مقالات



‫رسالة إلى العابرين‬

4-3-2026 | 01:51
مهدى مصطفى

يقول محمود درويش: «عابرون فى كلام عابر»، وقد صدق شاعر فلسطين، فمهما امتلكوا من عنف وقوة غاشمة، تبقى الجذور راسخة فى الأرض، ويبقى الدخان الذى يلف الإقليم العربى الآن عارضا سوف ينقشع، وسيكون درسا عظيما لأبنائه بأن أصحاب المسائل المعقدة لا يجوز أن يكونوا فى دروبنا الطويلة.
إننا نغنى بأعلى ما فى حناجرنا، لأننا نحب الغناء:
يا شرقا حمل الحضارات فوق كتفيه حتى تعب الآخرون، يا أرضا عبرت فوقها قوافل البشر كما تعبر الريح فوق الرمل، ها أنت اليوم تقف عند عتبة ذاكرة لا تنسى، ولا تسمح للنسيان أن ينام.
هنا، فى هذا الإقليم الذى تتعانق فيه الصحراء والبحر، ولدت الحكايات الأولى، ومشت المدن على خطى الأنبياء والتجار والجيوش والقبائل، وتركت على وجه الزمن ملامح الغزاة والعائدين، كأن التاريخ أراد أن يكتب نفسه على صدر الإنسان، وعلى جدران المعابد.
فى البعيد يجرى نهر النيل هادئا كذاكرة الماء الأولى.
النيل يعرف الفلاح الذى لمس الطمى وقال للأرض: كونى حياة.
النيل يحفظ وجوه الذين رحلوا، وبقيت آثار أقدامهم فوق الحقول.
يا شرق الأنبياء والصلوات القديمة، كم مرة عبرت الجيوش أرضك؟ كم مرة ارتفعت رايات، وانخفضت رايات؟
وكم مرة ظن البشر أن التاريخ انتهى، ثم اكتشفوا أنه ما زال يمشي؟
فى هذا الشرق قامت المدن، ثم نامت، ثم قامت مرة أخرى، عبرت جحافلهم ومضت، وقد ظنوا أنهم انتصروا، لكنهم استيقظوا على هروب جماعي، وبقى طفل من هذا الشرق كبذرة لشجرة جديدة، وهكذا ستعبر اللحظة الراهنة، وستنبثق قوة ذاتية كالعاصفة تكنس بقاياهم فى لحظة فاصلة.
الشرق العربى لا يموت بسهولة، لأنه ليس أرضا خلاء، هو ذاكرة بشرية متشابكة.
هنا تعلم الطفل الحياة قبل أن يتعلم الاسم.
هنا تعرف الأم أن الفجر قد يأتي، أو قد يتأخر، أو قد لا يأتي، لكنها تظل تفتح نافذتها كل صباح انتظارا لشعاع الضوء القادم.
 فى هذا الشرق للحرب رائحة الليل حين يختنق بالدخان، وللصمت صوت سقوط حجر فى بئر قديمة لا قرار لها.
 الأرض تعرف أسماء أبنائها الذين ذهبوا ولم يعودوا، وتعرف صوت أقدام الجنود فوق التراب، وتعرف صوت الصواريخ حين تعبر السماء كطيور سوداء بلا أعشاش.
على أطراف المدن ما زالت أشجار الزيتون تتذكر يد الفلاح القديم، ذلك الذى لمس التراب كما يلمس وجه طفل نائم، وقال للأرض إن الإنسان لا يعيش بلا جذور.
وما زال البحر يحفظ رسائل السفن التى لم تصل، رسائل بحارة رحلوا، وظلت أصواتهم تمشى فوق الموج. 
يا شرق الرماد والأنبياء، لا تسأل التاريخ لماذا يعيد وجعه فى كل قرن؟ فالتاريخ لا ينسى الدم حين يختلط بالتراب، ولا ينسى المدن حين تتعلم الصمت كى تبقى.
 الشرق العربى اليوم يقف على خط الزلازل السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، حيث لم تعد الحروب دائما واضحة، لقد أصبحت صراعا يمشى داخل الاقتصاد والفضاء السيبرانى وشبكات النفوذ.
لكن الزلزال الحقيقى ليس فى الأرض، الزلزال فى الإنسان حين يشعر أن الخوف صار جزءا من حياته اليومية، ونحن لن نجعله زادنا ولا ميراثنا، سنقتله قبل أن يقتلنا.
يا شرق الحضارات المرهقة، يا أرض السؤال الذى لم يجد إجابة نهائية، إنك لم تكن يوما أرض نهاية.
كنت دائما أرض بداية.
وفى آخر الليل، حين تخفت النار، يبقى الشرق العربى واقفا بين رمادين: رماد الماضى الذى لم يمت، ورماد المستقبل الذى لم يولد بعد، يحرسه حلم صغير اسمه الإنسان، ذلك الذى روض النهر، وتعانق مع الصحراء، وأنجب الأنبياء والأولياء والشعراء.
أما الصواريخ العابرة، أو المدمرات، أو الطائرات العملاقة، فليست إلا لعبة قديمة فى ثوب جديد، تعودنا أن نراها تعبر، ثم تمضى إلى النسيان.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام