رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الجمعة 6 مارس 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
وجوه عبر الزمن
جليل حيدر.. المنفى الذى لم ينتصر على دفئه (3 من3)
1-3-2026
|
01:28
إلهامى المليجى
ليست قيمة المثقف فى عدد المنابر التى يعتليها، ولا فى المسافة التى يقطعها بين العواصم، بل فى قدرته على أن يبقى كما هو، مهما تبدلت الجغرافيا.
حين غادرتُ دمشق، لم يكن فى ذهنى أن جليل سيغادر بعدها إلى السويد.
لكن الزمن فعل ما يفعله دائمًا بأبناء جيلٍ عاش أكثر من وطن، وأكثر من انكسار.
استقر فى مدينة مالمو، هناك فى الشمال الأوروبى البارد، حيث الطبيعة واسعة، والإيقاع بطيء، والحياة منظمة حدّ الصمت.
لم ألتقِ به فى منفاه الجديد. لكن التواصل لم ينقطع.
رسائل متباعدة، مكالمات قصيرة، تعليقات مقتضبة على نصوص أو أحداث، تحمل دائمًا نبرته نفسها:
هدوء بلا برود، ومسافة بلا انقطاع.
لم يتحول جليل إلى مثقف منفى يعلّق من علٍ، ولا إلى شاهد حزين يكرر سردية الخسارة.
كان يتابع قضايا العراق وسوريا والمنطقة بعين الصحفى، الذى لم يفقد يقظته، وبقلب المثقف الذى لم يتخلّ عن حساسيته.
فى تعليقاته، كنت أرى الرجل نفسه:
لا يُجامل على حساب الحقيقة، ولا يهاجم بدافع الغضب، ولا يلوّح بماضيه ليمنح رأيه وزنًا إضافيًا.
المنفى لم يصنع منه شخصية جديدة.
بل كشف ثبات شخصيته القديمة.
المشهد الثالث: الفراغ الذى تركه… والبهجة التى لم تغادره
بعد مغادرته دمشق إلى مالمو، حدثنى زملاء فى مجلة نضال الشعب عن فراغٍ تركه خلفه.
لم يكن مديرًا يملأ المكان بقراراته، ولا خطيبًا يفرض حضوره بالكلام.
لكنه كان من أولئك الذين يغيّرون مزاج المكان.
قالوا لى إن المكتب لم يعد كما كان.
كان يدخل بكوفيته، وقمصانه ذات الألوان الزاهية، كأنها تعاند رمادية السياسة الثقيلة.
تعليقاته المختصرة كانت تفتح نافذة ضوء فى أكثر الأيام توترًا.
مزحاته الصغيرة، وتعابيره الجميلة، تخفف حدّة النقاش، دون أن تُفرغه من معناه.
لم يكن مهرجًا، ولا صاحب نكات عابرة، بل كان يعرف أن الحياة - حتى فى العمل السياسى - تحتاج إلى مساحة تنفّس.
ذلك الدفء لم يذُب فى برودة الشمال.
أراه اليوم فى صوره التى ينشرها من طبيعة السويد:
بحيرات صافية، غابات تمتد بلا نهاية،
سماء مفتوحة كأنها درس فى الاتساع.
يقف هناك، فى مالمو،
لكن لا شيء فى صورته يوحى بالقطيعة.
ثم نراه فى بغداد.
فى شارع المتنبى بين المكتبات،
يمشى، كما لو أنه لم يغادر.
وفى شارع أبى نواس على ضفاف دجلة،
يجلس فى مقهى أو مطعم،
كأن المدينة تعيده إلى إيقاعها القديم.
كثيرًا ما يتردد على العراق،
كأن المنفى لا يكتمل إلا بزيارة تعيد ترتيب العلاقة مع الجذور.
هو ليس من أولئك الذين يعلنون الحنين بصخب،
ولا من الذين يخفونه كبرياءً.
يكتبه ببساطة،
كأنه يكتب ملاحظة فى دفتر يوميات.
فى صوره،
فى تعليقاته،
فى طريقته فى الوجود،
أرى جليل الصحفى الذى لا يغفل التفاصيل،
وجليل المثقف الذى لا ينقطع عن قضاياه،
وجليل الإنسان الذى لا يتخلى عن بهجته.
الخاتمة الكبرى: أن تبقى كما أنت… تلك هى الحكاية
ليست الحكاية فى أنه عاش فى بغداد،
ولا فى أنه عمل فى دمشق،
ولا فى أنه استقر فى مالمو.
الحكاية فى أنه لم يتبدّل.
فى زمنٍ تتغيّر فيه المواقف بتغيّر العناوين،
وتُعاد صياغة السير بحسب اتجاه الريح،
بقى جليل حيدر وفيًا لنبرته الأولى.
لم يجعل من المنفى سردية بطولة،
ولا من الحنين خطابًا يوميًا.
لم يتاجر بخسارات جيله،
ولم يُحمّلها للآخرين.
ظل يكتب كما لو أن الكتابة واجبٌ هادئ،
وظل يعلّق كما لو أن الكلمة مسئولية،
وظل يعيش كما لو أن البهجة شكلٌ من أشكال المقاومة.
لم يكن فى الواجهة دائمًا،
لكنه لم يكن يومًا خارج المعنى.
قد تغيّرت المدن حوله،
وتبدّلت الوجوه،
وتفرّق جيلٌ كامل فى جهات الأرض،
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:
هو.
وهذا، فى تقديري،
أندر ما يمكن أن يحققه مثقف فى زمنٍ مرتبك.
هناك من يكتب ليُذكر.
وهناك من يعيش بحيث لا يُنسى.
وجليل حيدر...
لم يسعَ إلى الواجهة،
لكنه استقر فى الذاكرة.
لم ينتصر عليه المنفى.
ولم ينتصر عليه الزمن.
لأنه لم يسمح لهما أن يغيّراه.
الخاتمة
هكذا بقى
جليل حيدر:
لا يُعرِّفه المكان،
بل يعرِّف هو المكان بحضوره.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام