رياضة



فى دورة ألعاب البحر المتوسط.. العـرب فوق منصات الذهب.. ومصـر فى الصـدارة

7-9-2026 | 22:25
⢴ جلال الشافعي

الذهب ليد الفراعنة.. ومنصات تتويج كرة القدم الثلاث «مغاربية»
المصارعة تحصد أكبر عدد من الميداليات للبعثات العربية.. ومصر تحقق إنجازا تاريخيا فى لعبة الزعانف بـ 12 ميدالية
 
بعد أن أسدل الستار الخميس الماضى على منافسات دورة ألعاب البحر المتوسط «تارانتو 2026»، لم تنته الحكاية عند آخر ميدالية، إنما بدأت مرحلة قراءة ما خلفته الدورة من أرقام وإنجازات ورسائل، بعدما تحولت المنافسات على مدار أيامها إلى مرآة كشفت خريطة القوة الرياضية فى حوض المتوسط، وفى قلب هذه الخريطة، جاءت مصر لتكتب واحدة من أبرز صفحات المشاركة العربية، بعدما حصد أبطالها ميداليات فى عدد كبير من الألعاب، وتنوعت مصادر الإنجاز بين كرة اليد والسباحة والسلاح والمصارعة، وسباحة الزعانف والملاكمة والجودو وتنس الطاولة، بما جعل الحصاد المصرى لا يعتمد على لعبة واحدة، إنما يعكس اتساع قاعدة المنافسة وقدرة أكثر من رياضة على صناعة الأبطال والوصول إلى منصات التتويج، ولم يكن اللافت للنظر فى المشاركة المصرية عدد الميداليات فقط، إنما تنوع ألوانها ومصادرها، فالسلاح والمصارعة وسباحة الزعانف قدموا رصيدا كبيرا، بينما أضافت تنس الطاولة إنجازا جماعيا لافتا للنظر بذهبية السيدات وفضية الرجال، لتؤكد الرياضة المصرية حضورها فى الألعاب الفردية والجماعية معا.
 
لكن الحكاية لم تكن مصرية فقط، فخلفها امتدت خريطة عربية كاملة فوق منصات تارانتو، من المغرب والجزائر وتونس إلى لبنان وسوريا، فى دورة كشفت، أن الرياضة العربية لم تعد ضيفا على المشهد المتوسطي، إنما أصبحت طرفا حاضرا فى سباق الميداليات، وقادرة على صناعة لحظات فارقة فى عدد من الألعاب، فالمغرب فرض حضوره بميدالياته وأبطاله، والجزائر واصلت تقاليدها فى الألعاب القتالية، بينما دخلت تونس سباقا عربيا خاصا، وصل إلى ذروته فى منافسات كرة القدم التى شهدت نهائيا مغاربيا بين تونس والجزائر، وبين هذه الأسماء، ظهرت مشاركات عربية أخرى تركت بصمتها، لتكتمل صورة مشهد رياضى يمتد من شمال إفريقيا إلى المشرق العربى.
وهكذا لم تكن «تارانتو 2026»، مجرد دورة جديدة فى سجل ألعاب البحر المتوسط، إنما كانت اختبارا حقيقيا لخريطة القوة الرياضية العربية، من يملك القدرة على صناعة الأبطال؟ ومن يملك قاعدة المنافسة الأوسع؟ وأى الألعاب أصبحت مفتاح التفوق العربى، من مصر التى تصدرت المشهد العربى، إلى المغرب والجزائر وتونس وبقية البعثات، نفتح دفتر الحصاد العربى فى تارانتو.. لنقرأ ما وراء الميداليات، ونكتشف كيف رسم العرب خريطتهم فوق منصات المتوسط.
يد مصر ذهبية .. والجزائر برونزية
كتبت كرة اليد المصرية فصلا جديدا فى تاريخ الرياضة العربية بدورات ألعاب البحر المتوسط، بعدما اعتلى منتخب مصر منصة التتويج وحصد الميدالية الذهبية، مؤكدا أن اللعبة احتفظت بمكانتها كواحدة من أبرز ساحات التفوق العربى فى المنافسات المتوسطية، وجاء التتويج المصرى بعد مشوار قوى حافظ خلاله المنتخب على سجله دون هزيمة، فحقق ثلاثة انتصارات متتالية فى دور المجموعات على البرتغال وكوسوفو وإيطاليا، قبل أن يعبر إلى المباراة النهائية بالفوز على الجزائر 27–25 فى نصف النهائي، ثم حسم الذهب أمام اليونان بالفوز 31–29، فى نهائى مثير شهد تنافسا قويا حتى اللحظات الأخيرة.
ولم يكن الإنجاز المصرى منفصلا عن الحضور العربى فى البطولة، فقد وصلت الجزائر إلى المربع الذهبي، قبل أن تعود بالميدالية البرونزية بعد فوزها على البرتغال 36–33 عقب وقت إضافي، لتؤكد كرة اليد الجزائرية استمرار حضورها بين القوى العربية فى اللعبة، ويحمل الذهب المصرى فى تارانتو قيمة تاريخية خاصة، فقد سبق لمصر أن اعتلت قمة منافسات كرة اليد فى ألعاب البحر المتوسط عام 2013، لتعود بعد سنوات إلى منصة الذهب، وتضيف لقبا جديدا إلى سجلها، فى تأكيد على استمرارية المدرسة المصرية وقدرتها على المنافسة عبر أجيال متعاقبة.
وتحظى كرة اليد بمكانة خاصة فى سجل المشاركات العربية بالبطولة، بعدما أصبحت مصر والجزائر من أبرز الأسماء العربية، التى نافست على الميداليات فى المسابقة، بينما شهدت النسخ المتعاقبة ظهور منتخبات عربية أخرى فى المنافسات، بما يعكس اتساع قاعدة اللعبة داخل المنطقة وقدرتها على الوصول إلى المحافل الدولية، أما ذهب تارانتو، فكان أكثر من ميدالية جديدة، فقد جاء تتويجا لمشوار كامل بدأ بالانتصارات، مرورا بمواجهة عربية حاسمة أمام الجزائر، وانتهاء بنهائى أوروبى أمام اليونان، لتثبت مصر أن صالات المتوسط، ما زالت تعرف طريقها إلى الأيادى المصرية.
 
كرة القدم.. منصة التتويج عربية 
جاءت منافسات كرة القدم فى دورة ألعاب البحر المتوسط «تارانتو 2026» بخصوصية مختلفة، بعدما خاضت المنتخبات المشاركة البطولة بقوائم من اللاعبين تحت 21 عاما، لتتحول المنافسات إلى اختبار حقيقى لجيل جديد من المواهب، وفرصة لاكتشاف أسماء، يمكن أن تحمل راية منتخباتها الأولى فى السنوات المقبلة، وشاركت فى مسابقة كرة القدم 8 منتخبات، جرى توزيعها على مجموعتين، ضمت المجموعة الأولى المغرب وتركيا وتونس ومقدونيا الشمالية، بينما ضمت المجموعة الثانية إيطاليا والجزائر وكوسوفو وألبانيا.
ونجح المغرب وتونس فى حجز بطاقتى التأهل عن المجموعة الأولى، بينما صعدت الجزائر وإيطاليا عن المجموعة الثانية، لتكتمل أضلاع المربع الذهبى بأربعة منتخبات، بينها ثلاثة منتخبات عربية، وفى الدور نصف النهائى، حسمت تونس المواجهة العربية أمام المغرب، بينما نجحت الجزائر فى عبور إيطاليا، لتصبح المباراة النهائية مواجهة مغاربية خالصة بين الجزائر وتونس، فى الوقت الذى اتجه فيه المغرب وإيطاليا إلى مباراة تحديد صاحب الميدالية البرونزية، وفى المباراة النهائية، فرضت الجزائر كلمتها، وتوجت بالميدالية الذهبية بعد تفوقها على تونس، التى اكتفت بالفضية، بينما أكمل المغرب المشهد العربى فوق منصة التتويج، بعدما حقق فوزا كبيرا على إيطاليا بنتيجة 4–1 ليحصد البرونزية.
لتتحول منصة كرة القدم فى تارانتو إلى منصة عربية مغاربية كاملة، بعدما احتكرت منتخبات الجزائر وتونس والمغرب المراكز الثلاثة الأولى، فى مشهد يعكس قوة الكرة المغاربية وقدرتها على المنافسة فى بطولة تضم منتخبات عربية وأوروبية، ولم تكن برونزية المغرب مجرد ميدالية جديدة، إذ أصبحت رابع برونزية مغربية فى تاريخ كرة القدم بألعاب البحر المتوسط، بعد برونزيات آثينا 1991 و 2018 ووهران 2022.
الزعانف.. مصر تكتشف ذهبا جديدا
لم تنتظر مصر سنوات طويلة لتترك بصمتها فى سباحة الزعانف بدورات ألعاب البحر المتوسط، بل احتاجت إلى مشاركة واحدة فقط لتعلن عن ميلاد قوة مصرية جديدة فى اللعبة، ففى الظهور الأول لسباحة الزعانف ضمن البرنامج الأساسى لدورة ألعاب البحر المتوسط، خرجت مصر من منافسات تارانتو بحصيلة ضخمة بلغت 12 ميدالية متنوعة، بواقع 4 ذهبيات و4 فضيات و4 برونزيات، لتحتل المركز الثالث فى ترتيب ميداليات اللعبة خلف إيطاليا واليونان، وجاءت الميداليات الذهبية المصرية عن طريق طارق حسن، الذى حصد ذهبيتى 100 متر مونو و50 مترا تحت الماء، ومهاب إيهاب فى سباق 400 متر مونو، وأحمد هشام رضوان فى سباق 200 متر زعانف مزدوجة، بينما توزعت الفضيات على سلمى ربيع ومريم محمد حلمى حجاب وندى مجدى هجرس وأحمد عوض، وأضاف المنتخب المصرى أربع برونزيات، بينها ميداليتان فى سباقات الفردى وميداليتان فى التتابع المختلط.
ولم يكن الرقم وحده هو اللافت للنظر، فالمشاركة المصرية جاءت ببعثة قوامها 11 سباحا فقط، خمس لاعبات وستة لاعبين، ومع ذلك تحول الظهور الأول إلى واحدة من أكثر التجارب نجاحا للبعثة المصرية فى تارانتو، حتى إن رئيس الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ وصف الإنجاز، بأنه رفع العلم المصرى 12 مرة وعزف النشيد الوطنى 4 مرات، وتزداد قيمة الإنجاز مع حقيقة أن سباحة الزعانف، دخلت البرنامج الأساسى لألعاب البحر المتوسط للمرة الأولى فى تارانتو، لتصبح مصر من أوائل الدول التى صنعت تاريخ هذه الرياضة فى البطولة، بعدما حجز أبطالها أربع ذهبيات منذ النسخة الأولى، لتتحول سباحة الزعانف من لعبة جديدة فى برنامج المتوسط إلى واحدة من أكبر مفاجآت الحصاد المصرى فى تارانتو.
 
المصارعة.. سيطرة عربية فوق البساط
تحولت منافسات المصارعة فى دورة ألعاب البحر المتوسط «تارانتو 2026» إلى واحدة من أكثر الألعاب التى كشفت قوة الحضور العربى، بعدما تقاسمت مصر والجزائر النصيب الأكبر من حصاد البساط، وفرضتا وجودهما فى صدارة المنافسة، بينما أضافت تونس ميدالية أخرى إلى الرصيد العربى، لتصبح المصارعة واحدة من أبرز ساحات التنافس العربى فى الدورة، وقدمت مصر حصيلة قوية بلغت 7 ميداليات، بواقع ذهبيتين وفضيتين و3 برونزيات، لتصبح المصارعة واحدة من أهم مصادر الذهب والميداليات للبعثة المصرية، وجاءت إحدى أبرز اللحظات المصرية فى وزن 67 كجم بالمصارعة الرومانية، بعدما توج محمد حسن بالذهبية عقب فوزه على الجزائرى فيصل بن فرج بنتيجة 3–1، الذى اكتفى بالميدالية الفضية.
ولم تتوقف المنافسة المصرية عند ذهبية محمد حسن، إذ أضافت سمر حمزة ذهبية أخرى، بينما جاء باقى الحصاد المصرى بين الفضية والبرونزية، لتثبت المصارعة قدرتها على منح مصر ميداليات من أكثر من فئة وأكثر من وزن، وعلى الجانب الآخر، خرجت الجزائر بحصيلة مماثلة فى العدد، بعدما حصد مصارعوها 7 ميداليات، بينها ذهبية وفضية و5 برونزيات، فى واحدة من أفضل مشاركات المصارعة الجزائرية فى تاريخ ألعاب البحر المتوسط. وتوج عبد الكريم فرقات بالذهبية فى وزن 60 كجم بالمصارعة الرومانية، فيما حصل فيصل بن فرج على الفضية، وأضاف بشير سيد عزارة وفادى روابح، وأسامة لعريبى وابتسام دودو وشيماء شبيلة خمس برونزيات فى منافسات الرجال والسيدات.
واكتمل الحضور العربى ببرونزية تونسية، لتتسع دائرة المنافسة العربية فوق البساط، فى لعبة لا تمنح الميداليات بسهولة، وتحتاج إلى قوة بدنية وخبرة فنية وقدرة على التعامل مع مواجهات لا تقبل الأخطاء، واللافت للنظر أن المصارعة لم تجمع العرب على منصة التتويج فقط، وإنما وضعتهم فى مواجهات مباشرة على الذهب، فنهائى وزن 67 كجم تحول إلى مواجهة مصرية - جزائرية خالصة، انتهت بتتويج محمد حسن، واحتفاظ الجزائر بالفضية، فى صورة تلخص طبيعة المنافسة العربية فى هذه الرياضة.
 
ميدالية واحدة لا تكفى
لم تكن منصة التتويج فى تارانتو موعدا وحيدا لبعض الأبطال العرب، فقد عادوا إليها مرة واثنتين، وحملوا أعلام بلادهم فى أكثر من منافسة، ليصبح كل منهم قصة نجاح مستقلة داخل الحصاد العربى الكبير، ولم يكن الإنجاز المصرى فى سباحة الزعانف، الذى شهد حصد 12 ميدالية متنوعة، سوى أحد مظاهر هذا التفوق، بينما برز أبطال آخرون فى ألعاب مختلفة، نجحوا فى مضاعفة حصادهم بين المنافسات الفردية والزوجية والفرق، ففى تنس الطاولة، لم تكتف هنا جودة بميدالية واحدة، بعدما جمعت بين ذهبية فرق السيدات وفضية الزوجى المختلط، بينما أضاف عمر عصر فضيتين إلى الرصيد المصرى، فى صورة تعكس قدرة اللاعب الواحد على صناعة أكثر من إنجاز داخل الدورة نفسها.
وفى رفع الأثقال، جاء نور الدين زكى، ليؤكد المعنى ذاته، بعدما جمع بين ذهبية الخطف وفضية الكلين والنتر فى وزن 65 كجم، ليغادر تارانتو بميداليتين بدلا من واحدة، أما فى السلاح، فتفتح منافسات الفردى والفرق بابا آخر للحصاد المتعدد، بعدما أتاحت طبيعة اللعبة للأبطال فرصة المنافسة أكثر من مرة، وهو ما يجعل كشف أصحاب الميداليات المتعددة أحد أكثر فصول الحصاد إثارة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام