نحن والعالم



قمة بين البلدين لدعم استقرار المنطقة.. مصــــر والسعوديـة.. قلب واحد فى إقليم مضطرب

17-9-2026 | 18:12
⢴ أحمد إسماعيل

فى توقيت بالغ الحساسية، تمر فيه المنطقة العربية بواحدة من أكثر مراحلها تعقيدا، استقبلت القاهرة الثلاثاء الماضى، صاحب السمو الملكى الأمير، محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولى عهد المملكة العربية السعودية، ورئيس مجلس الوزراء، فى زيارة تحمل من الدلالات السياسية ما يتجاوز حدود اللقاءات الثنائية المعتادة بين دولتين تربطهما علاقات تاريخية راسخة، فمصر والسعودية لا تتحركان فى فضاء إقليمى منفصل عن بعضهما بعضا، كما أن الملفات التى تواجه العالم العربى، لم تعد تسمح بالتعامل معها من خلال مواقف فردية أو حسابات ضيقة، إنما تفرض قدرا متزايدا من التنسيق بين العواصم العربية الرئيسية، وفى مقدمتها القاهرة والرياض.
 
تأتى زيارة ولى العهد السعودى إلى مصر فى لحظة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسياسة والاقتصاد، وتتداخل فيها الأزمات الإقليمية مع التحولات الدولية، فيما أصبحت منطقة الشرق الأوسط أمام أسئلة مفتوحة حول مستقبل أمنها واستقرارها، وشكل العلاقات بين دولها، وحدود التدخلات الخارجية فيها وقدرة الدول العربية على صياغة مواقفها تجاه التطورات المتسارعة من حولها، لذلك فإن استقبال القاهرة لمحمد بن سلمان لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد زيارة لمسئول سعودى رفيع إلى دولة عربية شقيقة، إنما باعتباره محطة جديدة فى مسار العلاقات المصرية السعودية، ومساحة إضافية لتأكيد خصوصية هذه العلاقة التى ظلت على مدى عقود واحدة من أكثر العلاقات العربية قدرة على الصمود أمام تغيرات المنطقة وتقلباتها.
ولعل أهمية زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة تزداد بالنظر إلى التحولات التى شهدتها المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة، فولى العهد الذى يقود مشروعا واسعا لإعادة صياغة الاقتصاد السعودى ومكانة المملكة فى الاقتصاد العالمى، بات يمثل وجها رئيسيا لمرحلة جديدة فى السعودية، تقوم على تنويع مصادر الاقتصاد وتعزيز الاستثمارات والانفتاح على شراكات دولية متعددة، إلى جانب حضور سعودى أكثر وضوحا فى القضايا الإقليمية والدولية، وهنا تبرز أهمية التوقيت الذى تأتى فيه زيارة ولى العهد السعودى إلى القاهرة، فالمنطقة شهدت خلال الفترة الأخيرة تطورات متسارعة أعادت طرح أسئلة صعبة حول مستقبل الأمن الإقليمى ومصير الأزمات الممتدة، وطبيعة التوازنات الجديدة التى تتشكل فى الشرق الأوسط، كما أن تداعيات الصراعات لم تعد تتوقف عند حدود الدول التى تشهدها، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمى والطاقة والملاحة وحركة التجارة، وهو ما يجعل أى تصعيد جديد ذا تأثير يتجاوز أطرافه المباشرة، ولا يمكن فصل ذلك عن الموقف المصرى الثابت من أمن الخليج، أو عن النظرة السعودية إلى مصر باعتبارها دولة محورية فى منظومة الأمن العربى، وقد أكدت اتصالات ولقاءات سابقة بين الرئيس عبد الفتاح السيسى، والأمير محمد بن سلمان، أهمية التنسيق بين البلدين، فيما جددت القاهرة مرارا أن أمن دول الخليج جزء من الأمن القومى العربى، وأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق فى ظل استمرار التوتر والتصعيد.
وفى هذه المرحلة لا تبدو المنطقة العربية أمام أزمة واحدة، إنما أمام مجموعة أزمات مترابطة، وكل أزمة يمكن أن تنتج تداعيات على أزمات أخرى، وهو ما يجعل التنسيق بين الدول ذات الثقل الإقليمى أكثر ضرورة، ومن هنا تأتى قيمة اللقاء المصرى - السعودى ليس فقط لما يمكن أن ينتج عنه على المستوى الثنائى، إنما لما يمكن أن يعكسه من قدرة عربية على التشاور فى مواجهة لحظة إقليمية شديدة التعقيد، وعندما يلتقى مركزا الثقل العربى فى القاهرة، فإن الرسالة تتجاوز حدود البروتوكول إلى تأكيد أن العلاقات العربية البينية لا تزال قادرة على إنتاج مساحات للتفاهم والتنسيق فى وقت تتسع فيه الضغوط الخارجية وتتعدد فيه مصادر التوتر.
وتأتى الزيارة كذلك فى وقت تستعد فيه المملكة العربية السعودية للاحتفال بيومها الوطنى فى الثالث والعشرين من سبتمبر الجارى، وهى مناسبة تستعيد فيها المملكة ذكرى توحيدها وتأسيس الدولة السعودية الحديثة، ويضفى اقتراب هذه المناسبة بعدا رمزيا على زيارة ولى العهد إلى القاهرة، خصوصا أن الزيارة تأتى قبل أيام قليلة من الاحتفال باليوم الوطنى السعودى السادس والتسعين.
وبين رمزية المناسبة الوطنية وثقل الزيارة السياسية وخصوصية العلاقات بين القاهرة والرياض، تبدو الصورة أوسع من مجرد زيارة عمل ليوم واحد، إنها لحظة جديدة فى علاقة دولتين عربيتين تجمعهما روابط تاريخية ومصالح إستراتيجية، وتضعهما التطورات المتلاحقة فى المنطقة أمام مسئولية مشتركة للحفاظ على قنوات التشاور والتنسيق، ودعم الاستقرار والدفاع عن مصالح شعوب المنطقة فى مرحلة باتت فيها التحولات أسرع من قدرة كثير من الأطراف على استيعابها.
وكان قد استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسى، صاحب السمو الملكى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولى عهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس الوزراء، يوم الثلاثاء الماضى، وذلك فى إطار زيارة العمل التى يقوم بها سموه إلى مصر.
وصرح المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية بأن مراسم الاستقبال تضمنت التقاط صورة تذكارية بمناسبة الزيارة، أعقبها لقاء ثنائى مغلق بين الرئيس السيسى وسمو ولى العهد، ثم جلسة مباحثات موسعة بحضور وفدى البلدين، تلتها مأدبة غداء أقامها الرئيس تكريمًا لضيف مصر الكريم والوفد المرافق له.
وأشار السفير محمد الشناوى، المتحدث الرسمى، إلى أن الرئيس رحّب بزيارة الأمير محمد بن سلمان إلى مصر، مشيدًا بعمق العلاقات الأخوية التى تجمع البلدين الشقيقين، كما نقل تحياته إلى خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، متقدمًا بالتهنئة لجلالته ولسمو ولى العهد وللشعب السعودى الشقيق بمناسبة قرب حلول اليوم الوطنى السعودى فى الثالث والعشرين من سبتمبر الجارى. 
ومن جانبه، أعرب سمو ولى العهد عن تقديره لتهنئة الرئيس السيسى، ولحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، ناقلًا تحيات خادم الحرمين الشريفين إلى سيادته، ومشددًا على رسوخ الروابط الأخوية بين البلدين، ومعبرًا عن سعادته بزيارة مصر ولقاء الرئيس السيسى، ومثمنًا ما تشهده العلاقات الثنائية من تطور مستمر، والحرص المتبادل على مواصلة التنسيق والتعاون المشترك، واستكشاف آفاق جديدة للتعاون فى مختلف المجالات.
وأوضح المتحدث الرسمى أن اللقاء شهد توافقًا بين الرئيس السيسى وسمو ولى العهد على أن العلاقات بين مصر والمملكة لا تقبل إلا أن تكون مثلى فى الإطار العربى، وأن أمن السعودية ودول الخليج هو جزء من الأمن القومى المصرى، مع تحفظ ورفض وإدانة مصر الكاملة لأى اعتداءات أو تهديدات تمس سيادة المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها أو حرية الملاحة فى الممرات البحرية الدولية، وأن الظروف الحالية تقتضى المزيد من التضامن والتنسيق بين البلدين، وأن مصلحة وأهداف البلدين واحدة، ويوجد بينهما تفاهم مطلق، وأن زيارة سمو ولى العهد تؤكد على التضامن والأخوة الكاملة بين مصر والمملكة وكل دول الخليج. 
وفى ذات الإطار، اتفق الزعيمان على ضرورة تكثيف العمل بهدف وضع وتنفيذ إجراءات عملية لتطوير التعاون الثنائى، وإزالة أى عقبات قد تعوق زيادة حجم التبادل التجارى والاستثمارى، بما يرتقى بالعلاقات إلى مستوى يتناسب مع الأواصر التاريخية والجوار الإستراتيجى بين مصر والمملكة العربية السعودية.
وأضاف المتحدث الرسمى، أن المباحثات تناولت التطورات الإقليمية والتحديات الراهنة، حيث جدد الرئيس السيسى موقف مصر الثابت فى دعم المملكة العربية السعودية وكل الدول العربية فى مواجهة الظروف الإقليمية الراهنة. 
وفى هذا السياق، تم التأكيد على ضرورة تكثيف التنسيق والتواصل فيما بين البلدين، كما أكد سمو ولى العهد تقديره لمواقف مصر، تحت قيادة السيد الرئيس، فى دعم جهود الاستقرار والسلام الإقليميين، مثمنًا التضامن والمساندة المصرية للمملكة فى مواجهة التحديات الجيوسياسية الأخيرة. 
كما تم التأكيد على الموقف المصرى السعودى الحريص على ضمان حرية وأمن الملاحة البحرية فى مضيقى هرمز وباب المندب وفى البحر الأحمر، حيث شدد الرئيس السيسى على دعم مصر للإجراءات التى تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها، وللتوصل إلى حل سياسى شامل ومستدام للأزمة اليمنية.
وذكر المتحدث الرسمى أن اللقاء شهد تأكيدًا على تطابق المواقف المصرية السعودية إزاء القضية الفلسطينية، وضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة لها تقوم على حل الدولتين ومقررات الشرعية الدولية، كما تم التشديد على ضرورة تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكى للسلام، وقرار مجلس الأمن رقم 2803، مع ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية للقطاع بكميات كافية، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية فى غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.
كما تم التأكيد على استمرار دعم مصر والسعودية لأمن واستقرار السودان الشقيق، ووجوب حصرية مؤسساته الوطنية، ورفض مساواة القوات المسلحة السودانية بأى ميليشيات أو كيانات موازية غير شرعية، والتشديد على أن أى تهديد لوحدة السودان وسلامة أراضيه يمثل خطرًا على الأمن الجماعى لمصر والسعودية وكل دول المنطقة.
واختتم المتحدث الرسمى بالإشارة إلى أن اللقاء شهد أيضًا تأكيدًا على المواقف المصرية السعودية المشتركة إزاء دعم سيادة واستقرار جميع الدول العربية، حيث توافق الرئيس السيسى وسمو ولى العهد على استمرار التشاور والتنسيق المباشر خلال الفترة المقبلة حول مختلف الموضوعات الثنائية والتطورات الإقليمية.
وبذلك اختتم بيان المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية تفاصيل المباحثات المصرية السعودية، التى عكست اتساع نطاق التنسيق بين القاهرة والرياض سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
ولعل كثافة اللقاءات والزيارات المتبادلة بين الرئيس عبدالفتاح السيسى، والأمير محمد بن سلمان، تعكس جانبا آخر من خصوصية العلاقة بين القاهرة والرياض، فمنذ عام 2015 توالت اللقاءات بين الزعيمين فى مصر والسعودية، بالتوازى مع زيارات متكررة لولى العهد السعودى إلى القاهرة، ولم تقتصر هذه اللقاءات على المناسبات الرسمية أو القمم العربية، إنما شكلت فى كثير من الأحيان فرصة لتنسيق المواقف بشأن الملفات الإقليمية، إلى جانب بحث مسارات التعاون الاقتصادى والاستثمارى، وهو ما منح العلاقة بين البلدين قدرا من الاستمرارية والاتصال المباشر بين قيادتيهما.
ولا تقف خصوصية العلاقات المصرية ـ السعودية عند حدود التنسيق السياسي، إذ تحولت الشراكة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة إلى شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والاستثمارية، وتقدر استثمارات شركات القطاع الخاص السعودى فى مصر بنحو 35 مليار دولار، مع وجود أكثر من 7 آلاف شركة سعودية فى السوق المصرية، فى حين بلغ حجم التبادل التجارى بين البلدين نحو 11.3 مليار دولار خلال عام 2024، مقابل 8.2 مليار دولار فى 2023، بزيادة تقارب ٪37.8، وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة فى ظل توجه القاهرة والرياض إلى إزالة العقبات أمام زيادة التجارة والاستثمارات، وتوسيع الشراكات فى قطاعات جديدة، بما يتواكب مع التحولات الاقتصادية التى تشهدها الدولتان.
وفى النهاية تؤكد نتائج اللقاء أن العلاقات المصرية السعودية تتجاوز حدود التنسيق الثنائى إلى شراكة ترتبط بصورة مباشرة بأمن المنطقة واستقرارها، فى ظل تحديات متشابكة تفرض على القاهرة والرياض مواصلة التشاور والتنسيق بشأن القضايا العربية والإقليمية، وبينما تتغير خريطة الشرق الأوسط وتتسارع أزماته، تبدو خصوصية العلاقة بين البلدين عاملا مهما فى دعم الموقف العربى، والحفاظ على قدرة العواصم العربية الرئيسية على التحرك المشترك دفاعا عن أمنها ومصالح شعوبها.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام