ثقافة



‫نهاية درامية لصوت مؤثر فى الغرب‬.. ليلى شهيد.. ابنة فلسطين التى حملت التاريخ فوق ظهرها

1-3-2026 | 23:48
سيد محمود‬

لم تكن فلسطين بالنسبة للمناضلة الفلسطينية ليلى شهيد، التى رحلت هذا الأسبوع عن 76 عامًا، مجرد قضية نضالية، لكنها كانت طريقة فى الوجود ونقطة تقاطعت فيها السياسة مع الثقافة والدبلوماسية.. آمنت ليلى دائمًا أن الثقافة هى “أساس السياسة”، لذلك جمعتها صداقات وثيقة مع مفكرين وأدباء كبار مثل إدوارد سعيد، وإلياس خورى، ومحمود درويش، ومارسيل خليفة.. وُلدت ليلى فى بيروت عام 1949 لعائلة فلسطينية نفاها الانتداب البريطانى بعد الثورة العربية هناك، وكانت ثمرة زواج أمها، التى درست فى بيروت، من منيب شهيد، الذى أصبح عميدًا لكلية الطب فى الجامعة الأمريكية فى بيروت.
 ‪ ‬‫  
بعد تخرجها، انتقلت إلى باريس بغرض إعداد رسالة دكتوراه عن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين فى لبنان، وفى سنة 1976، انتُخبت رئيساً لفرع الاتحاد العام لطلبة فلسطين فى فرنسا، وعيّنت سنة 1989، ممثلة لمنظمة التحرير الفلسطينية فى إيرلندا، لتكون أول امرأة فلسطينية تتولى هذا المنصب. وبعد عام مثّلت المنظمة فى هولندا والدنمارك. وبين سنتى 1993 و2005، شغلت منصب المفوضة العامة لمنظمة التحرير فى فرنسا، وفى عام 2006، شغلت منصب المفوضة العامة للمنظمة فى الاتحاد الأوروبى، وبلجيكا، ولوكسمبورج، وظلت فى منصبها هذا حتى سنة 2014.
 
حفظ الذاكرة
طوال رحلتها، التى أنهتها مختارةً لتوقف الألم الذى دبّ فى جسدها، امتلكت ليلى مسيرة نضالية طويلة تضرب بجذورها فى إرث العائلة؛ لذلك اعتبرت عملها ونضالها اليومى من أجل عدالة القضية الفلسطينية إخلاصًا لذاكرة شخصية وتعبيرًا عن قناعة رسّختها العائلة.
يمكن فهم أبعاد تلك القناعة عند قراءة يوميات جدتها السيدة سيرين الحسينى شهيد (1920–2009)، فوالدها جمال الحسينى هو ابن العم الثانى لمفتى القدس الشهير أمين الحسيني.
تخرجت سيرين فى الجامعة الأمريكية فى بيروت عام 1941، وتُرجمت يومياتها قبل عقدين كاملين عبر زوج ليلى شهيد، الناقد المغربى البارز محمد برادة، وصدرت عن دار الشروق فى عمّان ودار الفنك المغربية، بغرض إظهار نبض الحياة اليومية فى القدس قبل احتلالها.
أول ما يلفت النظر فى تلك اليوميات المقدمةُ المضيئة التى كتبها المفكر الفلسطينى إدوارد سعيد، وإشارته إلى ما لدى تلك العائلة من “ذخيرة تاريخية وبشرية مؤلفة أساسًا على شاكلة فسيفساء من شذرات ممتعة فى معظمها، ومن مسرّات عابرة وشقاءات أكثر ديمومة”.
تكشف سيرة العائلة عن دور كبير لعبته نساؤها فى حفظ إرث «الصناعات المنزلية» بين اللاجئين الفلسطينيين؛ فقد عملت سيرين على مشاريع متنوعة لحماية زخارف النساء الفلسطينيات بعد أن حاولت إسرائيل اغتصاب هذا الفن، كما ساعدت فى تأسيس جمعية لتنمية المخيمات الفلسطينية، المعروفة باسم «إنعاش»، بهدف الحفاظ على تقاليد الزخارف الفلسطينية.
لم يتوقف فخر ليلى شهيد بعائلتها أبدًا، إذ بقيت ذكرياتها حاضرة فى وجدانها عبر حكايات والدتها المقدسية سيرين الحسينى عن القدس، التى دوّنتها فى كتابها “ذكريات من القدس”.
ويعكس النص الذى كتبته ليلى بعنوان “للذكرى”، ونشرته صحيفة “أخبار الأدب” عام 2010، ذلك التاريخ الذى كانت تحمله فوق ظهرها؛ فقد كتبت: ولدتُ عام 1949 فى بيروت، سنةً بعد النكبة، تمّ توقيف والديّ ونفيهما. فى المنفى تعرّفا فعلًا إلى بعضهما بعضا، كان أبى قد جاء من عكّا، أو سان جان داكر، حسب الاسم الذى أطلقه عليها الصليبيون، وقد وصف نرفال عكّا فى كتابه “رحلة إلى الشرق”، كان قد وصل إليها على متن مركب شراعى، لكنه لم يستطع أن يرسو بها لوجود مرضى بالمركب، فوصف ما شاهده من على ظهر السفينة: ‘مدينة عكّا تتقدم فى البحر على جبل رملى، بقبابها البيضاء وحيطانها ومنازلها ذات السطوح والأرصفة، والصومعة المربعة ذات الشرفات المزخرفة كأكاليل”.
وتضيف: عندما كنت صغيرة فى بيروت، كان أبى يدرّس فى الجامعة الأمريكية، وكانت أمى تعمل متطوعة فى مخيمات اللاجئين، لم أكن أستطيع مرافقتها، لكننى كنت أرى كيف كانت تبكى فى المساء، تبكى من التعب والغضب والسخط على كل ذلك البؤس الذى عايشته فى المخيمات، رؤية دموع أمى تركت بداخلى أثرًا بالغًا لا يُمحى”.
تشير ليلى شهيد بامتنان وبألم إلى لقاءات جمعتها بعز الدين القلق، المناضل الذى غيّر حياتها كليًا قبل أن يتم اغتياله فى باريس بعدة سنوات؛ فقد سألها: ما الذى ستجنيه فى آخر المطاف من الدراسات الأنثروبولوجية؟
وقتها لم تفلح فى إعطائه جوابًا، لكنها اتبعت حدسها فيما بعد، ولأسباب عديدة أجابته يومها بـ”نعم”، ثم شرعت بعد ذلك فى العمل كمناضلة مع منظمة التحرير الفلسطينية”.
تقول ليلى: “غيّر عزّ الدين مجرى حياتي”، ثم تحكى تفاصيل مأساوية عن ظروف تصفيته واغتياله فى باريس.
 
رحلة مع جان جينيه
على الرغم من نضالها الدبلوماسى الطويل، فإن شهرتها فى العالم العربى وفى فرنسا كذلك جاءت بعد أن أشار الكاتب الفرنسى الشهير جان جينيه إلى الكيفية التى دخل بها إلى مخيم شاتيلا، ودور ليلى شهيد فى تيسير مهمته التى جسدها فى الشهادة التى تركت أثرًا كبيرًا فى فرنسا وخلقت تعاطفًا واسعًا مع الفلسطينيين بعد كشف المجازر التى ارتكبتها إسرائيل خلال اجتياح بيروت عام 1982.
تعرّفت ليلى إلى جان جينيه قبل ذلك بعدة سنوات من خلال الكاتب المغربى الشهير الطاهر بن جلون عام 1974، وقدّمه لها قائلًا: “ستحبينه كثيرًا، فالطاهر كان قد أصدر للتو ديوان شعر أهداه إلى الفلسطينيين، وبعد ذلك بعام أصدر ديوانًا آخر بعنوان «أشجار اللوز تموت من جراحها».
بحسب مجلة الدراسات الفلسطينية، لم تكن زيارة ليلى شهيد لبيروت، يرافقها الأديب الفرنسى جان جينيه، فى أيلول/سبتمبر 1982 زيارة عادية، لأنها تمّت بعد حصار العاصمة اللبنانية وخروج منظمة التحرير الفلسطينية منها، وما زاد فى فرادتها أن أحداثًا مترابطة بدأت باغتيال بشير الجميل واحتلال الجيش الإسرائيلى بيروت.
وكان الأكثر فرادة فى تلك اللحظة، والأكثر وحشية ودموية، هو المجزرة التى وقعت فى مخيم شاتيلا، الذى زاره جينيه وليلى شهيد مباشرة بعد ارتكابها ولمدة أربع ساعات، وقد كتب جينيه فى إثرها نصًا بعنوان “أربع ساعات فى شاتيلا” نُشر فى النسخة الفرنسية من مجلة الدراسات الفلسطينية، وصدر بالعربية فى مطلع سنة 2016، عن منشورات مكتبة الأعمدة، وتضمّن حوارًا مطولًا أجراه جيروم هانكنس مع شهيد تناولت فيه تفاصيل زيارة جينيه لذاك المخيم عقب المجزرة، وأعادت مجلة الدراسات الفلسطينية نشره بترجمة محمد برادة عام 2017 .
استضافت ليلى شهيد جان جينيه فى منزلها فى بيروت فى سبتمبر 1982، وسهّلت زيارته إلى مخيم صبرا وشاتيلا، ورافقته إلى مناطق كثيرة، وهناك كتب جينيه يومياته التى ظهرت فى نصوص كتابه البديع “أسير عاشق”، الذى ترجمه إلى العربية كاظم جهاد، ونشرته دار شرقيات فى القاهرة بعد ذلك بعقد كامل.
ظلت ليلى تعتقد، حتى وفاتها، أن جينيه ساعدها دون أن يدرى فى حسم خيار الارتباط بزوجها، الناقد والروائى المغربى محمد برادة، الذى تزوّجته بالفعل بعد أن كشفت أمام جينيه دوافع زياراتها إلى المغرب.
ومن المثير أن رسالتها النضالية والدبلوماسية حالت دون إنجاب الأطفال، لكنها كانت تقول: «أطفال الحجارة فى الضفة الغربية وأبناء المخيمات فى لبنان هم أولادي”.
خلال السنوات الأخيرة، زعم البعض أن ليلى شهيد ناصرت فتح قنوات حوار مع المثقفين الإسرائيليين الذين يعلنون رفضهم للسياسات الإسرائيلية، كما أشار آخرون إلى رفضها للعمليات التى قامت بها حماس فى 7 أكتوبر 2024، إلا أن سفيرة السلطة الفلسطينية السابقة فى فرنسا أدلت بتصريحات لصحيفة «هيومانتيه» الفرنسية أكدت فيها أن رد تل أبيب غير المتناسب على الإطلاق هو أيضًا نتيجة لعقود من الإفلات من العقاب، وأدانت صراحة الموقف الأمريكى وأوروبا التى لا تميّز بين حق إسرائيل فى الدفاع وسياسة الانتقام.
كانت الراحلة تقول: «لا أريد أن أكون قد ناضلت من أجل فلسطين نصف قرن لأجد نفسى مع الإسلاميين فى السلطة، وسأحاربهم سياسيًا عند الحاجة، لكن لا يأتى أحد ليقول لى إن حماس هى الوحيدة المضادة للديمقراطية والإرهاب فى هذا الصراع، كما لو أن إسرائيل لم ترتكب هجمات على غزة بلا عقاب منذ عقود».
 قصة الزواج من برادة والسفر مع جان جينيه
 
فى 1974، انتقلت ليلى إلى باريس لمتابعة الدكتوراه فى الأنثروبولوجيا، وفى عام 1976، تولّت رئاسة اتحاد الطلبة الفلسطينيين فى فرنسا، بعد عام واحد هناك التقت فى حى مونبرناس، بالكاتب المغربى، إدمون عمران المليح، وهى العلاقة التى قربتها من المغرب، وكانت أول زيارة لها إلى هناك فى صيف سنة 1976، بدعوة من عمران المليح وزوجته وشملت الجولة زيارة عدة مدن مغربية.. فى نفس العام، تلقت دعوة للمشاركة فى لقاء لاتحاد الكتاب الفلسطينيين بتونس، وهناك التقت برئيس اتحاد كتاب المغرب، محمد برادة، الذى وجه لها دعوة لحضور لقاء اتحاد كتاب المغرب فى العام التالى،  وبعد فترة وجيزة تقدّم برادة لخطبة ليلى، فحظى طلبه بموافقة الأسرة وتمّ الزواج بسرعة، خصوصا فى حضور والدتها سيرين.
وبعدها أقامت ليلى فى الرباط بين 1977 و1989، وعملت مدرسة فى أحد الأحياء الهامشية، ثم اتجهت نحو مجال النشر بالتحاقها بإحدى دور النشر اليسارية مع صديقها المفكر المغربى عبد الكبير الخطيبى.
ثم تزايد حضورها الثقافى والسياسى، من خلال علاقاتها مع اليسار المغربى خلال المرحلة التى تعرف بسنوات الرصاص، التى شهدتها عمليات تصفية لسياسيين، وفى تلك الفترة تنامى نشاطها العام وتبنت حملة للدفاع عن إبراهيم السرفاتى، المعروف بتأييده للقضية الفلسطينية داخل المغرب، وتوثقت روابطها مع زوجته، كما استقبلت  فى بيتها، عدداً من الشخصيات الفكرية والثقافية من المغرب والمشرق، من بينهم الشاعر محمود درويش، والمفكر إدوارد سعيد، والكاتب الفرنسى جان جينيه، الذى أسهمت فى انتقاله من فرنسا إلى المغرب حيث عاش لسنوات طويلة قبل أن يدفن فى مدينة العرائش الواقعة فى الشمال قرب  مدينة أصيلة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام