حياة الناس



من المسجد الكبير إلى مشيخة الأزهر.. قيادات دينية فلبينية فى رحاب الجمهورية الجديدة

13-9-2026 | 16:52
⢴ حسناء الجريسى

التـجـربة المصرية - الفلبينية للتعايش رسالة سلام للعالم 
 
لم تكن زيارة الوفد الدينى الفلبينى إلى مصر مجرد برنامج تدريبى عابر، ولا سلسلة من اللقاءات البروتوكولية، وإنما جاءت أقرب إلى رحلة معرفية وحضارية متكاملة، أرادت من خلالها وزارة الأوقاف، أن تقدم للضيوف تجربة مصرية حية فى الحوار، وعلى مدار الفترة من 29 أغسطس حتى 6 سبتمبر 2026، استضافت مصر عددا من القساوسة والقيادات الدينية الفلبينية، ضمن البرنامج المصرى ـ الفلبينى للقيادات الدينية للحوار والتعايش وبناء السلام، تحت عنوان “التجربة المصرية فى التعايش السلمى وبناء مجتمع يتسع للجميع” الذى نظمته وزارة الأوقاف والذى جاء فى وقت زيارة الرئيس الصينى إلى مصر واستضافة مصر 80 دولة، ضمن مؤتمر الإفتاء العالمى، ما يؤكد الأجواء الآمنة فى مصر، ويعكس الحراك الثقافى والدينى والسياحى، الذى تشهده مصر فى الجمهورية الجديدة.
 
منذ اللحظة الأولى، حرصت وزارة الأوقاف على أن يقدم هذا البرنامج رسالة مصرية، لا تقوم على تقديم محاضرات نظرية عن التعايش، وإنما على إتاحة الفرصة للوفد، كى يرى التعايش المصرى ويتعرف إلى ملامحه من داخله؛ فى المسجد والكنيسة، وفى رحاب الأزهر، وبين آثار الحضارة المصرية، التى صنعت جزءا أساسيا من ذاكرة الإنسانية.
 
البرنامج جاء ثمرة تنسيق وتواصل، امتد قرابة عامين بين الجانبين المصرى والفلبينى، وكانت فكرته قد طرحت خلال زيارة الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، إلى الفلبين، قبل أن تتبلور فى صورة برنامج تستضيف خلاله مصر وفدا من القيادات الدينية الفلبينية، وهذا  ما أكده وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهرى فى تصريح خاص للأهرام العربي.
 
فى افتتاح البرنامج، أكد وزير الأوقاف أن الهدف يتجاوز تبادل الخبرات إلى بناء جسور دائمة بين البلدين، وأن الدين يمكن أن يكون قوة دافعة نحو المحبة والعمل والاستقرار، وليس مجالًا للصراع أو الانقسام.
 
انطلقت الفاعليات من مسجد مصر الكبير بالعاصمة الإدارية الجديدة، حيث تعرف الوفد إلى جانب من التجربة المصرية فى عمارة المساجد ودورها فى خدمة المجتمع، بالتوازى مع جلسات، تناولت مفاهيم المحبة والمواطنة وقبول الآخر والتشارك الوطني.
 
وشهدت الجلسات طرحا فكريا حول التجربة المصرية فى التعايش السلمى، إلى جانب محاضرة للكاتبة مريم توفيق، وأخرى للدكتور عمرو الوردانى حول “جوار الحضارات: نموذج للمحبة والسلام”.
كان من أبرز مشاهد البرنامج، انتقال الوفد من الحديث عن التعايش إلى معايشته بصورة مباشرة، حيث حرصت الوزارة على أن يزور الوفد دار القديس إسطفانوس بالمعادى، حيث كان فى استقباله عدد من القيادات الكنسية، يتقدمهم الأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الأقباط الكاثوليك ورئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر، إلى جانب عدد من المطارنة والقيادات الكنسية.
دار خلال اللقاء حوار حول دور القيادات الدينية فى ترسيخ السلام والتفاهم والعيش المشترك، والتجربة المصرية فى بناء جسور التواصل بين المسلمين والمسيحيين.
ولم يتوقف الأمر عند النقاش، إذ حضر الوفد القداس الإلهى وفق الطقوس القبطية، فى مشهد عكس طبيعة البرنامج، الذى أراد أن يجعل من التعارف المباشر أداة لتجاوز الصور النمطية وبناء معرفة حقيقية بالآخر.
 
فى نهاية الزيارة، أعرب رئيس الوفد الفلبينى عن تقديره لحفاوة الاستقبال، وما شهده من حوار وتبادل للخبرات، قبل أن يسجل كلمة فى دفتر ضيوف الكنيسة، وهنا تبدو إحدى أهم رسائل البرنامج: أن الحوار الدينى لا يبدأ من الاتفاق على كل شيء، وإنما من القدرة على التعارف والإنصات والاحترام.
 
كما  اصطحب الدكتور أسامة الأزهرى الوفد الفلبينى إلى مشيخة الأزهر للقاء الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وكان اللقاء مساحة واسعة للحوار حول أسس السلام فى الإسلام، وسبل تعزيز التواصل بين القيادات الدينية المصرية والفلبينية، وتحويل الحوار من مجرد لقاءات إلى تعاون ممتد.
 
بدوره أكد فضيلة  الإمام الأكبر وشيخ الأزهر الشريف د. أحمد الطيب أن رسالة الأنبياء جميعا، تقوم على عبادة الله ومكارم الأخلاق وإقامة العدل والسلام، وأن الإسلام فى جوهره رسالة رحمة وسلام واحترام للإنسان.
كما استعرض جانبا من تجربته فى الحوار مع القيادات الدينية العالمية، ومن بينها مسار الحوار الذى جمعه بالبابا فرنسيس الراحل، والذى أسهم فى الوصول إلى وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمى والعيش المشترك.
 
لم يكن لقاء شيخ الأزهر مجرد محطة رسمية فى البرنامج، وإنما حمل دلالة رمزية مهمة؛ فالوفد الذى جاء ليتعرف على التجربة المصرية فى التعايش، وجد نفسه فى قلب مؤسسة دينية عالمية، تقدم نموذجا للحوار مع الآخر.
 
فى إطار البرنامج الثقافى والحضارى المصاحب للفاعليات، حرص وزير الأوقاف أن يزور الوفد المتحف المصرى الكبير، وهناك، خرج الحوار من إطاره الدينى المباشر إلى فضاء أوسع هو فضاء الحضارة والتاريخ، وتعرف أعضاء الوفد على جانب من تاريخ الحضارة المصرية، واستمعوا إلى شروحات حول عدد من المقتنيات والآثار، وما تمثله من امتداد حضارى طويل وإسهام مصرى فى مسيرة الحضارة الإنسانية.
 
كانت هذه الزيارة جزءا مهما من فلسفة البرنامج؛ فالتجربة المصرية التى تقدمها وزارة الأوقاف، لا يمكن اختزالها فى العلاقة بين المسجد والكنيسة فقط، وإنما ترتبط أيضا بتاريخ بلد تشكل عبر آلاف السنين من التفاعل بين الحضارات والثقافات والأديان.
ومن هنا، أصبح المتحف نفسه جزءا من رسالة التعارف، فالحوار بين الشعوب لا تصنعه الكلمات وحدها، وإنما تصنعه كذلك القدرة على أن يعرف كل طرف تاريخ الآخر، وأن يرى كيف تشكلت هويته الحضارية، وما الذى يمكن أن يجمع بينهما.
 
وعبر محطات البرنامج المختلفة، تكرر محور أساسي: الانتقال من مجرد قبول الآخر إلى الشراكة معه فى بناء المجتمع، فالمواطنة، كما طرحت خلال فاعليات البرنامج، لا تعنى مجرد التعايش الجغرافى بين أبناء ديانات مختلفة، وإنما تعنى شعور كل مواطن بأنه شريك كامل فى وطنه، وأن اختلاف العقيدة لا يحول دون التعاون فى خدمة المجتمع.
وهو المعنى الذى ظهر بوضوح فى كلمات المشاركين المصريين، كما انعكس فى اللقاءات التى جمعت الوفد الفلبينى بقيادات دينية مصرية مسلمة ومسيحية، ويحمل البرنامج كذلك أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المجتمع الفلبينى، وما يضمه من تنوع دينى وثقافى، وهو ما يجعل تبادل الخبرات مع مصر ذا قيمة عملية للقيادات الدينية المشاركة، فالهدف لم يكن أن تقدم مصر نفسها باعتبارها صاحبة نموذج مغلق، وإنما أن تفتح تجربتها للنقاش والمقارنة، وأن تستفيد فى المقابل من خبرات الضيوف الفلبينيين.
ولهذا برزت خلال البرنامج مفاهيم، مثل الحوار، والتعارف، وقبول الآخر، والمواطنة، والاحترام المتبادل، ومواجهة الصور النمطية، باعتبارها أرضية مشتركة يمكن أن تنطلق منها المجتمعات المختلفة.
 
اختتمت فاعليات البرنامج  الأحد الماضى بمركز مصر الثقافى الإسلامى بالعاصمة الجديدة، بحضور الدكتور أسامة الأزهري، ووزيرة التضامن الاجتماعى الدكتورة مايا مرسي، ووزير التموين والتجارة الداخلية الدكتور شريف فاروق، والمستشار هانى حنا وزير شئون المجالس النيابية، إلى جانب عدد من الشخصيات العامة والقيادات الدينية المصرية والفلبينية.
فى ختام البرنامج، تم التأكيد على أن المواطنة والتنوع، يمثلان ركيزتين أساسيتين فى بناء الدولة المصرية، وأن التجربة المصرية فى التعايش والسلام جزء من تاريخ وهوية المجتمع المصري، وبذلك أسدل الستار على أسبوع لم يكن عنوانه الحقيقى «التدريب» بقدر ما كان التعارف والمعايشة.
 
ربما تكمن القيمة الأهم للبرنامج فى أنه قدم مفهوم التعايش باعتباره ممارسة يومية، لا شعارا؛ ورسالة يمكن أن تحملها القيادات الدينية من قاعات اللقاءات إلى مجتمعاتها، لتصبح المعرفة المتبادلة جسرا، والاحترام لغة مشتركة، والسلام مشروعا تتشارك فى بنائه الشعوب.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام