مقالات



‫الصراط المستقيم (2)‬

1-3-2026 | 23:22
د. إيمان طاهر

من قبل خمسة قرون، شق سقراط الفيلسوف، طريق الظلام والجاهلية، التى غمرت أثينا فزلزل العقول وحثها للبحث، والإدراك لكل معانى الخير وغاية الوجود الإنسانى، عبر طريق الصلاح والفضائل “هناك إشارة إلهية تعاودنى وتأمرنى، أن أتعاون معكم على معرفة الحق، لأنه لا سبيل للعمل به قبل معرفته، فأخذ يمشى بين الناس فى الطرقات والمنازل والأسواق ليلا نهارًا، يشرح لهم معنى وجود إله واحد لهذا الكون وكيفية الخلق، وأننا لسنا نتاج مصادفات، بل مشيئة إلهية كبرى وعظيمة لغرض عظيم وهو نشر الخير والحق والجمال والسمو، بأرواحنا وعقولنا ووجداننا، وحينما حاكمه قضاة أثينا، خوفا على ثرواتهم وسلطانهم، عندما يفكر الناس، ويدركوا حقائق وجودهم قال لهم: “يا قضاة أثينا.. كم كان سلوكى سيبدو سيئا، لو أننى عصيت الله فيما أعتقد أنه يأمرنى به فنكصت عن أداء رسالة الفلسفة، ويا أيها الأثينيون إنى أحبكم، ولكنى أحب الله وأطيعه أكثر مما أطيعكم، وسأواصل أداء رسالتى، سأدنو من كل من يصادفنى فى الطريق، وأهيب به قائلا: إلا تخجل يا صاح من انكبابك على طلب الجاه والثروة، وانصرافك عن الحق وعن كل مايسمو بروحك”.
كان هذا سقراط الفيلسوف، الذى جعل من العقل مصدر تفكير أوصله لتفسير الحياة دينيا، لأنها الحقيقة، فجميع القيم والفضائل التى آمن ونادى بها وأدرك أنها خالدة، إلى أن جاء المسيح عليه السلام برسالة روحية خالصة، بعد زمن من المادية فقدم للبشرية، معانى الرحمة والمغفرة والمحبة الخالصة، لينهى عهود من المادية والأنانية والتعصب والحروب.
وظلت البشرية تتخبط وتعانى، ما بين صراعها مع نفسها ومحاولته التطبيق تلك العهود الصالحة، حتى نزل القرآن الكريم وفتح أبوابه للإنسانية كلها، ونفض عبر رسولنا الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، أغلال التبعية عن الإنسانية، والخضوع وحررها من الخوف، وأضاء العقول لجوهر التوحيد، وقيمة الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر وقيمة الخير، وتأثير الكلمات الطيبة والموعظة الحسنة، لتتلقى الإنسانية آخر دروسها فى كيفية الحياة السعيدة على الأرض، وتتسلم وثيقة الرشد وتتضح معالم الطريق المستقيم أمامها، وبأن يكون الخير هو جوهرها وغايتها.
وكما عهدنا فى ثنائية الخلق، كان الشر يشق طريقه دائمًا بين النفوس الضعيفة، فيملأها غضبا وتعصبا وحقدا وخبثا، وككل قصص الأنبياء فى محاولاتهم السابقة لنشر الخير، لم يسلموا من الإيذاء والأحقاد هكذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام، قذفه الكفار بالحجارة ونعتوه بشتى النعوت المؤذية، وبرغم ذلك ظل ينادى: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون».
انظر جيدا كيف كانت صفة الرحمة متمثلة، وواضحة فى الرسالات السماوية، فلم تكن تلك الرسائل السماوية سواء المسيحية أو الإسلام بداخل قرى صغيرة أو أرسلت لقوم فقط، بل وكأنها أريد لها أجنحة تطير بها من مكان لآخر وزمان لما يليه، لأنها تحمل أمانى البشرية واحتياجاتهم ومعانى للتعايش السلمى، «لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى» و«كل نفس بما كسبت رهينة»، هذه كلها اختيارات إنسانية وكل إنسان أمامه يوميا معارك كثيرة يخوضها مع نفسه، فى كل لحظة وقبل كل قرار ما بين إغراءات المال والملك، وعناده والكبر، وكلما انتصر على غرائزه كان هذا هو الانتصار الحقيقى له كإنسان.
علمنا القرآن الكريم دروسا عديدة، فى تاريخ القيم والأخلاق والمبادئ لا يرتجف ضياؤه أبدا ولا يخالف أى زمان أو شعب دون شعب وحمل الإنسان أمانات، وواجبات كمسافر بهذه الحياة لابد أن يجعلها هدفه الأول وكماله البعيد، هذا الإنسان فى فقره أو غناه بعلمه أو جهله سر سعادته يكمن فى أن يكون مؤمنا نقيا خيرًا، محسنا كل هذا تكريم إلهى للإنسان، فهل يأبى إنسان هذا العصر بأن يكرم؟.
أى مقام هذا أو أعظم من أن يصطفى الله تعالى، خليفته فى الأرض بشر، إذن فالإنسانية هى شارة الشرف، التى ولد محملا بها وكلف بحمايتها، أنظر وأشعر بروعة المشهد لكيفية الحياة، كإنسان حين جاء أشراف مكة المكرمة، وطرقوا باب الرسول صلى الله عليه وسلم، «يا محمد إن أشراف قومك يريدون أن يستمعوا لك، ولكنهم لن يجلسوا مع صعاليك مكة وفقرائها، فإن شئت أن تجعل لهم يوما ولأتباعك يوما»، ولأن النبى الكريم جاء برسالة الرحمة والمساواة، خاف أن يرفضهم ويضلوا ولا يدخلوا الإسلام، ولأنه يحمل أمانه الرسالة ولا يحمل بنفسه وسلوكه، أى كبر طالبه بأن يعود غدًا حتى يسأل ربه، فنزلت عليه الآية الكريمة “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا”، وعندما عاد الرجل باليوم الثانى تلقى رفضًا قاطعًا، لأن الله تعالى، أراد أن يرى الرسول صلى الله عليه وسلم، مكانة الإنسان بغض النظر عن ماله أو مكانته بين قومه أو منصبه وسلطانه فكلهم سواسية وأفضلهم عند الله تعالى أتقاهم.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام