فنون وفضائيات



شهد تكريم سلماوى و5 قامات إخراجية.. يوم المسرح المصرى.. احتفاء بالإبداع فى رحاب الذكرى المؤلمة

14-9-2026 | 23:46
⢴ أحمد أمين عرفات

فى الخامس من سبتمبر من كل عام، تقف خشبة المسرح متأملة مسيرتها، بين جراح الماضى وإشراقات الحاضر، فهذا التاريخ لم يكن مجرد رقم فى أجندة المهرجانات الثقافية، بل ولد من رحم إحدى أكثر المآسى ألما فى تاريخ المسرح المصرى والعربى. ففى مثل هذا اليوم من عام 2005 كانت محرقة مسرح بنى سويف التى التهمت أجساد 50 مبدعا وناقدا وفنانا، غير أن المسرح رفض أن يظل هذا الحادث مجرد ذكرى حزينة، وفضل أن يتحول هذا اليوم الذى شهد المأساة إلى رمز للوفاء ومناسبة لإحياء الفعل المسرحى، والتأكيد على حقه فى البقاء والمواجهة، بعد أن تقرر رسميا فى عهد وزير الثقافة الأسبق عماد أبو غازى إعلان أن يكون هذا اليوم ، يوما للمسرح المصري. وهكذا تحولت الفاجعة إلى فعل ثقافى مقاوم للنسيان.
 
فى هذا العام جاء الاحتفاء بيوم المسرح المصرى، ضمن فاعليات مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، من خلال المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، بقيادة المخرج عادل حسان له طبيعة خاصة، إذ جعله يوما للاحتفاء بالمخرج المصرى، فكرم خمسة من القامات المسرحية من أجيال مختلفة، علاوة على تكريم الكاتب الكبير محمد سلماوى، الذى وقع عليه الاختيار ليكون صاحب كلمة يوم المسرح المصرى، التى أكد فيها أن فلسفة الخشبة لم تكن يوما مجرد مكان لترفيه، بل كانت منذ القرن التاسع عشر منبرا للعقل ونافذة على المستقبل. وقد ألقيت هذه الكلمة فى هذا اليوم فى عدد من المواقع والمسارح بمحافظات مصر بجانب العديد من الفاعليات المتنوعة من ندوات وعروض وانشطة مسرحية.
جاء اختيار الكاتب الكبير محمد سلماوى، ليكون صاحب كلمة يوم المسرح المصرى فى محله تماما، لكونه صاحب رؤية مسرحية ومسيرة أكاديمية وإبداعية، منذ تخرجه فى قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة القاهرة سنة 1966، وقيامه بإشباع شغفه بالمسرح بالحصول على دبلوم مسرح شكسبير من جامعة أكسفورد عام 1969، ثم الماجستير فى الاتصال الجماهيرى من الجامعة الأمريكية عام 1975 ، وبعدها تدرج فى العمل الأكاديمى والصحفى بالأهرام والأهرام ويكلى والأهرام إبدو، علاوة على ما شغله من مناصب ثقافية رفيعة ورئاسته لاتحاد كتاب مصر.
لم يكن سلماوى مجرد كاتب مسرحى، لكنه صاحب روائع حفرت فى ذاكرة المسرح العربى، مثل «فوت علينا بكرة» التى أختيرت كأفضل عرض بالمهرجان الأول للمسرح العربى عام 1984، مرورا بعرض «القاتل خارج السجن» و أيضا «سالومي» الحاصلة على درع مهرجان جرش، و عرض «اثنين تحت الأرض» وصولا لمسرحيته «الجنزير» التى حصدت جائزة أفضل نص مسرحى، وأحدثت حراكا كبيرا فى مواجهة التطرف والإرهاب، ثم عرض «رقصة سالومى الأخيرة»  التى نالت جائزة لجنة التحكيم فى مهرجان قرطاج، كما حظيت أعمال سلماوى بتحليلات نقدية واسعة من كبار المفكرين، ليظل مسرحه ومسيرته المتوجة بأوسمة فرنسية وإيطالية وبلجيكية وجائزة الدولة التقديرية، منارة حقيقية للعقل وقضية حية للإنسان .
 
حسام الدين صلاح..  العابر للأجيال
تتويجا لمسيرة حافلة امتدت لأكثر من أربعة عقود من الإبداع المتواصل ، جاء تكريم المخرج حسام الدين صلاح ، تقديرا لبصمته الاستثنائية وإسهاماته الخالدة فى وجدان المسرح المصرى والعربي. بدأت هذه المسيرة عندما تخرج فى المعهد  العالى للفنون المسرحية عام 1982، ولم يكتف بالتحصيل الأكاديمى، بل سافر إلى ألمانيا فى رحلة دراسية لتطوير أدواته الفنية، ثم عاد لينطلق من بيته الأول «مسرح السلام» وتميزت رحلته، بكونه مخرجا عابرا للأجيال، فقد أدار وقاد ثلاثة أجيال متتالية، بدءا من الرواد كفؤاد المهندس وسعيد صالح ووصولا إلى نجوم الجيل الجديد ومنهم محمد رمضان.
وإلى جانب غزارة إنتاجاته التى تقارب خمسين عملا مسرحيا بنسبة نجاح جماهيرى استثنائية بين مسرح الدولة والقطاع الخاص والثقافة الجماهيرية، والتى جعلته يملك أرشيفا زاخرا بالأعمال المتميزة  مثل «من الممكن مقاومته»، «التوهان»، «عشا العميان»، «يمامة بيضا»، «قاعدين ليه»، «شارع القصر العينى» ، «دقى يا مزيكا»، «ريا وسكينة تانى»، وغيرها من العروض المسرحية، كما يحسب له فضله الكبير فى اكتشاف العديد من الوجوه الجديدة التى واصلت  رحلتها نحو النجومية.
وقد توجت مسيرته بالعديد من الجوائز والأوسمة ليجيء تكريمه فى يوم المسرح المصرى بمثابة تحية واجبة لقامة أفنت عمرها فى خدمة الفن وصناعة الوعى والبهجة.
 
حمدى أبو العلا.. المبدع فى محراب المسرح
فى غمرة الاحتفاء بيوم المسرح المصرى، يأتى تكريم الفنان حمدى أبو العلا المولود عام 1954 ليكون بمثابة رد الجميل لقامة مسرحية شاملة أثرت فى الحركة المسرحية، فهو ليس مجرد مخرج أو ممثل ، بل مبدع متعدد الإشراقات جمع بين التأليف والإخراج ونسج الشعر والدراما، وقاد العمل الإدارى بوعى المفكر وشغف الفنان الذى ينتمى إلى طليعة المبدعين، الذين وهبوا حياتهم لخشبة المسرح. 
شارك أبو العلا فى بداياته فى تأسيس فرقة «تحت 18» بقطاع الفنون الشعبية والاستعراضية، مع الفنان الراحل عبد الغفار عودة، حيث انطلقت أولى عروضها بعرضه الشهير «شطورة» عام 1993 تأليفا وإخراجا، للتوالى، بعد عروضه الموجهة للنشء مثل «أحلام العصافير» و«أم الدنيا»، كما قدم اشتباكا عميقا مع قضايا المجتمع والتراث من خلال عروض تناولت التحديات الاجتماعية والسياسية مثل» العدو فى غرفة النوم، الغرباء يشربون القهوة، زفة صعيدى»، علاوة على إخراجه لروائع التراث المسرحى، مثل «بعد أن يموت الملك» لصلاح عبد الصبور.
وبعد هذه المسيرة اختار أبو العلا أن يتوجها بمشروعه الروحى والإشراق الصوفى، حيث نجح فى تحويل المديح النبوى والبعد الروحى إلى تيمة إخراجية وفنية متكاملة، حيث قدم العديد من العروض التى طافت المحافظات مثل «أحب سيدنا النبى، لحظة صفا فى رحاب المصطفى، بردة البوصيرى»، ولم ينفصل إبداعه عن عمله الإدارى، حيث تنقل بين مناصب إدارية مختلفة منها عمله كمدير لفرقة «تحت 18» ومسرح «الغد» والفرقة القومية بالإسكندرية، وصولا إلى رئاسته للفرقة القومية للعروض التراثية، حيث كان صانعا للفرص وداعما لأجيال متعاقبة.
 
هشام جمعة.. عاشق الخشبة
يجيء تكريم المخرج المسرحى هشام جمعة فى يوم المسرح المصرى، ليتوج رحلة فنية استثنائية امتزج فيها الإبداع الأكاديمى بالشغف الفطرى، فهو الذى نشأ فى بيت فنى شرب فيه حب الفن، عن والده المخرج حسين جمعة، فتفتحت مواهبه المبكرة بين الرسم والتمثيل والديكور. ولم تكن دراسته بكلية الفنون الجميلة وحصوله على المركز الأول فى الإخراج المسرحى على مستوى الجامعات سوى الخطوة الأولى، نحو صقل موهبته بالالتحاق بالمعهد العالى للفنون المسرحية، ليمتلك أدوات المسرح الشامل من ديكور وإخراج وتمثيل، وليصنع لنفسه مكانا فريدا فى طليعة مخرجى جيل الثمانينيات .  
تألق جمعة فى ساحة الإخراج المسرحى مقدما أعمالا تنوعت بين الاجتماعى والسياسى والكوميدى ومسرح الطفل والعروض الاستعراضية، بدءا من تجاربه المبكرة مثل «جوز ولوز، «أصل وكذا صورة»، «للأمام قف»، «رد قرضى»، «ألو يا أرض»، «البهلوانات، «حمام رومانى»، «الحفلة التنكرية»، ومن هنا جاء هذا التكريم، ليمثل احتفاء حقيقيا برحلة مخرج وفنان متعدد المواهب واصل عطاءه على مدى عقود تاركا أثرا عميقا فى الحركة المسرحية.  
 
محمد جبر.. صانع البسمة الذكية
شملت قائمة التكريم فى يوم المسرح المصرى المخرج محمد جبر ، لكونه صاحب تجربة استثنائية، حيث استطاع أن يخلق حالة فنية فريدة، تجسد روح الشباب وحيوية المسرح المصرى المعاصر، وينتمى جبر إلى ذلك الجيل الذكى الذى خرج من مسرح جامعة عين شمس، وصقل موهبته الأكاديمية بالمعهد العالى للفنون المسرحية ، ليصنع لنفسه مكانا راسخا فى الميدان، حيث انطلقت شرارة رحلته الأولى بالمصادفة حين أدى مشهدا صغيرا على خشبة مسرح الجامعة، لتتحول تلك المصادفة إلى عشق أثمر عن رصيد كبير من أعماله المسرحية.
يتميز جبر بأنه لا يقدم الضحك لمجرد الإضحاك فقط، بل يوظفه ببراعة كأداة نقدية  وطاقة إنسانية تناقش قضايا الشباب والمجتمع. وتعد مسرحيته الشهيرة «1980 وأنت طالع»، المحطة الأبرز والنقطة الفاصلة فى رحلته الفنية، إذ أثبت من خلالها قدرته على صناعة ظاهرة مسرحية كاملة العدد تستمر لسنوات وتستقطب آلاف المشاهدين، بإمكانات إنتاجية مستقلة وبسيطة مبرهن على أن المضمون العميق والرؤية الصادقة هما أساس النجاح المسرحى وليس ضخامة الميزانيات.
استطاع جبر أن يلفت الانتباه إليه بشدة من خلال العديد من العروض المسرحية منها: «طيب وأمير» للبيت الفنى للمسرح و«عروسة من جهة إلكترونية» بموسم الرياض.
  ولم تقف حدود تجربته عند مقعد المخرج، بل تعدى ذلك إلى مكتشف للطاقات الشابة من خلال عمله كمدرب للتمثيل بورشة نقابة المهن التمثيلية، ويحسب له أنه منذ بداية مشواره وحتى اليوم حرصه الشديد على بناء الممثل وتكوين فرق مسرحية شبابية، أصبحت العصب الأساسى للعديد من التجارب الفنية الناجحة. 
 
عبير على.. المنحازة للذاكرة الشعبية
لم تخل ليلة الاحتفاء بالمخرجين فى يوم المسرح المصرى من تكريم الجنس الناعم، حيث تم تكريم المخرجة عبير على صاحبة التجارب الاستثنائية، وفى مقدمتها تجربتها التى خاضتها عام 1989 عندما أسست «مختبر المسحراتى المستقبل» والذى لم يكن مجرد فرقة لإنتاج العروض، بل مساحة بحث وتدريب حية، لتجعل من الحكى وسيلتها الأساسية للعبور إلى خيال المتلقى، فالمسرح عندها لا يكتمل إلا بمشاركة الجمهور الذى يعتبر شريكا أصيلا فى جميع الحكايات . وقد انطلقت عبير فى تأسيس فرقتها بحثا عن الحرية، بعيدا عن آليات إنتاج مسرح الدولة فنزلت إلى أقاليم مصر عبر عملها فى الهيئة العامة لقصور الثقافة، فتولت تدريب المبدعين وإنشاء مراكز التدريب المتخصصة لجمع التراث الشعبي.
 وتتضح البصمة الإخراجية لها فى قدرتها العالية على غزل عناصر العرض المسرحى بإتقان شديد، وظهر ذلك بوضوح فى عروضها التى تجاوزت 20 عرضا، منها «حكاوى الحرملك، أشباح مصرية، فيفا ماما» فضلا عن عرضها شديد التميز «الرمادى».
وقد توجت مسيرتها هذه بالعديد من الجوائز، منها جائزة أفضل عرض ونص وديكور بالمهرجان القومى للمسرح المصرى، وجائزة المسرحى التونسى الراحل عز الدين قنون، بالإضافة إلى تكريمها الدولى من رابطة مسرح المرأة المحترف بنيويورك.
 
الخلود فى وجدان الوطن
إن الاحتفاء بهذه القامات المسرحية فى الخامس من سبتمبر هذا العام، ليس مجرد توزيع الشهادات ودروع التقدير التى شارك فى تقديمها الدكتور أيمن الشيوى رئيس قطاع المسرح بوزارة الثقافة، بل هو تجديد لعهد المسرح المصرى مع الحرية والمعرفة والتنوير. والإعلان الأسمى، بأن النيران التى التهمت أجساد من رحلوا عنا فى محرقة بنى سويف ذات يوم، لم تستطع أن تطفيء جمرة الفن المشتعلة فى وجدان أمة تحرص دائما على أن تجعل من خشبة المسرح مرآة لحاضرها وملاذا لأحلامها وشهادة خلود لا تموت.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام