رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الجمعة 6 مارس 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
ثقافة
محاولة لفهم ما جرى وما يجرى للقضية الفلسطينية.. "عرفات" فى عيون صحفى مصرى
1-3-2026
|
23:25
أحمد إسماعيل
فى زمن تتجدد فيه الأسئلة الكبرى، حول مستقبل القضية الفلسطينية، وتعود فيه غزة إلى واجهة المشهد الإقليمى، بكل ما تحمله من معاناة وتوازنات شديدة التعقيد، يبدو أن استدعاء سيرة الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات ليس مجرد حنين إلى مرحلة تاريخية مضت، بل محاولة لفهم جذور اللحظة الراهنة، من هنا تكتسب قراءة كتاب «أنا وياسر عرفات» للكاتب الصحفى الكبير، أسامة شرشر، أهمية خاصة، لأنه لا يقدم سيرة تقليدية، بل شهادة معايشة من داخل المشهد، ومن قلب العلاقة المصرية - الفلسطينية.
الكتاب ليس توثيقا أكاديميا باردا، ولا مذكرات سياسية كاملة، إنما مساحة بين الاثنين يضم سردا شخصيا يتقاطع مع تحليل سياسى، وذكريات خاصة تتجاور مع وقائع عامة صنعت تاريخ المنطقة لعقود.
يبدأ الكتاب من زاوية إنسانية، حيث يضع المؤلف نفسه شاهدا لا مؤرخا، ومتابعا قريبا لا باحثا محايدا بالكامل، وهنا تكمن خصوصيته، فـ «أنا وياسر عرفات» ليس كتابا عن عرفات بقدر ما هو قراءة صحفية مصرية لشخصية شكلت وجدان العرب، لأكثر من نصف قرن.
عرفات فى هذا العمل، ليس الرمز المجرد الذى ترفعه الشعارات، ولا الصورة النمطية التى رسمتها وسائل الإعلام الغربية، بل رجل يتحرك بين غرف مغلقة، يتخذ قرارات صعبة، يضحك أحيانا، ويغضب أحيانا أخرى، ويظهر عنادا سياسيا حينا، ومرونة تكتيكية حينا آخر.
هذا الطابع الشخصى منح الكتاب حرارة السرد، لكنه فى الوقت ذاته وضعه أمام اختبار الموضوعية، فكل شهادة قريبة من مركز القرار تكون مهددة بالانحياز العاطفى، غير أن المؤلف حاول - فى مواضع عدة - أن يحافظ على مسافة تحليلية، خصوصا عند تناوله المحطات الأكثر جدلا فى مسيرة عرفات.
بالطبع لا يمكن الحديث عن ياسر عرفات دون استدعاء معادلته الشهيرة «البندقية وغصن الزيتون»، وقد نجح الكتاب فى إظهار هذا التوتر الدائم داخل شخصية الرجل، فمنذ انطلاق حركة فتح، مرورا بقيادة منظمة التحرير، ثم التحول إلى مسار التسوية، ظل عرفات يعيش بين منطق الثورة ومنطق الدولة.
يتوقف الكاتب أسامة شرشر، عند لحظات التحول الكبرى، خصوصاً الانتقال من العمل المسلح إلى التفاوض، وما حمله ذلك من انقسامات داخل البيت الفلسطينى، ويعرض كيف كان عرفات يدير هذا التوازن الدقيق، محاولا الحفاظ على وحدة الصف، حتى وهو يغامر سياسيا بالدخول فى مسار تفاوضى محفوف بالمخاطر.
فى هذا السياق، يلمح الكتاب إلى تعقيدات المشهد الدولى بعد نهاية الحرب الباردة، وكيف تغيرت موازين القوى، واضطر الزعيم الفلسطينى إلى إعادة حساباته فى ضوء نظام عالمى أحادى القطبية، وهنا يبرز الجانب الآخر فى شخصية عرفات وهو أنه شخص عملى واقعي، فهو لم يكن، أسير الشعارات بقدر ما كان ساعيا إلى تثبيت «كيان سياسي» على الأرض.
ومن أهم فصول الكتاب، تلك التى تتناول سنوات حصار عرفات فى المقاطعة برام الله، وهذه المرحلة تكاد تختزل التناقض كله، زعيم منتخب ومحاصر، ورمز وطنى محاط بالدبابات، ورئيس سلطة بلا سيادة كاملة.
وهنا يروى الكاتب الصحفى أسامة شرشر مشاهد من داخل تلك الفترة حول طبيعة اللقاءات، وأجواء التوتر، والإصرار على عدم المغادرة، والإحساس بأن المعركة لم تعد فقط معركة حدود، بل معركة شرعية، فالحصار لم يكن عسكريا فحسب، بل سياسى أيضا، هدفه - كما يفهم من السياق - إعادة تشكيل المشهد الفلسطينى دون عرفات.
هنا ينجح الكاتب فى إبراز البعد الإنسانى العميق: رجل يتقدم فى العمر، يواجه ضغوطا داخلية وخارجية، لكنه يرفض التنازل عن رمزيته، ويعطى المؤلف مساحة للتأمل فى معنى أن يتحول القائد إلى «عنوان للصمود»، حتى لو اختلفت الآراء حول سياساته.
لعل أحد أهم أبعاد الكتاب هو رصده لطبيعة العلاقة بين القاهرة ورام الله، فالمؤلف بوصفه صحفيا مصريا، ينظر إلى عرفات من زاوية الدور المصرى فى دعم القضية الفلسطينية، بما يحمله ذلك من تاريخ طويل من التنسيق والاختلاف أحيانا.
يبرز الكتاب كيف كانت مصر تمثل دائما العمق الإستراتيجى للقضية الفلسطينية، وكيف ظل التواصل قائما حتى فى أحلك الظروف، ولا يغفل الإشارة إلى لحظات التوتر أو التباين فى الرؤى، لكنه يؤكد أن الخلاف لم يتحول يوما إلى قطيعة فى جوهر العلاقة.
هذه القراءة تمنح الكتاب بعدا قوميا، وتضع شخصية عرفات فى سياقها العربى الأوسع، لا الفلسطينى وحده.
ويمكن القول هنا: إن أحد أبرز إنجازات الكتاب أنه حاول تفكيك «أسطورة عرفات» دون أن يهدمها، فهو لا ينزع عنه رمزيته، لكنه يذكر بأن الزعماء بشر، يتخذون قرارات صحيحة وأخرى محل جدل.
هنا يطرح الكتاب تساؤلات مهمة: هل كان عرفات أسير رمزيته؟ وهل حالت مكانته التاريخية دون تجديد النخبة السياسية الفلسطينية فى الوقت المناسب؟ وهذه الأسئلة لا تطرح بصيغة اتهامية، بل بصيغة تأملية، لكنها تفتح الباب أمام قراءة نقدية لتجربة كاملة.
من الناحية التوثيقية، يقدم كتاب «أنا وياسر عرفات» مادة مهمة للباحثين والمهتمين بتاريخ الصراع العربى - الإسرائيلى، وبرغم أنه ليس مرجعا أكاديميا محضا، لكنه يضيف عنصر «الشهادة الحية» التى كثيرا ما تفتقدها الدراسات الجافة.
هنا تكمن قيمة هذا الكتاب، فى أنه يملأ الفراغ بين الوثيقة الرسمية والذاكرة الشعبية، فهو يسجل تفاصيل قد لا نجدها فى محاضر الاجتماعات أو البيانات السياسية، لكنها تسهم فى فهم المناخ العام الذى صنعت فيه القرارات.
لكن السؤال الأهم الذى يفرض نفسه: لماذا نعود إلى عرفات الآن؟
الإجابة تكمن فى أن كثيرا من إشكاليات اللحظة الراهنة، تعود جذورها إلى تلك المرحلة حول مسار التسوية، والانقسام الداخلى، وحدود السلطة، والعلاقة مع القوى الإقليمية والدولية.
إن قراءة تجربة عرفات لا تعنى استنساخها، بل فهمها، فالزعماء يصنعون لحظاتهم، لكن اللحظات أيضا تصنعهم، والكتاب يذكرنا بأن السياسة ليست خطا مستقيما، بل سلسلة من الموازنات الصعبة.
فى النهاية كتاب «أنا وياسر عرفات» للزميل الصحافى أسامة شرشر ليس مجرد كتاب عن زعيم راحل، بل نافذة على مرحلة مفصلية فى تاريخ القضية الفلسطينية، من خلال شهادة الزميل أسامة شرشر، نرى عرفات من زاوية مختلفة فهو كان قائدا، ومفاوضا، ومحاصرا، وإنسانا.
وفى زمن تتجدد فيه الأسئلة حول مستقبل فلسطين، يظل استدعاء تلك التجربة ضرورة فكرية، ليس بحثا عن بطل، بل بحث عن فهم أعمق لمسار لا يزال مفتوحا على كل الاحتمالات.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
هوية مصر بين ماضيها البعيد وحاضرها القريب.. سنوات القطيعة الحضارية بين النور والظلام
نهاية درامية لصوت مؤثر فى الغرب.. ليلى شهيد.. ابنة فلسطين التى حملت التاريخ فوق ظهرها
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام