤلفه ضابط المخابرات الأمريكية، ويلبر كرين إيفلاند، الذى عالج الإخفاقات الأمريكية فى الشرق الأوسط، الذى تحول إلى ساحة صراع أفشلت المجتمعات المقيمة عليه، وتسببت فى انهيار خرائط، وصعود أخرى، ودعمت إسرائيل على حساب بقية شعوب المنطقة، وجعلتها أقوى عسكريا من كل هذه الشعوب مجتمعة.
ما جاء فى كتاب إيفلاند، هو نفسه الآن الذى يدور فى الشرق الأوسط والعالم، فقد اتسعت الرواية الأمريكية لتشمل دول العالم، وتعود به إلى ما قبل الاتفاقيات الدولية، وإذا كان المؤلف الأمريكى تكلم عن الإخفاقات لهذه الفلسفة فى الماضى، فالآن بات لزاما استدعاء رؤية هذا المؤلف للحديث عن هذا المشهد، فحبال العالم باتت تفتل من رمال بالفعل، أى إنه من المستحيل أن تصبح حبالا حقيقية، وكما نقول فى أمثالنا الشعبية، حبال واهنة.
ما الذى يجرى بالفعل إزاء هذا المشهد؟ وما شكل العالم الجديد؟ وأى فلسفة ينتهجها العالم الآن؟ أعتقد أن العالم القديم أصابه الوهن، ولم يعد الإصلاح مفيدا له، فكل اتفاقيات البحار والمرور فيها من الماضى، وكذلك الاندفاع إلى تغيير نمط القوانين الثنائية بين الدول يتداعى، ولنفكر معا فى مصير مئات الاتفاقيات الدولية حول التجارة الحرة ورسوم الجمارك، فقد تتخذ دولة معينة من طرف واحد قوانين تعارض مثل هذه الاتفاقيات، وبالتالى تتعطل الممرات والبحار وحركة الملاحة بين الدول، مما يشكل عبئا على الاقتصاد العالمي.
ولا شك أن هذا يعد احتكارا للسياسة والاقتصاد، نتج عن فائض القوة، وما دام هناك من ينتهج سياسة "سلام القوة"، فلن يحدث استقرار دولى، على المديين، المتوسط والبعيد، بل إن هذه السياسات تؤسس لفوضى وحروب ضارية، ونعايش الآن بالفعل مفهوم الحبال المصنوعة من الرمال، فكل قوة عالمية تمتلك فائض قوة تفكر صراحة فى اجتياح ما تراه من مناطق رخوة.
وهذا يدفعنا إلى استدعاء الفشل الذى رافق رؤية الولايات المتحدة الأمريكية للشرق الأوسط خلال سنوات الخمسينيات حتى الثمانينيات، تلك الفترة التى كان خلالها مؤلف كتاب "حبال من رمال" فى قلب الكواليس، وصانع الصراعات، وشاهدا على كيف أخفقت أمريكا فى صناعة المستقبل، لكنها بدلا من ذلك عمدت إلى تغيير الأنظمة والمجتمعات بالقوة الخشنة والناعمة، حسب الظروف، واعترفت أنها حولت المنطقة إلى حالة سيولة.
والآن تعيش الخرائط حالة تعميم لهذا المفهوم الخطير الذى - دون شك - سينهى الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وما تفرع عنهما، من محاكم دولية أو منظمات أخرى، تساعد فيما يسمى المجتمع الدولى المستقر.
لقد تجاوزت فلسفة الحبال التى أصبحت من الرمال حدا خطيرا، إلى الدرجة التى يمكن معها تحول الممرات البحرية وخطوط التجارة إلى ملكية خاصة لقوة واحدة أو اثنتين أو ثلاث، وفى هذه الحالة يصبح العالم على فوهة بركان، يستعيد ما قبل وستفاليا، عندما كانت تشن الحروب من قبل إمبرطوريات مقدسة، وتتوسع وتحتل، وتعتبر أن كل ما يقع تحت أيديها ملكا لها، وجزءا من الإمبراطورية، وتلك حالة ماضية تبدو استعادتها ليست خطيرة بالمعنى النظرى، إنما تعد خطوة للمشهد الختامى.
والذين يؤمنون بهذه الفلسفة يمتلكون أسلحة نووية، وأسلحة كيميائية، وأسلحة كهرومغناطيسية، والأخيرة خطيرة جدا جدا، وقد استخدمتها أمريكا فى موقعة فنزويلا، فى أوائل يناير الماضى، وقد اعترف الرئيس ترامب بأن لدى أمريكا أسلحة لا يعرف بها أحد من العالم، ومن ثم، فإن العالم بات رهينة لهذه الفلسفة، وهذه الأسلحة إذا ما انطلقت رصاصة واحدة من أى قوة، فإن العالم سيتلاشى، ولن يلحق حتى بعالم ما قبل وستفاليا.
إننا بالفعل نعيش الحبال المصنوعة من الرمال، التى لا يمكن الصعود بها، والدليل تصريحات مايك هاكابى، سفير الولايات المتحدة الأمريكية فى إسرائيل، الذى يعود بنا إلى ما قبل العالم بآلاف السنين، حيث كانت الإغارة على الآمنين نمطا شرعيا، وهو ما يجب ألا يكون.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام