سوق ومال



‫برغم التوترات السياسية والعسكرية فى المنطقة.. ‬الاقتصاد العربى أكثر قدرة على مقاومة الصدمات

16-8-2026 | 20:53
‪ ‬‫ د. الطيب أحمد الصادق‬

محمد عبد العال: تفعيل أدوات السياسة العامة مفتاح تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار وتعزيز النمو الاقتصادى
هانى أبو الفتوح: الاقتصاد العربى يمر بمرحلة استقرار حذر.. والتعافى الكامل لا يزال قيد الانتظار
صدمة الحروب تؤثر سلبا على البلدان المستوردة للطاقة والاقتصادات المعرضة للمخاطر
صندوق النقد الدولى: استقرار الأسعار وإعادة بناء الحيز المالى وتعزيز القدرة على التكيف أولويات المرحلة المقبلة
 
التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، يعيد ملف الأمن الاقتصادى فى الشرق الأوسط إلى صدارة الاهتمام العالمى، بعد أن شهدت الفترة الماضية من اندلاع الحرب، توترا فى الاقتصادات العالمية واتجاه الحكومات اتخاذ إجراءات استثنائية لمواجهة المخاطر الناتجة عن الحرب، وإغلاق مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، لكن التطورات الأخيرة أظهرت قدرًا أكبر من التماسك فى الاقتصادات العربية، خصوصًا فى دول مجلس التعاون الخليجى، وبرغم استمرار المخاطر المرتبطة بالطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، لكن المشهد الحالى أثار تساؤلات: هل الاقتصاد العربى أكثر قدرة على مقاومة الصدمات؟ وهل نجحت الاقتصادات العربية فى بناء مناعة اقتصادية تجعلها أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الجيوسياسية؟ وكيف تتم مواجهة هذه التأثيرات على الاقتصاد العربى؟
يؤكد الخبراء أن الاقتصاد العربى يمر بمرحلة استقرار حذر، وسط استمرار تداعيات أزمة التصعيد الأمريكى - الإيرانى، وما يفرضه من ضغوط على أسواق الطاقة والتجارة العالمية وأن المنطقة العربية أصبحت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات بفضل برامج الإصلاح الاقتصادى، وتنويع مصادر الدخل، وارتفاع الاحتياطيات المالية، وتحسن إدارة السياسات النقدية والمالية، إلا أن الوصول إلى تعافٍ اقتصادى مستدام سيظل مرهونًا باستمرار الإصلاحات، وتعزيز التكامل الاقتصادى العربى، واحتواء المخاطر الجيوسياسية التى لا تزال تمثل أحد أبرز مصادر عدم اليقين للاقتصادين الإقليمى والعالمى.
 
لذلك يتوقع صندوق النقد الدولى تراجع نمو الاقتصاد العالمى 3% خلال عام 2026 و3.4% فى 2027، دون تغيير يذكر على أساس تراكمى، مشيرًا إلى أن صدمة الحرب تؤثر سلبًا على البلدان المستوردة للطاقة والاقتصادات المعرضة للمخاطر، فى حين أن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعى يعود بالنفع على البلدان التى تشكل جزءا من سلسلة قيمة التكنولوجيا العالمية، وتوقف التضخم العالمى عن التراجع، وكانت المخاطر أكثر توزانًا فى إبريل الماضى، لكن مخاطر التطورات السلبية من تجدد الصراع وإعادة التسعير فى الأسواق المالية تظل قائمة وينبغى لصناع السياسات المحافظة على استقرار الأسعار، وإعادة بناء الحيز المالي، وتعزيز القدرة على التكيف، وكذلك يرى البنك الدولى أن التحديات الأمنية واضطرابات أسواق الطاقة ستضغط على اقتصادات المنطقة، متوقعًا تباطؤ نموها إلى نحو 1.8% خلال 2026 مقارنة بنحو 4.0% فى 2025.
وفى الوقت ذاته أظهرت الاقتصادات العربية ولا سيما الخليجية مرونة أكبر مقارنة بالأزمات السابقة وأصبحت تتبى سياسيات اقتصادية حذرة للحفاظ على الاقتصاد فى منطقة آمنة رغم استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، لكنها من المتوقع أن تبطئ وتيرة التعافى وتزيد الضغوط التضخمية العالمية. 
محمد عبد العال، الخبير الاقتصادى، يطالب باعتماد استراتيجيات فعالة لمواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية الإيرانية ومواجهة ارتفاع الأسعار، ويشمل ذلك وضع سياسات مالية ونقدية مرنة، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج المحلى، بالإضافة إلى تطبيق برامج دعم موجهة للفئات الأكثر تضرراً، مشيرا إلى أن الظروف الراهنة تدعو إلى تفعيل أدوات السياسة العامة لتحقيق التوازن بين استقرار الأسعار وتنمية القدرات الاقتصادية، مع ضرورة أن تتوافق تلك السياسات مع الواقع الاقتصادى والاجتماعى لكل دولة عربية، لضمان حماية الأسر ومواجهة التحديات الاقتصادية المستقبلية بفاعلية.
 
وأوضح عبد العال أن التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية الإيرانية تعتبر من العوامل المؤثرة بشكل كبير على الأسر العربية فى الوطن العربى، خصوصا من حيث ارتفاع معدلات التضخم وتدهور القدرة الشرائية للأفراد على مر العقود، وأدت التوترات والصراعات الإقليمية والدولية إلى اضطرابات فى أسواق السلع الأساسية، مما أدى إلى زيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة، الأمر الذى أثر سلباً على حياة الأسر وأدى إلى تآكل مدخراتها وإجهاد ميزانياتها، تترافق هذه الظروف مع تحديات تتعلق بتقلبات أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج، التى تلعب دوراً محورياً فى ارتفاع تكاليف المعيشة.
وأشار إلى أن هذه الأزمة أدت إلى فرض ضغوط متزايدة على موازنات الدول العربية، إذ زادت حاجتها إلى الإنفاق على دعم أسعار السلع الأساسية، وزيادة الاعتمادات على الدين الخارجى، مما أضعف الاستقرار المالى وأظهر هشاشة بعض الاقتصادات فى مواجهة الأزمات العالمية مشيرا إلى ظهور مخاطر تراكم الديون التى تزيد التكاليف المالية، الأمر الذى يهدد استدامة برامج التنمية ويعزز الأعباء على الحكومات والمواطنين على حد سواء.
وتوقع عبد العال استمرار ارتفاع معدلات التضخم خلال الفترة القادمة، مع تفاوت بين الدول بناءً على هيكلها الاقتصادي، ومدى مرونتها فى إدارة الأزمات، وقابليتها للاستجابة للسياسات التصحيحية، ومن المتوقع أن تتراوح الفترات الزمنية اللازمة لعودة الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية بين شهور وسنوات، مع وجود سيناريوهات تتراوح بين تحسن سعر الصرف وعودة الاستقرار، أو تدهور الأوضاع نتيجة تفاقم المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.
 
الخبير المصرفى هانى أبوالفتوح يرى أن الاقتصاد العربى يمر حاليًا بمرحلة استقرار حذر وليس تعافيا كاملا، حيث كانت المؤشرات الكبرى وبعض القطاعات الحيوية كالسياحة والتجارة قد بدأت فى التقاط أنفاسها مع هدوء الأوضاع لكن بعد عودة الحرب مرة أخرى تظل هناك فجوة واضحة بين تحسن الأرقام الرسمية والواقع المعيشى للمواطن مما يجعل التعافى الحقيقى المستدام مرهونًا بوقف الحرب وبدء مشروعات إعادة الإعمار وجذب استثمارات طويلة الأجل.
وأشار إلى أن التوتر الجيوسياسى الذى شهدته منطقة الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية لا يمكن قياسه عربيا بصورة كاملة، ولكن مع تذبذب إيرادات قناة السويس والحساب الجارى فى مصر الذى سجل عجزاً قدره 6.2 مليار دولار، والميزان التجارى عند عجز 5.1 مليار دولار وذلك نتيجة اضطراب الموارد الدولارية خلال فترة الحرب، مما كان يضغط على قدرة الاقتصاد على تمويل الاستيراد، والاستيراد ينتقل إلى الغذاء والطاقة ومدخلات الإنتاج ثم ينتهى فى سعر السلعة فى السوق.
وذكر أنه مع عودة الحرب مرة أخرى عادت أسعار الصرف إلى الارتفاع مرة أخرى بعد أن شهدت انخفاضات متتالية، لكن يبقى الاحتياطى النقدى بالبنك المركزى المصرى عند 53.13 مليار دولار، وهذا حائط صد مهم لكنه ليس علاجًا كاملًا، فالاستقرار الاسمى فى سعر الصرف يخفف الصدمة، وما زالت تكلفة التمويل مرتفعة والعجز التجارى قائماً والإنتاج لم يستعد قوته بعد، وهنا تظهر المعادلة الصعبة فى سؤال واضح كيف تحافظ الدولة على الاستقرار النقدى دون أن تخنق النشاط الحقيقي؟
وأوضح أبوالفتوح أنه فى أبريل ماضى شهد التضخم قراءة 14.6% وهو يبدو رقما أقل حدة من موجات سابقة، لكنها ليست رقما مريحا للأسرة، فالمواطن لا يعيش داخل أرقام المؤشرات إنما داخل بيت وسوق وفاتورة شهرية، ومع بقاء التضخم الأساسى عند 13.8% يصبح المعنى أن الضغوط الكامنة لم تختف، إنما خفت حدتها فقط. 
وأضاف أبو الفتوح أن أسعار الفائدة عند 19.00% للإيداع و20.00% للإقراض تعنى أن السياسة النقدية لا تزال حذرة، وهذا مفهوم فى اقتصاد يحاول كبح التضخم لكن قناة الأثر واضحة فائدة مرتفعة تعنى تمويلاً أغلى وتمويلاً أغلى يعنى استثماراً أبطأ، خصوصا عندما يكون مؤشر مديرى المشتريات عند 46.6 والإنتاج الصناعى متراجعا بنسبة 2.0%، والنمو عند 5.0% جيدا رقميا لكنه يحتاج إلى جودة إنتاجية أعمق حتى يتحول إلى وظائف أفضل وأسعار أهدأ.
 
وذكر أن العجز المالى وصل عند 5.2% والفائض الأولى 3.5%، وهما يشيران إلى ضبط مالى نسبي، لكن الدين العام عند 83.8% من الناتج والدين الخارجى عند 163 مليار دولار يتركان مساحة المناورة محدودة، مؤكدا أن أى موجة غلاء جديدة لا تضغط على المواطن وحده، لكنها تضغط على الموازنة أيضا، لأن الدولة تصبح مطالبة بتخفيف أثر الصدمة بينما تكلفة التمويل نفسها مرتفعة.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام