مقالات



‫غزة وتغيير العالم (2-2)‬

1-3-2026 | 23:51
أسامة سرايا

هناك مواقف أكثر أهمية، وهو ما يحدث فى غزة، حيث مجلس ترامب العالمى للسلام، المؤسسة البديلة للأمم المتحدة أو الدبلوماسية، متعددة الأطراف بأشكالها القديمة، فهل تصمد؟ هل يقدم لدول الشرق الأوسط، خصوصا الدول العربية حلا لمشكلة فلسطين التى انتظرت الأمم المتحدة أكثر من 70 عاما، بقرارات أممية دولية، وكأنها شيكات بلا رصيد، لذا يراهن الرئيس ترامب على مجلس السلام العالمى الجديد، إنه قادر على إقامة السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل بين العرب والإسرائيليين عن طريق تعمير غزة، ويطرح المليارات لهذا الهدف الجوهرى لمغازلة الفلسطينيين ومعاناتهم، ونتنياهو هو الآخر لا يتأخر لإصدار قرارات جوهرية لتصفية القضية الفلسطينية، بمنح الدولة الإسرائيلية أراضى الضفة الغربية، بينما يسارع نحو زيادة مساحة القدس، كأنه يعرف خطط الرئيس ترامب القديمة الذى يريد أن يعطى العرب القدس الشرقية، خصوصا البر الأقصى، مقابل اعتراف خليجى  بإسرائيل، يسمح بإقامة دولة فلسطينية فى غزة، وما يتبقى من الضفة الغربية والقدس الشرقية الجديدة، بعد توسيعها بواسطة حكومة نتنياهو، نحن نرى معركة النظام العالمى الجديد الذى يقوده ترامب تجرى على مسرحين، مسرح الحرب الإيرانية - الأمريكية وسلاحها النووى، وصواريخها وأذرعها، والمسرح الثانى غزة ومستقبلها، والمسرح الخفى، هو الدولة الفلسطينية بشقيها، الضفة وغزة، ومجلس سلام ترامب، الذى يريد أن يثبت وجوده وقدرته، على فرض السلام فى الشرق الأوسط كمقدمة لسياساته فى كل دول العالم، ولعلنا نتوقف أمام مؤتمر ميونخ للأمن، وحديث روبيو، وزير خارجية ترامب، لتخفيف حدة الاحتقان مع أوروبا، بطرح الإطار الحضارى، ليحل محل الإطار المؤسسى «الناتو»، ولعل وزير خارجية ترامب دون أن يدرى عمق الهوة السياسية والحضارية بين أمريكا وأوروبا، بل فجر النوستالچيا الحضارية الأوروبية، والحنين إلى المجد الأوروبى القديم، لكى يستيقظ أمام أمريكا.
أزمة الثقة بين الأوروبيين والأمريكيين بعد قضية جرينلاند التى هزت العلاقات، التى مازال الأوروبيون يأملون فى تجاوزها، أو الخلافات حول كيفية مواجهة روسيا فى أوكرانيا نسخة ميونخ الحالية فى الفترة من 13 إلى 15 فبراير، هل أجابت عن السؤال؟ نحن أمام منتدى للسياسيين وليس لرجال الأعمال، كما فى دافوس، الجمع احتشد وزراء الخارجية والدفاع، وكبار القادة العسكريين وأجهزة الاستخبارات.
مؤتمر ميونخ موعد سنوى للحوار والبحث، حول حال العالم لسنوات طويلة سادت فكرة أن الأسواق والاقتصاد، يمكن أن ينفصلا عن السياسة والأمن، كان دافوس يقول ذلك بلغة الرأسمالية وأصحاب المصلحة والتنسيق المعاصر، المشاركون يرون أن القضايا الجيوسياسية، تشكل قيودا على النمو الاقتصادى، هذا الافتراض لم يعد صحيحا اليوم، لأن اليوم تتشكل الأسواق بفعل الحروب والعقوبات الاقتصادية والسياسات الصناعية والتوترات الجيوسياسية، وتنافس هذه القوى بطرح أكبر فى المنتديات الأمنية، وعلى رأسها مؤتمر ميونخ للأمن. ما حدث فى الحرب الأوكرانية، كان كاشفا لهذا التحول، فقدت أوروبا إمكانية الوصول إلى الغاز الروسى الرخيص، وارتفع الإنفاق الدفاعى بشكل كبير، وزاد التضخم، وخفضت القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والأسمدة والألومنيوم، إنتاجها أو نقله إلى خارج أوروبا، وهذه النتائج متعلقة بقرارات الدول، بشأن استخدام القوة والعقوبات والتزامات التحالفات، ولم تستطع أمريكا فى ميونخ أن تخفف من مخاوف الأوروبيين فى تحالفات المستقبل. المقادير جعلت النظام العالمى الجديد يتشكل فى غزة، وليس فى إيران وحربها أو تركيا أو جنيف أو غيرها، الدنيا سوف تقيس قدرة مجلس سلام ترامب فى غزة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام