رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الجمعة 6 مارس 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
ثقافة
هوية مصر بين ماضيها البعيد وحاضرها القريب.. سنوات القطيعة الحضارية بين النور والظلام
1-3-2026
|
23:29
عزمى عبد الوهاب
مصر نور العالم.. خرج منها التوحيد والأديان والفلسفة والعلم والكتابة والطب.. وصاحبة أول جيش نظامى فى التاريخ
يحق لمحسن عبد العزيز، أن يستشهد بما قاله عميد الأدب العربى، طه حسين فى كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر» ، لكن ليس من حقه أن يحتفى بنصف سطر فى جملة، ويهمل نصفها الآخر، فطه حسين يقول:»لا أحب أن أفكر فى مستقبل الثقافة فى مصر، إلا على ضوء ماضيها البعيد، وحاضرها القريب» هكذا يتغافل محسن عبد العزيز عن «حاضر مصر القريب» حيث تتراكم طبقات من الوعى على النسيج المصرى.
هو يريد أن نحتفى بأبطال بلادنا: سقنن رع، وكامس، وأحمس، أولئك الرجال الذين حاربوا الهكسوس، وطردوهم وطاردوهم، يريد أن نحتفى بتحتمس الثالث صاحب أكبر إمبراطورية مصرية، أو رمسيس الثانى أشهر حكام التاريخ، ويستنكر على المصريين أن «يحتفوا بأبطال العرب والإسلام، وهم ليسوا أبطال مصر، والحقيقة أنهم أبطال العرب والإسلام، ينتمون إلينا، وننتمى إليهم بالعروبة والإسلام» على حد تعبير محسن عبد العزيز.
هو يدرك أن الشخصية المصرية محملة بالتناقضات، عندما تستيقظ تصبح كالمارد، لا يقف أمامها شيء، تصد جحافل التتار والصليبيين، وتهز عرش السلطنة العثمانية، تتحد أوروبا كلها ضدها خوفا من جيوش إبراهيم باشا، وعندما تضعف تحس أنها لن تقوم أبدا، لكنها تفاجئك بالقيام مرة أخرى، وما بين صحوة المارد وغفوة الضعيف، غدت ملكة الحلول الوسط، كما قال جمال حمدان: ابنة التضاد الصارخ، الحزن الشديد، والفرح العارم، النصر وتكوين الإمبراطورية، أو الهزيمة والاحتلال.
يمتلك الكاتب جرأة كبيرة، ويطرح أفكارا تحتاج إلى مراجعة، لما تضمه من قضايا خطيرة تتعلق فى عمومها بالهوية، التى لم يتوقف الكتاب المصريون طوال تاريخهم عن البحث فيها، والسعى لبلورة أفكار ما حولها، وقد ارتبط هذا السجال حول الهوية بثورة 1919 وبالمقولة التى طرحت من قبل حول «مصر للمصريين» التى تم استدعاؤها فيما بعد، برغم أنها كانت تعنى ألا مكان فيها للإنجليز والأجانب، الذين نهبوا خيراتها، واستعبدوا ناسها.
محسن عبد العزيز فى كتابه «سيرة النور والصمت.. مصر والقطيعة الحضارية» والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يعزو الأمر إلى أن الإنسان المصرى، «كان يبحث عن جذور ثقافية وحضارية، بعد الفراغ الثقافى والقطيعة الحضارية، التى حدثت بينه وبين تاريخ بلاده وحضارته» ولذا مال المصريون إلى الاحتفاء بأبطال العرب والإسلام.
هو بذلك يتجاهل تلك الطبقات من الوعى التى شكلت شخصية مصر، عبر السنين، فإذا كان الأسد مجموع خراف مهضومة، فمصر بالأحرى هى هذا الكيان الذى لم يكن منعزلا فى الجغرافيا، ولا سجينا فى تاريخه ومجده، لقد كان للمصرى إمبراطورية، تمتد أذرعها شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وتعرض لاحتلالات كثيرة، وغير لغته أكثر من مرة، كان آخرها عندما احتلها الرومان، قبل أن يدخل عمرو بن العاص فاتحا أو غازيا ومعه اللغة العربية.
يؤمن محسن عبد العزيز، بأن «تعليم اللغة الهيروغليفية فريضة قومية، تقضى على القطيعة الحضارية، وتجعل البناء على ما تركه الأجداد ممكنا» وماذا تقول يا عزيزى بشان الديموطيقية والنوبية والأمازيغية، وغيرها من لغات لا نعرفها؟ لماذا لا تدعو لأن تكون الهيروغليفية لغة درس، حتى نعرف كيف نفك شفراتنا الحضارية، بدلا من أن نكون نهبا لأجانب يكتبون تاريخنا تبعا لرغباتهم وأهوائهم؟ لكن أن نجعل الأمر فريضة قومية، فهذا نوع من المبالغة، التى لن تذهب بنا فى طريق صحيح.
ألم تسأل نفسك كيف قطع الإسلام هذه الأميال شرقا، حتى وصل إلى الصين بسورها العظيم؟ ومع ذلك لم تتغير لغة من اعتنقوا هذا الدين، كذلك لا تزال اللغة الفارسية حية؟ يتحدث بها شعب عريق فى التاريخ، كذلك دول الجمهوريات الإسلامية فى الاتحاد السوفيتى السابق، الأتراك يا رجل الذين كونوا إمبراطورية، غزت أوروبا، وأحيوا الخلافة الإسلامية، التى ماتت، وكل هذا باسم الإسلام، لم يعتنقوا العربية لغة، أليس فى هذا ما ينبئ عن أن تلك اللغة لا تلبى احتياجاتهم اليومية وأشواقهم وطموحاتهم، ولذا لم يذهبوا إليها، برغم أنها لغة كتابهم المقدس.
ربما نكون فى حاجة لأن نذكر محسن عبد العزيز بالمشروع الروائى الذى آمن به نجيب محفوظ، وسعى لأن ينجزه، وأصدر بالفعل ثلاث روايات: رادوبيس، كفاح طيبة، عبث الأقدار، وفى سنة دراسية ما تقرر على طلاب المدارس الإعدادية، تبسيط لرواية «كفاح طيبة» لكن محفوظ بعد تلك الروايات تراجع تماما عن مشروعه، لأنه ببساطة اكتشف أن غربة ما تنشأ بين المتلقى فى اللحظة الراهنة، وتلك الأحداث التاريخية التى تنتمى إلى «ماضينا البعيد».
ربما نكون فى حاجة إلى أن نذكر محسن عبد العزيز بمعارك منتصف القرن العشرين، حول هوية مصر القومية، والتى دارت رحاها بين توفيق الحكيم ورجاء النقاش والدكتور حسين فوزي، والدكتور لويس عوض، والأخير كان من أشد المؤمنين بمصريته، وسعى عمليا لأن يكتب بالعامية المصرية، وكأنها بعيدة عن الحرف العربي، لويس عوض كان ممن احتضنوا أمل دنقل، الذى حاول أن يغازل أفكار الناقد الكبير، فكتب قصيدة مليئة بالرموز والمرجعيات والحكايات الفرعونية، ليكتشف أن لويس عوض لا يعرف تلك الإشارات.
وكانت آخر قصيدة لأمل دنقل فى هذا الاتجاه، بعدها سترى فى قصائده المتنبى وأبو نواس وأبو موسى الأشعرى، وجساس بن مرة وكليب والبسوس والجليلة وغيرها من أسماء رصدها فى قصيدته «أقوال جديدة عن حرب البسوس» التى عرفت شعبيا باسم «لا تصالح» ستجد فى تحولات أمل دنقل حوادث تاريخية عربية كبرى، مثل واقعة التحكيم، أو حرب البسوس، وداحس والغبراء، وطوفان نوح، بل إن لديه مقالات، لم تجمع فى كتاب، عن قبيلة قريش، هنا لا يشعر الشاعر بغربة فى اللغة، ولا الحكاية ولا ينفصل عن جمهوره أو قارئه.
بهذا المعنى كيف يكون «تعليم اللغة الهيروغليفية فريضة قومية» نحن نريدها ونحتاجها فقط لمعرفة تاريخنا، كيف؟ وماذا حدث؟ ونحن لا نختلف مع الكاتب على أن مصر، وفقا لتعبير الشاعر عبد الفتاح مصطفى فى «طوف وشوف»: «كان نهار الدنيا ما طلعشى وهنا عز النهار» وأن المصريين أول من استخدموا البنج فى العمليات الجراحية، وقاموا بعمليات زرع الأعضاء، تقدموا فى طب الأسنان وزراعتها، وعرفوا نوع الجنين للمرأة الحامل عن طريق فحص البول، كانوا يستخدمون المشارط وكانت المعابد المصرية مراصد للنجوم والكواكب، كانوا يقدسون العلم ويسمون الجامعات بيوت الحياة.
نعم مصر كانت نور العالم، خرج منها التوحيد والأديان والفلسفة والعلم والكتابة والطب، وكانت صاحبة أول جيش نظامى فى التاريخ، وطبقا لويل ديورانت فإن «ما قامت به مصر من الأعمال فى فجر التاريخ لا تزال آثاره مخلدة فى كل أمة وكل جيل، ولعل مصر بهذا كله تعرض على العالم أعظم ما ظهر على الأرض من حضارات إلى يومنا هذا، وإن من الخير أن نعمل نحن لكى نبلغ ما بلغت».
كانت مصر بالفعل تحتل العالم القديم فكريا ودينيا وفلسفيا، أخذ اليهود التوحيد من مصر المذكورة فى التوراة 68 مرة، كما يذكر محسن عبد العزيز، وهو فى حاجة لمراجعة الصورة التى جاءت عليها مصر فى التوراة، مقارنة بالقرآن الكريم، برغم أن الأنبياء العبرانيين مروا على مصر، وتعلموا لغتها، ونهلوا من حضارتها، وجعلت يوسف على خزائن الأرض.
واحتمى المسيح وأمه بدروبها وبيوتها من الحاكم الروماني، وكما ذكر شارل دوبوى فى كتابه «أصل الديانات» فإن «هذا الأصل لا يكون سوى على ضفاف النيل، والمسيحية ليست سوى اقتباس للمعتقدات المصرية القديمة، حتى عبادة البقر عند الهنود، هذه البقرة هى معبودتنا القديمة هاتور».
نقاط الاتفاق مع محسن عبد العزيز كثيرة، ومنها أن العبرانيين أخذوا الآداب المصرية القديمة، وجعلوها نصوصا مقدسة فى التوراة والكتب المقدسة، فالفكر المصرى القديم يحكم العالم دينيا وفكريا وفلسفيا، والقول إن اليونان آباء الفلسفة غير حقيقي، ظهر بعد القطيعة الحضارية، وانطفاء الفكر المصرى خلال قرون الصمت الطويلة.
كلنا نعلم أن فلاسفة اليونان الكبار: فيثاغورث وسقراط وأفلاطون وأرسطو تعلموا فى مصر، وأتقنوا اللغة الهيروغليفية (اللغة مرة ثانية) وكان أفلاطون يقول، إن اليونانيين عيال على الحضارة المصرية، وطبقا للدكتور حسين مؤنس فإن ما نسميه اليوم بحضارة الغرب، إن هو إلا الحضارة المصرية القديمة متطورة فى اتجاه واحد مستقيم» بالتأكيد لم يطلع الدكتور حسين مؤنس، لا هو ولا من أطلق مقولة «فى الغرب وجدت إسلاما بلا مسلمين» لم يطلع أى منهما على ملفات جيفرى إبستين.
نحن نعرف أن الإمبراطور الرومانى ثيودثيوس الثانى، منع اللغة الهيروغليفية عام 415، فهل كان ذلك بمنأى عن الدين الجديد الذى ارتضته مصر، ذلك الدين الذى جعل من علوم مصر القديمة علوما وثنية (تكفير مبكر يعني) من هنا كان مصرع الفيلسوفة وعالمة الفلك والرياضيات هيباتيا، والذى استتبعه حريق مكتبة الإسكندرية، وهدم المعبد (الجامعة) فوق رؤوس العلماء، إذن ليست اللغة وحدها هى التى تجعلنا بمنأى عن القطيعة الحضارية.
حين نزلت القبائل العربية مصر، واختلطت بالأهالى فى القرن الثانى الهجري، أصبحت اللغة العربية لغة الشعب، والأكيد أن التحاق المصريين بالعمل فى دواوين الحكومة، كان السبب الرئيسى فى موجة التعريب الكبيرة، لتكتمل عملية اقتلاع اللغة القديمة، وطمس الحضارة المصرية العظيمة، وهذا ما يمكن أن نسميه حتمية تاريخية، أدت إلى ما قاله محسن عبد العزيز فيما بعد: «عاشت مصر خلال فترة القطيعة الحضارية أطول فترة مظلمة فى تاريخها، أربعة عشر قرنا من الصمت والظلام المخيف لا بقعة ضوء تلوح فى السماء البعيدة».
نعم «دمر الغزاة من الفرس والإغريق والرومان ثروات مصر المادية والروحية، نهبوا الكتب ودمروا المعابد، وسطوا على ثرواتها المادية الفكرية» لكن صلاح الحال، لن يكون باعتبار «تعليم اللغة الهيروغليفية فريضة قومية»، بذلك تكون مصر رهينة تاريخها البعيد، ويكون هذا الكتاب جريئا فى طرحه.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
محاولة لفهم ما جرى وما يجرى للقضية الفلسطينية.. "عرفات" فى عيون صحفى مصرى
نهاية درامية لصوت مؤثر فى الغرب.. ليلى شهيد.. ابنة فلسطين التى حملت التاريخ فوق ظهرها
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام