رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأثنين 12 اكتوبر 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
وجوه عبر الزمن
زياد عبد الفتاح.. من فرح وحيدته إلى ضحكة ما بعد النعى (3 ـ 3)
6-9-2026
|
01:21
إلهامى المليجى
ثمة رجال تبتلعهم المناصب، حتى إذا غادروها لم يبقَ منهم سوى اسم فى قرار قديم وصورة على جدار مؤسسة. وزياد عبد الفتاح كان نقيض هؤلاء، دخل المواقع الكبيرة، وخرج أكبر من حدودها، لأنه لم يسمح للمنصب بأن يستنفد إنسانيته، ولا للمؤسسة بأن تصادر الكاتب والصديق والأب فى داخله. وظل قادرًا على البدء من جديد، كلما أوحت السنوات بأن الرحلة تقترب من نهايتها.
رأيناه فى المشهدين السابقين مؤسسًا لذاكرة فلسطين، وصحفيًا يحوّل المطبعة تحت حصار بيروت إلى جبهة. أما المشهد الأخير، فيقترب من زياد الإنسان: فرحته التى أفلتت من قسوة المنافي، وأبوّته التى حجبت كل ألقابه، وشغفه بالكتابة وهو يقترب من عامه التسعين. ثم تأتى مفارقة ادخرتها الحياة، لتكشف جوهره: أن يقرأ الرجل نعيه حيًا، ويرى محبة الناس، ثم يضحك ويعود إلى رواياته.
المشهد الثالث: من باخرة الخروج إلى القاهرة
غادر زياد بيروت فى الباخرة نفسها التى غادرت عليها إلى سوريا، بعد خروج المقاومة الفلسطينية من المدينة فى سبتمبر 1982. كان معنا من وكالة «وفا» سليمان إبراهيم، مدير التحرير، وعدد من قيادات المقاومة. وكان البحر يومها طريق خروج بلا وعد واضح بالعودة؛ فيما تتراجع خلفنا مدينة دفعت ثمن احتضانها للمقاومة حصارًا ونارًا ودمًا.
حملت الباخرة أجسادنا بعيدًا عن بيروت، لكنها لم تنتزع المدينة من داخلنا. بقيت معنا شوارع عرفناها، ورفاق فقدناهم، ومطابع أصرّت على الكلام تحت القصف. لم يكن الخروج انتقالًا بين مدينتين، بل كانت اقتلاعًا من زمن كامل، وبدءًا جديدًا لا نعرف أين يستقر.
لكننى لم أرَ زياد غارقًا فى مرثية الخروج. كان يعرف حجم الخسارة، غير أنه تعامل مع المنفى بوصفه موقعًا جديدًا للعمل، لا محطة أخيرة للهزيمة. التقيته فى دمشق قبل أن يتابع طريقه إلى تونس، حيث استقر المقر الرئيسى لوكالة «وفا»، ووعدته أن ألحق بهم هناك. لكننى لم أفِ بوعدي؛ فقد راقت لى الإقامة فى دمشق، وأمسكت المدينة بى بحياتها الثقافية والسياسية، فتباعدت بنا الأمكنة من دون أن تنقطع الصلة التى صنعتها بيروت وعمّدتها أيام الحصار.
مرت سنوات قبل أن تجمعنا القاهرة مجددًا. ففى يناير 1990، شهد مسرح الجمهورية، فى قلب العاصمة المصرية، مهرجانًا سياسيًا وثقافيًا فلسطينيًا تزامن مع ذكرى انطلاقة حركة «فتح»، وحضره الزعيم الفلسطينى ياسر عرفات، اكتظت القاعة بحشد جمع السياسيين والمثقفين والأدباء والشعراء الفلسطينيين والمصريين، أذكر من الجانب الفلسطينى محمود درويش وتوفيق زياد وأحمد دحبور وإميل حبيبى، ومن الجانب المصرى أسامة الباز ولطفى الخولي، إلى جانب نخبة واسعة من الكتاب والمثقفين.
فى ذلك الزحام، كان لقائى الأول بزياد بعد عودتى إلى القاهرة، لم تكن المصافحة مجرد تحية لصديق باعدت بيننا الجغرافيا، كانت استعادة خاطفة لبيروت، ولأيام اقتسمنا فيها الخبز والقذيفة ورائحة الحبر. فبعض الصداقات تصنعها لحظة تاريخية كثيفة؛ يكفى أن يلتقى أصحابها بعد سنوات حتى تستأنف الألفة حديثها كأن الغياب لم يكن.
ومنذ ذلك اللقاء عاد التواصل بيننا، وإن ظل محكومًا بتباعد أماكن الإقامة وكثرة الانشغالات. وفى بدايات الألفية الجديدة، إن لم تخنّى الذاكرة، حضرت حفل زفاف ابنته الوحيدة ديمة. كانت ليلة عامرة بأحبته من الفلسطينيين والمصريين، وكان بين الحضور صديقه الشاعر محمود درويش، وآخرون من رفاق المسيرة.
فى تلك الليلة رأيت زيادًا آخر؛ لا مدير «وفا»، ولا رجل المؤسسة القريب من أبى عمار، ولا الكاتب الذى خبر المنافى والحروب، بل أبًا انتظر طويلًا يوم فرح وحيدته، كان يتحرك بين المدعوين بخفة شاب، يرحب بهذا، ويطمئن إلى ذاك، ويتابع أدق التفاصيل، كأن سعادته كلها معلقة بألا ينقص الليلة شىء، وألا تفلت من البهجة لحظة واحدة.
لم تكن الفرحة على وجهه مجرد ابتسامة عابرة، كانت فى عينيه وخطواته ونبرة صوته، ولأن ديمة ابنته الوحيدة، بدا كأن الأب فيه يزيح، ولو لساعات، المسئول والمناضل والكاتب، وكأن سنوات الحرب والمنفى والعمل الشاق تنسحب عنه لتترك مكانها لرجل امتلأ قلبه بابنته، ففاضت به البهجة على القاعة كلها. عرفت زيادًا فى مواقع ومواقف كثيرة، لكننى لا أذكر أننى رأيته سعيدًا كما رأيته ليلة زفاف ديمة.
وحين أنهى عمله الرسمى واستقر فى القاهرة، تكثفت لقاءاتنا فى مطاعم ومقاهى وسط البلد: «الجريون»، و«أوريش»، والنادى اليونانى، حيث تبدأ الجلسة بفنجان قهوة، ثم تتسع لبيروت وفلسطين ورفاق غابوا، وآخرين يقاومون النسيان.
وبدا زياد أكثر غزارة فى الإنتاج الأدبى، كأن الوظيفة العامة كانت تقتطع من وقت الكاتب داخله، فلما خف عبؤها اندفعت الروايات والمجموعات القصصية. كان يهدينى إبداعاته الجديدة؛ ففى الخبر وثّق الواقعة، أما فى الأدب ففتّش عما تتركه فى أرواح البشر.
واستمرت لقاءاتنا، وإن على فترات متباعدة، فى النادى الأهلى بالجزيرة، وغالبًا بمعية الكاتب والكابتن مروان كنفانى، أطال الله فى عمرهما ومتعهما بالصحة والعافية. لم نستعد الماضى للبكاء عليه، بل لحفظ ذاكرة جيل، ظن أن فلسطين أقرب مما تبدو اليوم.
حين وصل النعى إلى صاحبه
ومن بين الصور الكثيرة التى جمعتنا، ستظل صورة لقائنا الأخير قبل الواقعة، شاهدًا على واحدة من أغرب المفارقات الإنسانية. تبدو صورة عادية لأصدقاء حول مائدة فى النادى الأهلى بالجزيرة؛ تجمعنى بزياد، والكابتن مروان كنفانى، والدكتور أحمد فؤاد أستاذ الأدب العبرى، والعميد الركن محمد الحلو، والأستاذ مهدى مصطفى. لكنها، منذ مساء 20 يونيو، صارت لقطة لرجل حاضر الذهن، مشغول بالحياة والكتابة، قبل أيام من أن يقرأ الناس خبر رحيله.
بدأ الأمر حين فوجئت بالصديق الدكتور السفير، عبد الرحمن بسيسو، ينعى الروائى والكاتب الفلسطينى الكبير زياد عبد الفتاح، ثم توالت كلمات النعى من الصديق الشاعر شعبان يوسف، ومن وزير الثقافة الفلسطينى الأسبق الدكتور إيهاب بسيسو. ولم يكن خبرًا عابرًا يمكن دفعه بالشك؛ فقد نشرته وكالة «وفا» نفسها، المؤسسة التى ارتبط اسم زياد بتأسيسها، قبل أن تسحبه وتعلن عدم صحته.
هبط النبأ على القلب كالصاعقة. كيف يرحل بهذه السرعة، ونحن لم نفترق عنه إلا منذ أيام؟ كان حاضر الذهن، وإن أثقلته بيروقراطية، لا ترى فى الإنسان سوى ورقة ناقصة أو ختم غائب. حكى أن شركة الاتصالات أوقفت هاتفه، وأن البنك جمّد حساباته لعدم وجود إقامة سارية، برغم زواجه من مصرية منذ ما يقرب من نصف قرن، وأن له ابنة وحفيدة تحملان الجنسية المصرية. وذهب بجواز سفره الدبلوماسى إلى وزارة الخارجية فى العاصمة الإدارية، لكن أبواب الإجراءات ظلت أضيق من أن تتسع لتاريخه.
ثم هز كتفيه بطريقته الساخرة، وكأنه يردد على لسان بطل قصته البديعة: «ما علينا». ولم يسمح للشكوى بأن تسرق اللقاء؛ تحدث بحماسة عن ثلاث روايات أوشك على إنجازها، وطلب منى ترتيب لقاء مع الصديق فريد زهران، صاحب دار المحروسة، لبحث نشرها. كان يتحدث عن كتبه المقبلة، كما لو أن العمر مفتوح على بداياته، لا كما لو أنه يقترب من عامه التسعين.
وبينما كنت أستعيد تفاصيل ذلك اللقاء، اتصل بى الأستاذ مهدى مصطفى ليخبرنى بأن العميد الركن محمد الحلو، يؤكد أن الخبر غير صحيح، وأن زياد بخير، لكن هاتفه خارج الخدمة. أعطيته رقمه الجديد، فاتصل به، ثم عاد إليّ بالخبر الذى أعاد الروح إلى القلب: زياد حى وبخير.
اتصلت به، فاستقبلنى بضحكته الجميلة التى لم تنتزع السنوات فتوتها، وقال: «لم أكن أتوقع أن لى كل هذا الحب». وطلب منى الاحتفاظ بالمنشورات التى كُتبت فى نعيه. لقد مُنح فرصة نادرة أن يرى أثره فى قلوب الناس، ويسمع محبتهم قبل أن تصبح رثاء متأخرًا.
وبعد أيام قليلة، التقيته فى النادى الأهلى بالجزيرة، بمعية الكابتن مروان كنفانى وعدد من الأصدقاء. توقعت أن أجد على ملامحه أثر المفارقة الثقيلة؛ فإذا بى أمام رجل فى حال من النشوة والتفاؤل، كأن النعى الكاذب لم يذكّره بالموت، بل أعاد إليه استعجال الحياة.
كان يتحدث بحماسة عن مخطوطاته الثلاث، ويتابع خطوات طباعتها ونشرها بإصرار لا يعرف التراخى، لم تكن فى نظره أوراقًا يريد الاطمئنان عليها قبل الرحيل، بل مشروعات حياة مقبلة ينبغى إنجازها على أفضل صورة، كان يخطط ويسأل ويستعجل المواعيد؛ كأن العمر فتح أمامه صفحة جديدة، لا خاتمة أخيرة.
رأيته يومها أكثر امتلاءً بالحياة، كأن المحبة التى قرأها فى نعيه منحته دفعة جديدة، فأقبل على مشروعاته بنشوة من اكتشف أن أثره أوسع مما ظن. لم يخرج زياد من الواقعة خائفًا من النهاية؛ خرج أكثر شغفًا بالبداية.
الخاتمة: حين سبقت المحبة الغياب
هناك مشاهد أخرى كثيرة جمعتنى بزياد، لكن المساحة لا تتسع إلا لهذه الثلاثة: مؤسسًا يبنى لفلسطين ذاكرتها، وصحفيًا يحوّل المطبعة تحت القصف إلى جبهة، وإنسانًا يعبر المنافى محتفظًا بقدرته على الصداقة والفرح والكتابة.
ولعل شائعة موته كانت أكثرها كشفًا له. فالرجل الذى أمضى عمره ينقل أخبار فلسطين صار هو نفسه خبرًا، والوكالة التى أسهم فى تأسيسها أعلنت غيابه قبل الأوان. ووسط ارتباك النعى والتصحيح، بقى زياد على صورته التى عرفناها: يضحك من مفارقات الحياة، ثم يستأنف العمل.
كان محظوظًا هذه المرة؛ فقد وصلته المحبة فى موعدها، لا متأخرة فوق قبر. أما نحن، فلعلنا نتعلم ألا ندخر أجمل ما فى قلوبنا إلى وقت لا يسمعه فيه أصحابه، وألا ننتظر الغياب لنقول للحاضرين، إن وجودهم عزيز وأثرهم باقٍ.
الخاتمة
أطال الله عمر زياد، وأمده بالصحة والعافية، وأعانه على إتمام رواياته الثلاث. وليواصل ضحكته التى تعبر فوق المتاعب، وعبارته التى تسخر من قدرة الحياة على التعطيل: «ما علينا».
أما الموت، فقد بدا زياد، فى لقائنا بعد نعيه، كأنه يقول له: ليس الآن؛ فما تزال هناك ثلاث مخطوطات تنتظر أن ترى النور، وحكايات أخرى لم تُكتب بعد.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
عبد الرحمن بسيسو.. الفتى الذى قاوم انكسار الحلم
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام