رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأثنين 12 اكتوبر 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
فجر الضمير
تعيد صياغة مفهوم الرمز الثقافى.. «نجاة» آخر الكبار
31-5-2026
|
20:50
أحمد أمين عرفات
طوعت القصيدة الفصحى ومنحتها حياة جديدة فى حناجر المستمعين
وقفت لأول مرة أمام كاميرات السينما فى فيلم «هدية» فكانت الهدية التى لا مثيل لها
عبد الوهاب وصفها بالسكون الصاخب وأن ألحانه تكون فى أمان معها فقط
صاحبة أفضل حضور على مستوى الوطن العربى بشهادة كمال الطويل
من جديد تطل علينا الفنانة الكبيرة نجاة الصغيرة، لا بأغنية تجعلنا نحلق معها فى أعالى سماوات الطرب، لكن هذه المرة بتكريم يعيد صياغة مفهوم الرمز الثقافى فى أبهى صوره، حيث أعلنت جائزة الشيخ زايد للكتاب فى دورتها العشرين عن اختيارها شخصية العام الثقافية، لتكون أول مطربة فى عالمنا العربى تحصل عليها وليكون هذا الاستحقاق بمثابة تقدير لمسيرة حافلة، خصوصا أن هذه المسيرة لم تكن مجرد رحلة طرب عابرة، بل كانت مشروعا فنيا لترسيخ الهوية اللغوية والجمالية فى الوجدان العربى على مر العقود.
نجحت نجاة منذ بداياتها الباكرة حين كانت طفلة تدهش الرواد بصوتها الرخيم فى أن تصبح مدرسة تعلمت منها كل الأجيال التى تلتها، وذلك بعد أن اختارت بذكاء فطرى أن تكون جسرا أمينا يصل بين عيون الشعر العربى وبين قلوب الجماهير البسيطة، مما جعلها تطوع القصيدة الفصحى وتمنحها حياة جديدة فى حناجر المستمعين الذين ردودا معها أشعار نزار قبانى وكامل الشناوى وغيرهما، فباتت هذه الأشعار لغة حية للمشاعر الإنسانية، ومن هنا فقد جاءت هذه الجائزة، لتؤكد على أن الثقافة العربية ما كانت لتكتمل إلا بهذا الصوت الذى سكن الذاكرة وشكل وعى الكثيرين، ولكى تؤكد أيضا على أن صاحبته تستحق عن جدارة أن الملكة المتوجة على عرش الثقافة فى عرسها العشرين.
فى بيت الفنانين
فى قلب القاهرة الفاطمية، وتحديدا فى 11 أغسطس 1938، ولدت نجاة لأسرة سورية الجذور، مصرية الهوى، حيث تفتحت عيناها فى بيت عُرف بين الناس بأنه «بيت الفنانين»، فقد كان والدها محمد حسنى البابا، خطاطا يجيد كتابة الخط العربى ويمحنه هيبة وجمالا، فانتقل هذا الشغف بالتفاصيل والدقة من ريشة الأب الفنان إلى حنجرة الابنة، لتبدأ نجاة رحلتها فى بيئة لا تتنفس إلا فنا، يشاركها فيها إخوة تقاسموا الإبداع كما يتقاسمون رغيف الخبز، فكان شقيقها عز الدين حسنى ملحنا وأول أستاذ لها، بينما تخصص أخوها سامى فى عزف آلة «التشيلو» وتصميم الجواهر، لتمتد شجرة العائلة وتثمر أيضا أيقونة السينما سعاد حسنى التى شاركتها صلة الدم ووهج النجومية.
لقد كانت طفولة نجاة مزيجا من الانضباط الفنى والدفء العائلى وسط زحام الأشقاء، وفى هذا البيت، بدأت نجاة ذات الخمس سنوات تدندن فى التجمعات العائلية، ولم تكن تدرك حينها أن تلك الهمسات ستصبح يوما نشيدا للوطن الأكبر، أو أنها ستكون يوما ما آخر العنقود فى عقد العمالقة الذين صاغوا وجدان الأمة الموسيقى.
لم يتأخر القدر طويلا فى تقديم هذه الموهبة للدنيا، ففى سن الثامنة، وبراءة الأطفال لا تزال تكسو ملامحها، وقفت نجاة لأول مرة أمام كاميرات السينما فى فيلم « هدية سنة 1947 لتكون هى حقا الهدية التى انتظرها الفن العربي. حينها التفت إليها الكاتب فكرى أباظة الذى استشرف فى تلك الطفلة مستقبلا استثنائيا، فكتب عنها بمداد الرعاية والتبنى واصفا إياها بالصغيرة التى تحتاج عناية حتى يشتد عودها، موصيا بالحفاظ على نضارة تلك الموهبة التى لم تكن تشبه أحدا.
عباءة الست
عهد والدها إلى شقيقها الأكبر عز الدين مهمة تدريبها على حفظ وتأدية روائع كوكب الشرق أم كلثوم، وببراعة منقطعة النظير، استطاعت نجاة أن تصل لدرجة من الإتقان جعلت الجماهير ترى فيها أم كلثوم الصغيرة، بعدها قدم لها الشاعر مأمون الشناوى أغنية «أوصفولى الحب « من ألحان محمود الشريف، لتكون تلك الأغنية بمثابة شهادة ميلاد لها، ومنذ تلك اللحظة أدركت نجاة بذكائها الفطرى أن الموهبة وحدها لا تكفي، فأحاطت نفسها بهيئة مستشارين من نخب المثقفين والمبدعين أمثال محمد التابعى، مأمون وكامل الشناوي، رؤوف ذهنى، فكانوا لها بمثابة المنارات التى تضيء لها الطريق فتسير فيه وهى مطمئنة.
توالت بعد ذلك الفتوحات الفنية، فالتقت بموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب فى لحن « كل ده كان ليه» لتبدأ سلسلة من التعاونات مع عمالقة التلحين فى زمن الفن الجميل، فغنت لمحمود الشريف، رياض السنباطى، زكريا أحمد، كمال الطويل، سيد مكاوي، بليغ حمدي، حلمى بكر، محمد الموجي، هانى شنودة وغيرهم. وإذا كانت قائمة الملحنين فى حياة نجاة تضم صفوة العباقرة، فإن قائمة الشعراء كانت أطول وأكثر، يتقدمهم نزار قبانى، كامل ومأمون الشناوي، مرسى جميل عزيز، عبد الرحمن الأبنودى، وغيرهم، وهكذا تحولت تلك الطفلة التى بدأت بتقليد الكبار إلى أيقونة يُقلدها الآخرون، وصار صوتها مدرسة قائمة بذاتها، تجمع بين رصانة الفصحى وعذوبة الشجن .
مرحلة جديدة
على خشبة المسرح، كانت نجاة الصغيرة حالة استثنائية من التجلي، حيث تلغى المسافات بينها وبين المستمع بنوع من الحضور الذى وصفه الملحن كمال الطويل بأنه الأفضل أداء على مستوى العالم العربى، ولم تكن تقف على المسرح أو تدخل استديو وتغنى أغنية إلا بعد رحلة طويلة مع المعاناة والتدقيق فى كل كلمة تغنيها وفى كل نغمة تسمح بمرورها على حنجرتها، حتى اشتهرت بسبب دقتها هذه بأنها «موسوسة»، هذا الانضباط دفع الموسيقار محمد عبد الوهاب لوصفها بصاحبة «السكون الصاخب» معتبرا أن ألحانه وعبقريته الموسيقية تكونان فى أعلى درجات أمانها حين تستقر فى حنجرة نجاة، فهى المطربة التى تعرف متى تصمت ونبضها يتحدث، ومتى تشدو فينصت الجميع لها وكأن على رأسهم الطير.
مع حلول عام 1955، بدأت نجاة مرحلة جديدة باختيار الأغنيات الطويلة التى تحكى قصصا إنسانية كاملة، وكان ذكاؤها فى اختيار الكلمات بوصلتها، خصوصا عندما اتجهت لغناء القصائد فشكلت مع نزار قبانى وعبد الوهاب المثلث الذهبى الذى أثمر روائع خالدة مثل «أيظن، أسألك الرحيل، متى» وهى الأعمال التى قفزت بشعبيتها إلى آفاق رحبة لما يزاحمها فيها أحد، حتى كادت تلامس هيبة أم كلثوم فى وجدان الجماهير.
بنجاح منقطع النظير واصلت نجاة مشوارها مع الغناء حتى تجاوز رصيدها 200 أغنية، استحقت بها أن تكون المترجمة الأمينة لمشاعر جيل بأكمله، والقيثارة التى جعلت من القصيدة لغة حية تنبض بالرقة والعنفوان فى آن واحد.
ظلت نجاة تمتع جمهورها لسنوات طويلة، وتشنف آذانهم بالطرب الجميل حتى وقوفها الأخير قبل الاعتزال عام 2002، تاركة رسالة مفادها أن الصوت حين يمتزج بالخبرة والذكاء، يصبح قادرا على خلق عوالم من الجمال تتجاوز حدود الزمن والكلمات، وتستقر فى ذاكرة وقلوب الجميع.
على الشاشة الفضية
لم تكن السينما فى حياة نجاة الصغيرة مجرد استعراض للصوت، بل كانت مرآة عكست تطور تلك الشخصية الحالمة على مدار ثلاثة عقود من الزمان، فمنذ طلتها الأولى كطفلة معجزة فى فيلم «هدية» وصولا إلى وقوفها الأخير أمام الكاميرا فى فيلم «جفت الدموع» عام 1967، تركت نجاة خلفها إرثا سينمائيا يتألف من ثلاثة عشر فيلما، كانت فى أغلبها هى البطلة والمحرك الأساسى للأحداث بصوتها وحضورها، وخلال رحلتها السينمائية تنوعت أعمالها بين براءة البدايات «الكل يغنى» و«محسوب العائلة» وبين الشقاوة ونضوج الأنوثة فى أفلام «غريبة، شاطىء المرح، سبعة أيام فى الجنة، ابنتى العزيزة»، إلى الدراما العميقة التى تجلت فى أيقونتها الخالدة «الشموع السوداء» أمام المايسترو صالح سليم، حيث استطاعت أن تدمج وهج الغناء وعمق التمثيل فى نسيج واحد لا ينفصل، لكنها وما إن بلغت سن السابعة والثلاثين حتى أعلنت اعتزالها للسينما وتفرغها الكامل للغناء.
محراب النغم
فى عالم الغناء كانت نجاة ملهمة تحفز عبقرية الملحنين لاستخراج أرق ما فى جعبتهم من نغم، خصوصا كمال الطويل الذى يعتبر رفيق دربها، والموسيقار عبد الوهاب الذى كانت علاقته بها علاقة «ثقة مطلقة»، حيث استودعها أثمن ألحانه وأكثرها تعقيدا، لتخرج من حنجرتها قصائد خالدة مثل «لا تكذبى» التى لم تكن مجرد أغنية، بل كانت صرخة شعورية هزت أركان الذائقة العربية بفضل التناغم الفريد بين كلمات كامل الشناوى وريشة عبد الوهاب وصوت نجاة.
نجاة الإنسانة
بعيدا عن أضواء المسرح وبريق الشاشة، كانت حياة نجاة الخاصة فصلا من فصول البحث عن السكينة والاتزان، فقد خاضت تجربة الزواج مرتين، الأولى هى وفى مقتبل عمرها، حيث اقترنت بكمال منسى وأنجبت منها ابنها الوحيد «وليد « وهى لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، واستمرت تلك الزيجة نحو خمس سنوات قبل أن يقع الانفصال فى مطلع الستينيات، ثم عادت لتخوض التجربة مرة أخرى فى عام 1967، حين تزوجت من المخرج حسام الدين مصطفى، إلا أن هذا الارتباط لم يدم طويلا، لتقرر نجاة بعدها أن تغلق هذا الباب بصفة نهائية، وتتفرغ للغناء الذى وجدت فيه ذاتها وقلبها، ولتربية ابنها الوحيد.
شمس تأبى الغروب
بعد عقود من التربع على عرش الأغنية، آثرت نجاة الصغيرة الصمت فى عام 2002، تاركة خلفها فراغا لا يملؤه سوى صدى صوتها الساكن فى الوجدان، وكأنها أرادت أن تترك صورتها فى مخيلة الجماهير وهى فى قمة توهجها، إلا أنها فى مطلع 2017، فاجأت العالم بعودة رقيقة من خلال أغنية « كل الكلام « كلمات عبد الرحمن الأبنودى، ولحن طلال، وتوزيع يحيى الموجى، التى تم تصويرها على طريقة الفيديو كليب من إخراج هانى لاشين، كأنها كانت تروى بها ظمأها الذى استمر طويلا، إلا أنها بعد هذه الأغنية التى استقبلها الكثيرون بحفاوة بالغة عادت من جديد للاختفاء، حتى ظهرت مرة ثالثة فى 2024، عندما كرمتها هيئة الترفيه، وأقامت لها ليلة خاصة بها، وما إن أطلت على المسرح حتى أحدث ظهورها زلزالا من المشاعر والوفاء، ثم جاء تكريمها الأخير باختيارها المستحق من قبل جائزة الشيخ زايد للكتاب كشخصية العام الثقافية، ليؤكد على أن رحلة نجاة هى رحلة وطن، وأن صوتا سيظل دائما هو الملاذ واليقين فى عالم دائم التغيير.
محطات التكريم
لم يكن فوزها بجائزتها الأخيرة إلا الحلقة الأحدث فى سلسلة طويلة من التكريمات التى زينت مسيرتها، فقد بدأت رحلة الاحتفاء بها منذ الستينيات، حين قلدها الرئيس جمال عبد الناصر وساما تقديرا لدورها الفنى، لتمتد جسور التكريم إلى تونس الخضراء التى منحتها وسامين رفيعين من الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن على، بينما زين صدرها ملك الأردن الحسين بن طلال بوسام الاستقلال من الدرجة الأولى فى منتصف الثمانينيات اعترافا بمكانتها السامية فى الوجدان العربي، وفى عام 2006، احتضنتها دبى لتمنحها جائزة الشاعر سلطان بن على العويس تحت عنوان «هؤلاء أسعدوا الناس» حيث تم منحها الميدالية الذهبية تقديرا لعطائها الذى لم ينقطع أثره.
لقد بدأت قيثارة الغناء رحلتها كطفلة يشبهونها بأم كلثوم، وانتهت رمزا ثقافيا عالميا بتتويجها شخصية العام فى عرس « الشيخ زايد للكتاب «، لذلك ستظل أكبر دليل على أن الفن الحقيقى هو الذى يزداد قيمة كلما مرت السنوات، وأن الرقة حين تمتزج بالذكاء والانضباط تصنع خلودا لا تنال منه سنوات الغياب، لذلك ستبقى نجاة «عيون القلب « الساهرة على جمال لغتنا، واللحن الذى لا يكف عن الدوران فى وجداننا مهما توالت الأجيال.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام