سوق ومال



استثمارات وشراكات عالمية لتوطين التكنولوجيا.. مصر مركز إقليمى لصناعة السكك الحديدية

9-8-2026 | 19:58
‬ هاجر بركات

لسنوات كثيرة، كانت منظومة السكك الحديدية فى مصر، تعتمد على الاستيراد من القضبان والفلنكات، إلى عربات القطارات والجرارات، وتكلف خزائن الدولة مبالغ طائلة من النقد الأجنبى، لكن مع ميلاد فجر الجمهورية الجديدة، أحد ثمار ثورة 30 يونيو 2013، اتجهت الحكومات المصرية المتعاقبة، بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسى، إلى وضع خطة محددة لتوطين تلك الصناعة، أثمرت بعد جهود كبيرة بذلت، واستثمارات ضخمة عن بزوغ شمس «صُنع فى مصر»، على مستلزمات القطارات المختلفة، بل وامتدت إلى مشروعات مترو الأنفاق والمونوريل. 
تضع وزارة النقل نصب أعينها، خلال الفترة المقبلة، تصدير الفائض لدول العالم، لتتحول مصر إلى قلعة صناعية إقليمية للنقل الذكى، خلف كل عربة قطار تحمل العلامة التجارية «صُنع فى مصر»، هناك قصة نجاح وتفرد للتجربة المصرية فى توطين تلك الصناعة الإستراتيجية، وملامح القصة تكتمل بالفرحة التى تكسو جيل الشباب، ممن وجدوا فى تلك المصانع بارقة أمل وملاذاً ومستقبلاً، لتحقيق حلم العمل وتكوين أسرة.
 
ربما يكمن سر تفرد التجربة المصرية، فى توطين صناعة السكك الحديدية، فى تصريحات الفريق مهندس، كامل الوزير، وزير النقل، خلال احتفالية عيد العمال أمام الرئيس عبد الفتاح السيسى: «لم يعد الهدف مجرد شراء قطارات، بل صنعها»، معلناً عن نجاح الإستراتيجية. واستعرض الوزير، خطة طموح تبلغ تكلفتها الإجمالية تريليونى جنيه، نجحت فى توطين صناعة مستلزمات السكك الحديدية والمترو، لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وفى طليعتها توفير 10 مليارات دولار، من إجمالى الوفر المتوقع من المكون الأجنبى، الذى كان يبلغ 30 مليار دولار، بفضل توطين الصناعات، شملت تصنيع 500 عربة مترو محلياً بقيمة 762 مليون يورو، و500 عربة سكة حديد، يتم سدادها بالجنيه المصرى، وكذا إنتاج 150 عربة مترو، و100 عربة سكة حديد سنوياً، مما يضع مصر على خريطة التصدير، فضلاً عن إنتاج 600 عربة سنوياً، بأحد المصانع الوطنية بعد تحديثه، مفاتيح التحويلات، وكذا إنتاج محلى بمصنع «فويست ألبين» يوفر 45 مليون يورو سنوياً، كما تم تحقيق اكتفاء ذاتى من الفلنكات الخرسانية -1.8 مليون فلنكة/سنوياً، وإنتاج 135 ألف طن من القضبان سنوياً -توفير 115 مليون يورو-، وتصنيع لقم الفرامل بمعدل 160 ألف لقمة سنوياً.
فضلاً عن عوائد أخرى، من توطين تلك الصناعة، تمثلت فى توفير آلاف من فرص العمل المباشرة، وغير المباشرة، مما أسهم فى خفض البطالة وتشغيل العمالة الفنية الوطنية، ونقل التكنولوجيا العالمية وتأهيل الكوادر المصرية للعمل فى مشروعات عملاقة داخل وخارج مصر، بعد امتلاكهم الخبرة التى تبحث عنها الشركات العالمية.
 
فوائد كثيرة
تتجاوز فوائد هذه المشروعات الجانب الصناعى، لتصل إلى عمق المجتمع المصرى: وفى طليعتها توفير العملة الصعبة، والاستفادة من توطين التكنولوجيا فى الانتقال لمسار الاقتصاد الأخضر، من خلال تصنيع القطارات الكهربائية، مما يسهم فى خفض البصمة الكربونية لمصر وتحسين الصحة العامة.
ويؤكد محمد المهندس، رئيس غرفة الصناعات الهندسية، باتحاد الصناعات المصرية، أن توجه الحكومة المصرية نحو توطين الصناعات المختلفة، وفى طليعتها مستلزمات السكك الحديدية والقطارات، يمثل خطوة مهمة لدعم الاقتصاد الوطنى، مشيرًا إلى أن ما تشهده مصر من جهود لتعميق التصنيع المحلى، ينسجم مع هذا التوجه، خصوصا فى القطاعات الحيوية.
وأضاف أن تعزيز المكون المحلى، والتوسع فى الشراكات مع الكيانات الصناعية المختلفة، يسهم فى تقليل الاعتماد على الواردات، ودعم القدرات الإنتاجية، وأوضح أن هذا التوجه يتماشى مع ما تقوم به الدولة من تطور فى عدد من القطاعات الإنتاجية، فى إطار خطة أشمل تستهدف دعم الصناعة وزيادة تنافسيتها، لافتًا النظر إلى أن التعاون بين المصانع المحلية، يعد أحد أهم الآليات لتحقيق هذا الهدف، كما شدد على أهمية تذليل العقبات التى تواجه المستثمرين والصناع، خصوصا ما يتعلق بالإجراءات والتمويل، بما يضمن تسريع وتيرة النمو الصناعى، وتحقيق الاستفادة القصوى من المبادرات المطروحة.
 
المكون المحلى
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادى، الدكتور خالد الشافعى، أن توجه الدولة المصرية نحو توطين صناعة السكك الحديدية، ورفع نسبة المكون المحلى، يعكس رؤية إستراتيجية واضحة، تستهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز القدرات الصناعية الوطنية، مشيرًا إلى أن الشراكات التى أبرمتها مصر مع كبرى الشركات العالمية، تمثل خطوة محورية لنقل التكنولوجيا، وتوطين الخبرات داخل السوق المحلي. وأوضح «الشافعي» أن هذه الجهود تأتى بالتوازى مع عملية تطوير شاملة يشهدها قطاع السكك الحديدية، سواء على مستوى تحديث البنية التحتية أم إدخال نظم حديثة للنقل، بما يسهم فى تحسين كفاءة التشغيل ورفع جودة الخدمات المقدمة، ويعزز من قدرة القطاع على دعم خطط التنمية الاقتصادية.
وأضاف أن ما تشهده مصر حاليًا من طفرة فى قطاع النقل، خصوصا السكك الحديدية، يسهم فى خلق بيئة جاذبة للاستثمار، لاسيما مع توافر شبكة نقل حديثة، تدعم حركة التجارة وتفتح آفاقًا أوسع للوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية، وهو ما يدعم بدوره توجه الدولة نحو زيادة الإنتاج وتوفير فرص عمل جديدة، واختتم بأن هذه التحركات تمثل نقلة نوعية حقيقية فى مسار تطوير القطاع، وتعكس حرص الدولة على بناء منظومة نقل متكاملة تعتمد على التصنيع المحلى والتكــنولوجيـــا الحــــديثة، بما يعزز من تنافسية الاقتصاد المصرى على المدى الطويل.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام