رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأثنين 12 اكتوبر 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
سوق ومال
تعيد صياغة الحياة الاجتماعية وحركة التجارة العالمية.. السكك الحديدية ترسم مستقبل المنطقة العربية
9-8-2026
|
19:25
محمد عبد الحميد
لم تكن مجرد آلات حديدية صماء، بل كانت سكة حديد الحجاز - أُنشئت 1908 - وقطار الشرق -1917- نبضاً اجتماعياً، وحلماً طاف بوجدان الشعوب العربية من القاهرة إلى دمشق وبغداد وعمان والحجاز، محولاً شتات المسافات إلى وصلٍ اجتماعى واقتصادى لم تكسره الصحارى الممتدة بينهم. يومها، خرجت الجماهير تهتف للمشروع كونه «حبل الوريد» الواصل بينهم، وظل هكذا إلى أن مزقت الحرب العالمية تارة، والعدوان الإسرائيلى تارة أخرى، أوصال هذه المشروعات.
اليوم، وفى ظل واقع جيوسياسى ملتهب، تنفض الدول العربية غبار الاعتماد الكلى على النقل البحرى، لتطلق استثمارات ضخمة فى مشروعات قطارات «فائقة السرعة» وسكك حديدية عابرة للحدود». فى مصر، يبرز القطار الكهربائى السريع بطول يتجاوز 2000 كم، وبالتوازى، ينسج مشروع سكك حديد دول الخليج شبكة موحدة تمتد من الكويت إلى سلطنة عمان، فضلاً عن مشروع آخر يربط بين السعودية وتركيا مروراً بسوريا والأردن؛ وكذلك مشروعات أخرى فى العراق وتونس والجزائر والمغرب، تستهدف تدفق البضائع والركاب بعيداً عن الاضطرابات الجيوسياسية.
قبل أن تكون حكاية تقليدية لاستثمارات وتنفيذ مشروعات، ومواعيد انطلاق قطارات؛ هى حكاية استثمار حقيقى فى البشر، وضمانة لمستقبل بيئى آمن للأجيال القادمة. فمن خلال تبنى الحكومات العربية لمفهوم «النقل الأخضر المستدام»، والحد من الانبعاثات الكربونية، والسعى لتوفير بيئة صحية هادئة وأقل تلوثاً، مما يرفع جودة الحياة ويعزز التنمية المستدامة. وهو ما يتجلى بوضوح فى المشروعات التى تشهدها الدول العربية هذه الأيام.
مصر
لسنوات طويلة، لم يكن صوت «صفارة القطار» فى مصر مجرد إشارة مرور، بل كان «أنيناً خافتاً» يتردد فى الوجدان المصرى كمعزوفة حزينة تمزج بين الحنين لتاريخ ثانى أقدم سكة حديد فى العالم -أُنشئت عام 1851- وبين الألم الذى خلفته عقود من تدهور هذا المرفق الحيوى ومعاناتهم فى رحلتهم اليومية.
لكن، منذ عام 2014، اتخذت الدولة المصرية -بتوجيهات مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسى رئيس الجمهورية- قراراً إستراتيجياً بتحويل هذا «الأنين» إلى «أمل»، فبدأت ثورة تحديث شاملة لم تشهدها هيئة السكك الحديدية عبر تاريخها، لتتحول القطارات من مجرد «وسيلة نقل» إلى «قصة إنسانية» تضع سلامة المواطن وكرامته فى قلب أولوياتها.
وضخت الدولة ممثلة فى وزارة النقل استثمارات غير مسبوقة لتحديث المنظومة، شملت دخول مئات الجرارات والعربات الحديثة الخدمة، مع رفع كفاءة الورش الإنتاجية وتنمية العنصر البشرى فضلاً عن تطوير المزلقانات وتحديث نظم الإشارات على الخطوط الرئيسية مع تركيب البوابات الإلكترونية والحجز والدفع الإلكترونى بمحطات السكة الحديد وزيادة معدلات السلامة والأمان لتعظيم نقل الركاب والبضائع. وتستهدف الخطة رفع طاقة نقل الركاب من 700 ألف راكب/يوم عام 2014 إلى 2 مليون راكب/يوم عام 2030 مع رفع طاقة نقل البضائع من حوالى 4.5 مليون طن سنوياً عام 2014 إلى 13 مليون طن سنوياً عام 2030.
وعلى صعيد المشروعات الجديدة تسابق مصر الزمن لتنفيذ «شبكة القطار الكهربائى السريع»، يمتد المشروع على طول 2000 كم وتضم حوالى 60 محطة. لربط 60 مدينة، من البحر الأحمر شرقاً إلى ساحل المتوسط شمالاً، وصولاً لأبو سمبل جنوباً. بتكلفة استثمارية غير مسبوقة فى تاريخ السكك الحديدية، ويشارك فى التنفيذ تحالف شركات عالمية ومحلية. وتكمن أهمية المشروع فى كونه نموذجاً للنقل الأخضر المستدام، بسرعة تصميمه تصل إلى 250 كم/ساعة، مما يقلل زمن الرحلات بشكل كبير، ويخدم نقل الأفراد والبضائع. اقتصادياً، يُعد المشروع شرياناً تنموياً يربط المناطق الصناعية والزراعية بالموانئ، مما يسهل التصدير، ويوفر آلاف فرص العمل للشباب. يستهدف المشروع عند اكتماله نقل 2.5 مليون راكب يومياً و15 مليون طن بضائع سنوياً، مما يمثل قفزة حضارية تعزز مكانة مصر كمركز لوجستى إقليمى.
كما تكثف وزارة النقل بقيادة الفريق المهندس كامل الوزير -وزير النقل- جهودها لإنهاء مشروع قطار «الفردان-بئر العبد-العريش-طابا»، الممتد بطول 500 كم، مستهدفاً ربط موانئ البحر المتوسط بخليج العقبة. ويعد بمثابة «قطار التنمية لشبه جزيرة سيناء» حيث يربط التجمعات الصناعية بالوادى ويحولها إلى مركز لوجستى عالمى.
الخليج العربى
قريباً ستتحول المسافة بين الكويت ومسقط، لمجرد رحلة عابرة بالقطار تعزز فرص التبادل التجارى بين دول مجلس التعاون الخليجى، وتزيد من مساحة التقارب بين الشعوب، وتؤكد التقارير الصادرة عن الهيئة الخليجية للسكك الحديدية، أن المشروع يمضى وفق الجدول الزمنى المحدث، مع استهداف التشغيل الكامل للشبكة بحلول ديسمبر 2030، ويمتد المشروع على طول 2117 كيلومتراً، ليربط المدن الرئيسية والموانئ فى الدول الست حيث يبدأ المسار من مدينة الكويت ويمر عبر مدينة الدمام، ومنها يتفرع إلى المنامة عبر جسر بحري، وإلى الدوحة عبر منفذ سلوى. كما يمتد لـأبوظبى والعين، وصولاً إلى مدينة مسقط فى سلطنة عُمان. وتصل سرعة قطارات الركاب إلى 220 كم/ساعة، بينما تتراوح سرعة قطارات الشحن بين 80 و120 كم/ساعة.
وتقدر الاستثمارات الإجمالية المرتبطة بالمشروع بنحو 250 مليار دولار، تشمل البنية التحتية والربط البيني. ومن المتوقع أن تخدم الشبكة نحو 6 ملايين راكب وتنقل 201 مليون طن من البضائع سنوياً مع توفير أكثر من 9000 وظيفة وتسهيل حركة السلع وتقليل التكاليف اللوجستية، مما يدعم «السوق الخليجية المشتركة». فضلاً عن توفير وسيلة نقل صديقة للبيئة تقلل الاعتماد على النقل البرى الكثيف بالسيارات والشاحنات.
قطار الحجاز الجديد
يعد مشروع السكك الحديدية الجديد -السعودية-الأردن-سوريا-تركيا- بمثابة شريان جديد للحياة فى المنطقة، معيداً إحياء أمجاد «سكة حديد الحجاز» التاريخية برؤية عصرية، تهدف إلى تقريب المسافات الجغرافية والاجتماعية. ينطلق الخط من تركيا لمدينة حلب السورية وصولاً إلى العاصمة الأردنية عمان ليتكامل لاحقاً مع شبكة السكك الحديدية السعودية. وتوقع المهندس صالح الجاسر وزير النقل والخدمات اللوجستية فى المملكة العربية السعودية قرب استكمال دراسات المشروع بنهاية عام 2026.
وقد شهد شهر أبريل الماضى توقيع الأردن اتفاقية بقيمة 2.3 مليار دولار لتطوير شبكة السكك الحديدية الوطنية داخل أراضيه بالشراكة مع الإمارات، كجزء من الرؤية اللوجستية الشاملة. ومن المقرر الانتهاء من الدراسات الفنية والجدوى المشتركة بحلول نهاية عام 2026. وتشير التوقعات إلى بدء أعمال الإنشاء الفعلية بحلول عام 2027. ويُستهدف الانتهاء من تنفيذ المشروع وتشغيله إقليمياً بحلول عام 2030. ويكتسب المشروع أهميته القصوى من كونه بديلاً إستراتيجياً للممرات البحرية ويمنح دول الخليج والشام منفذاً آمناً لتبادل السلع الأساسية والمواد الغذائية مع الدول الأوروبية عبر تركيا، بعيداً عن تقلبات البحار.
العراق
تراهن العراق من خلال مشروع «طريق التنمية» للتحول إلى مركز أساسى لنقل البضائع بين منطقة الخليج العربى وقارة أوروبا. المشروع المقدر تكلفته بـ 17 مليار دولار يرتكز على تدشين خط مزدوج للسكك الحديدية يمتد من الجنوب حيث ميناء الفاو الكبير، وصولاً إلى الحدود التركية شمالاً مروراً بعدة مدن عراقية. وهناك خطة لتدشين مشروع «قطار الزائرين» المعلق، الذى يربط بين مدينتى كربلاء والنجف على طول 85 كيلومتراً، متضمناً أربع محطات توقف وخدمة، من بينها محطات مطارات دولية.
وتملك العراق تاريخاً طويلاً فى الاعتماد على القطارات كوسيلة نقل جماعى مع انطلاق أولى رحلاتها عام 1914 بين بغداد وسميكة الدجيل. كما تعمل وزارة النقل العراقية على تحديث منظومة الشبكة الحالية للسكك الحديدية بقيمة 930 مليون دولار وتستهدف إعادة تأهيل وتحديث أكثر من 1000 كيلومتر من الخطوط القائمة التى تربط ميناء أم قصر بالموصل عبر بغداد. وكذا تحديث عربات القطارات. وتجديد ورش الصيانة.
المغرب وموريتانيا
التوجه العربى نحو مشروعات السكك الحديدية يمتد ليشمل دول المغرب العربى حيث تشهد المملكة المغربية استثمارات ضخمة لتطوير المنظومة، تتصدرها توسعة خطوط القطار فائق السرعة «البراق» لربط القنيطرة بمراكش، على مسافة 430 كيلومتراً مروراً بالرباط والدار البيضاء وبتكلفة استثمارية إجمالية 10 مليارات دولار، تزامناً مع استعدادات البلاد لاستضافة كأس العالم 2030.
بينما تعمل الحكومة الموريتانية لتحديث منظومة النقل والبنية التحتية، مستندة إلى إرث ثقيل من النقل السككى المتمثل فى «قطار المناجم» الذى يُعد أحد أطول وأثقل القطارات فى العالم حيث يتكون من 200 إلى 300 عربة، محملة بخام الحديد وتم افتتاحه عام 1963، ويربط بين المناجم فى مدينة «الزويرات» والميناء المعدنى فى «نواذيبو» على المحيط الأطلنطي، على مسافة تقارب 704 كيلومترات.
كما تعتزم الحكومة إنشاء خط سككى، يربط بين منطقة الشوم -شمال- وأكجوجت، مع تطلعات لتعزيز الربط التجارى الإقليمي، بما فى ذلك مشاريع لربط مدن شمالية بمعابر حدودية جديدة لتعزيز التبادل التجارى مع دول الجوار.
تونس والجزائر
كذا، تتحرك تونس نحو تحديث قطاع السكك الحديدية، عبر مشروع القطار فائق السرعة TGV الذى يهدف لربط شمال البلاد بجنوبها، على طول 840 كم بالإضافة إلى استكمال الشبكة الحديدية السريعة RFR فى العاصمة وتستهدف كفاءة الخدمات اللوجستية، وتجرى حالياً دراسة المسارات الفنية والمالية لهذه المشروعات الاستراتيجية، تمهيداً لربط تونس بشبكات النقل الإقليمية فى الجزائر وليبيا.
كما تشهد الجزائر طفرة نوعية فى قطاع النقل السككي، عبر ربط مناطق الجنوب الغنية بالموارد الطبيعية بالمراكز الصناعية فى الشمال. ويعد خط السكة الحديدية «غارا جبيلات-تندوف-بشار» بطول 950 كم تقريباً جوهرة مشاريع السكك الحديدية حالياً. وهو مشروع استراتيجى تم تدشينه أخيراً ويمثل المحرك الرئيسى لاستغلال منجم الحديد بـ»غارا جبيلات» الذى تُقدر احتياطياته بـ 3.5 مليارات طن. كما تستهدف الجزائر مشروعات للربط السككى فى جنوب البلاد وتعزيز التبادل التجارى مع دول الجوار الإفريقى -النيجر ومالى.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام