حياة الناس



معادن وأساطير (2-4) رمز النقاء والأنوثة والحظ السعيد فى الحضارات القديمة.. الفضة "طاقة القمر"

1-3-2026 | 01:16
ريم عزمى

وجدت منذ آلاف السنين فى هضبة الأناضول وجزر بحر إيجة وعثر عليها الفينيقيون فى شبه جزيرة آيبريا 
 
متجذرة بعمق فى التقاليد الروحية فى آسيا.. وفى الهند رمز الفأل الحسن
 
 
ربما يكون الذهب فخرا للجماهير لكن تظل الفضة قبلة الحالمين، فلها تقدير خاص أيضا حتى لو لم تكن منافسة لأسعار الذهب، وللفضة معان تربط بين الثروة المادية والمعتقدات الروحية والتعبير الفنى، وبفضل بريقها ومرونتها ومتانتها. وقيل إن الفضة وجدت منذ آلاف السنين فى هضبة الأناضول وجزر بحر إيجة وأن الفينيقيين خلال استكشافاتهم فى البحر الأبيض المتوسط عثروا عليه فى شبه جزيرة آيبريا.
 
يوضح الموقع الإلكترونى البريطانى المتخصص فى الذهب والفضة والبلاتين "بوليون باى بوست" أعيرة الفضة، فتوجد أنواع عديدة من الفضة، وذلك لأن الفضة النقية بنسبة ٪100 لينة وقابلة للطرق. فى معظم التطبيقات العملية، تُخلط الفضة أو تسبك مع معادن أخرى أكثر صلابة، كالنحاس عادة. ولذلك، تحدد أنواع الفضة المختلفة بنوع وكمية المعدن الآخر المستخدم فى سبيكة الفضة. وتقاس كمية المعدن المستخدم بمقياس نقاء يصل إلى أجزاء من الألف، أى بمقياس من ألف جزء، حيث يمثل نقاء 1000 فضة نقية بنسبة ٪100. 
ولا يمكن حاليا إنتاج الفضة الخالصة بنسبة ٪100 ، ولذلك يعتبر عيار 999، المعروف باسم "الفضة النقية ذات التسع تسعات"، مقبولا كفضة نقية، وهو النوع الأكثر شيوعا فى سبائك الاستثمار. ويوجد أقل منها مثل الفضة عيار 925 أى 92. ٪5 فضة نقية ونوع معترف به دوليا من الفضة، ويستخدم بكثرة فى صناعة المجوهرات، وله تاريخ عريق فى بريطانيا, وتعرف باسم الفضة الإسترلينية، وقد أُقرها لأول مرة فى القرن الرابع عشر الملك إدوارد الأول كحد أدنى لجودة العملات الفضية الإنجليزية، واستمر استخدامها لقرون لاحقة. ولا تزال حتى اليوم الحد الأدنى المقبول فى الولايات المتحدة ودول الأخرى. وتعد الفضة الإسترلينية من أكثر أنواع الفضة شيوعا فى عصرنا الحالى. وفى المملكة المتحدة، يعد ختم القطع الفضية شرطا قانونيا لتحديد نوعها. ويتضمن ذلك ثلاثة علامات إلزامية: علامة الصانع، وعلامة مكتب الفحص، وعلامة النقاء. ويوضع رقم النقاء داخل شكل بيضاوى، مما يدل على أن المعدن فضة. وإلى جانبها تستخدم أنواع أخرى من الفضة بشكل شائع، ومن أمثلتها الفضة الإسكندنافية (عيار 830) وفضة بريطانيا (عيار 958). وتُستمد هذه المصطلحات التقليدية عموما من الأعراف الوطنية، ومن أهم الأنواع أيضا:
فضة إسترلينى أرجنتيوم 960
المستوى الأول الفرنسية 950
91 زولوتنيك فضة روسية 947
88 زولوتنيك فضة روسية 916
84 زولوتنيك فضة روسية 875
الفضة الألمانية (المعروفة بالفضة الأوروبية) 800 - 835
 
وظائف ورموز
واستخدمت الفضة فى مختلف الحضارات العالمية كعملة ومجوهرات وتمائم للحظ السعيد والحماية. وعلى عكس الذهب، الذى غالبا ما يرتبط بالشمس والقوة، يرتبط الفضة فى كثير من الأحيان بالقمر والنقاء والأنوثة. 
 ففى حضارة مصر القديمة الفضة هى رمز النقاء والخلود والقمر، ويطلق عليها المعدن الأبيض، وكان ينظر إلى الفضة أحيانا على أنها أثمن من الذهب لندرتها. وهذا الارتباط القمرى ثابت فى العديد من التقاليد، فاستخدمت فى طقوس الدفن لضمان الحياة الأبدية، كما فى حالة تابوت الملك "بسوسنس الأول" الفضى ويعرف بلقب "الفرعون الفضى". 
وفى آسيا نجد الفضة متجذرة بعمق فى التقاليد الروحية والوقائية، وغالبا ما تتميز بتصميمات مركبة ورمزية. بينما فى جنوب الصين شعب مياو، تعد الفضة عنصرا أساسيا فى الزواج. فترتدى النساء أغطية رأس ومجوهرات فضية ثقيلة ومعقدة ترمز إلى الثروة، ويعتقد أنها تطرد الشر . 
وفى الثقافة الهندية، تعتبر الفضة فألا حسنا، وتستخدم فى الطقوس الدينية فى المعابد الهندوسية، وتقدم كهدايا خلال عيد ديوالى لجذب الطاقة الروحية الإيجابية والرخاء. كما أنها جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، وتستخدم فى المنازل ويرتديها الناس من جميع الأعمار، وهى هدية تقليدية فى الولادات وحفلات الزفاف والمهرجانات. 
بما فى ذلك تقاليد السكان الأصليين لأمريكا الشمالية مثل قبائل الهنود الحمر: نافاجو وزونى وهوبى، حيث يعتقد أنها تمثل طاقة القمر العاكسة والمحولة والمهدئة. وتشتهر فى المكسيك بحرفيتها ذات المستوى العالمى، وخاصة فى مدن مثل تاكسكو، وتعكس الفضة المكسيكية تراثًا غنيا ومختلطا من التقاليد الفنية الأصلية والاستعمارية الإسبانية. 
وترمز كذلك للمكانة الرفيعة والثروة لدى الفايكنج والأرستقراطيين الأوروبيين، وكثيرا ما استخدمت فى صناعة أدوات المائدة والسكاكين والمجوهرات المتقنة، مما جعلها رمزا للرفاهية، واستمر تأثيرها فى وقت لاحق، فى العصر الفيكتورى والاستعمارى. 
بينما تفضل Nفريقيا الذهب بشكل كبير ومطلق على الفضة، حيث يعد الذهب المعدن النفيس الأكثر أهمية تاريخيا واقتصاديا وثقافيا فى القارة، وتحظى الفضة باهتمام أقل مقارنة به. وتنتشر فى الثقافات البدوية والقبلية، ونجدها بصورة كبيرة بين قبائل البربر فى شمال إفريقيا، وتعمل المجوهرات الفضية كشكل من أشكال الثروة المحمولة ورمز للهوية الثقافية. واستخدمت الفضة عن الذهب سواء فى الحلى الذى يتزينون به أو فى الأوانى التى يأكلون فيها. 
وأثبتت أدلة تاريخية استعمال الأمازيغ لكل من الذهب والفضة، فى التبادل التجارى مع الفينيقيين. ويفضل الأمازيغ الفضة تيمنا ومحاكاة لشيشنق الثانى. 
وفى الثقافة الإسلامية نلاحظ أن اللون الفضى محببا ويظهر فى المساجد، مثل القبة الفضية فى المسجد النبوى الشريف، وهى ليست مصنوعة من الفضة الخالصة، بل سميت بذلك نسبة إلى لونها الرمادى الفضى المميز، وتقع قرب القبة الخضراء التى تعلو الحجرة النبوية لتميز مكان المحراب العثمانى نسبة للخليفة عثمان بن عفان رضى الله عنه، وصنعت القبة مثل القباب القديمة من مواد بناء تقليدية مثل الطوب والرصاص ومواد طلاء معدنى. 
وفى الرمزية الحديثة غالبا ما تعبر عن الأناقة البسيطة وكأنها بديل لحلى الذهب وكثيرا ما تكون مرصعة بالأحجار الطبيعية، وهى الأحجار الكريمة مثل التوباز والكهرمان، والأحجار نصف الكريمة مثل الفيروز والعقيق، وتعتبر معدنا عصريا ومتعدد الاستخدامات مناسبا للارتداء اليومى والمناسبات الرسمية.  وفى معتقدات الشفاء والحماية لها الخصائص مضادة للميكروبات، وبعيدا عن الرمزية، قدرت العديد من الثقافات تاريخيا الفضة لقدرتها على الحفاظ على نضارة الماء والطعام. 
وفى الطب الأيورفيدى الهندى التقليدى، يعتقد أن للفضة تأثيرا مهدئا وتساعد على تنظيم حرارة الجسم. وكثيرا ما تُستخدم فى صناعة مجوهرات الأطفال لحماية صحتهم. ويختار الكثير من الناس المجوهرات الفضية لقدرتها المزعومة على تخفيف التوتر وتحقيق التوازن العاطفى، ويربطون طبيعتها المهدئة بالعقل الهادئ. 
وهناك تشبيهات لغوية عربية وعالمية خاصة بالفضة، مثل مصطلح "كلام من فضة" الذى يرمز إلى الحديث الموزون أو الذى يلى الصمت، مقابل الذهب الذى يرمز للصمت الأفضل. و"تاج الفضة" يعنى التقدم فى السن أى ظهور الشعر الرمادى أو الأبيض والشيب ودلالة على الوقار. و"الشاشة الفضية" تشير إلى صناعة السينما، التى نشأت من الفضة المعدنية المستخدمة فى شاشات الأفلام المبكرة. 
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام