رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأثنين 12 اكتوبر 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
نحن والعالم
الاحتلال يرسم حدودا جديدة بالنار.. «على الطاهر».. ورقة إسرائيلية جديدة للضغط على لبنان
17-9-2026
|
18:57
⢴ إلهامى المليجى
فى الحروب لا تُقاس المرتفعات بعدد أمتارها، بل بمقدار ما تكشفه من أرض، وما تتحكم فيه من طرق، وما تمنحه لمن يسيطر عليها من قدرة على الرصد والنار والضغط. ومن هنا لم تكن معركة مرتفعات على الطاهر مجرد مواجهة على تلة جنوبية، بل صراع على عين تطل على قلب الجنوب، وعلى عقدة تصل الحدود بإقليم التفاح والنبطية، وعلى ورقة جديدة تريد إسرائيل أن تحملها من الميدان إلى طاولة المفاوضات.
وحين أعلن بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه إسرائيل كاتس تدمير البنية التحتية التى أقامها حزب الله تحت المرتفعات، وفرض «السيطرة العملياتية» فوقها وتحتها، لم يكن الخطاب موجهًا إلى الجيش الإسرائيلى وحده. كان رسالة إلى الناخب الذى ينتظر إنجازًا قبل انتخابات أكتوبر، وإلى واشنطن التى تدير المفاوضات، وإلى الدولة اللبنانية التى تتعرض لضغط مزدوج: احتلال يغير الوقائع فوق الأرض، ووسيط يطالبها بتقديم التزامات إضافية على الطاولة.
والسؤال لم يعد: ماذا جرى فى على الطاهر؟ بل إلى أين يمكن أن تذهب إسرائيل بعدها؟ وهل تتحول السيطرة على المرتفعات إلى منصة لتوسيع المنطقة العازلة وتهديد النبطية وإقليم التفاح؟ أم تكتفى إسرائيل بتحويلها إلى ورقة ضغط تساوم بها لبنان على الانسحاب ونزع السلاح؟
تقع مرتفعات على الطاهر على مسافة نحو خمسة عشر كيلومترًا من الحدود مع فلسطين المحتلة، ويصل ارتفاعها إلى قرابة ستمائة متر فوق سطح البحر وهى ليست سلسلة جبلية شاهقة أو واسعة، لكن قيمتها تنبع مما تشرف عليه لا من حجمها.
فمن الجهة الغربية تكشف المرتفعات مدينة النبطية ومحيطها، ومن الشرق تطل على مرجعيون والخيام ومزارع شبعا وأجزاء من الجولان المحتل، بينما تتصل من الشمال بمنطقة إقليم التفاح التى شكلت تاريخيًا عمقًا جغرافيًا ولوجستيًا للمقاومة كما تتحكم فى طرق الحركة بين القرى الحدودية والمناطق الداخلية، وتقع بالقرب من قلعة الشقيف التى سيطرت عليها القوات الإسرائيلية فى طريق تقدمها نحو المنطقة.
وتحمل المرتفعات اسم عالم الدين الشيعى على الطاهر، الذى يقع مقامه فوق إحدى قممها. وقد سبق أن احتلتها إسرائيل خلال احتلالها الطويل لجنوب لبنان، قبل انسحابها عام 2000، ما يجعلها حاضرة فى الذاكرة العسكرية للجانبين، لا مجرد اكتشاف فرضته الحرب الراهنة.
وتقول إسرائيل إنها دمرت شبكة أنفاق يزيد طولها على كيلومترين، تضم غرف قيادة ومخازن للأسلحة والصواريخ والطائرات المسيرة ومواقع تسمح للمقاتلين بالبقاء تحت الأرض فترات طويلة وهى رواية أعلنتها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ولم يتسن التحقق المستقل من جميع تفاصيلها، لكن الثابت أن الموقع تعرض لحصار وقصف مكثف وعمليات برية استمرت أسابيع.
«سيطرة عملياتية» أم احتلال دائم؟
لا يعنى إعلان السيطرة العملياتية بالضرورة أن إسرائيل أقامت وجودًا عسكريًا ثابتًا فوق كل أجزاء المرتفعات، فالمصطلح قد يجمع بين التقدم البرى المحدود، وتدمير المنشآت، والسيطرة النارية، والمراقبة الجوية والإلكترونية، والقدرة على منع حزب الله من العودة إلى الموقع.
وهذا التمييز لا يقلل من خطورة ما جرى، بل يكشف شكلًا محتملًا للاحتلال أقل كلفة لإسرائيل: ألا تبقى قوات كبيرة فوق كل تلة، وإنما تحتفظ بالقدرة على رصدها وقصفها واقتحامها متى أرادت، انطلاقًا من المواقع التى تسيطر عليها جنوب المرتفعات وحول قلعة الشقيف.
فإقامة حامية دائمة فى على الطاهر قد تفرض على الجيش الإسرائيلى احتلال مرتفعات أخرى إلى الشمال والشمال الشرقى لحماية قواته وخطوط إمداده، وإلا أصبحت القمة نفسها مكشوفة لهجمات المقاومة وهذا يعنى توغلًا أعمق واقترابًا أكبر من النبطية وإقليم التفاح، بما يرفع احتمالات الخسائر ويعيد فتح الحرب على نطاق واسع.
لذلك قد تفضل إسرائيل، حتى انتخابات أكتوبر على الأقل، تثبيت سيطرتها بالنار والاستطلاع، وهدم المنشآت التى تعتقد أن حزب الله يستخدمها، ثم الاحتفاظ بحرية التدخل، بدل الاندفاع إلى احتلال برى واسع يصعب ضمان نتائجه.
لكن الخطر يكمن فى تحول هذه الصيغة إلى قاعدة جديدة: تعتبر إسرائيل كل منطقة ترى أنها تشكل تهديدًا جزءًا من «حزامها الأمني»، بصرف النظر عن الحدود الدولية أو السيادة اللبنانية. وعندها لا تعود المنطقة العازلة شريطًا محددًا، بل جغرافيا متحركة تتمدد شمالًا كلما اخترعت تل أبيب خطرًا جديدًا.
الاحتلال يفاوض بدلًا من إسرائيل
تأتى السيطرة على الطاهر فى لحظة شديدة الحساسية فالمفاوضات التى ترعاها واشنطن لتنفيذ اتفاق يونيو تعثرت، وتأجلت الجولة التى كان مقررًا عقدها فى روما إلى أكتوبر، بينما تستمر اللقاءات والاتصالات فى واشنطن.
والنتيجة العملية لهذا التأجيل، أيًا كانت أسبابه التنظيمية المعلنة، أن إسرائيل تحصل على وقت إضافى لتغيير الوقائع قبل استئناف التفاوض. فعندما تعود الوفود إلى الطاولة، لن تناقش الموقع كما كان قبل أسابيع، بل بعد تدمير بنيته التحتية وإعلان السيطرة العملياتية عليه وضمه إلى الخريطة الإسرائيلية للمنطقة العازلة.
هنا يتحول الاحتلال نفسه إلى مفاوض. فكل أرض تحتلها إسرائيل تصبح ورقة تطلب ثمنًا مقابل الانسحاب منها، وكل موقع تدمره يتحول إلى «إنجاز» تستخدمه لفرض مزيد من الشروط. أما لبنان، فيُطلب منه ضبط الحدود ونزع سلاح حزب الله ونشر الجيش، دون أن يحصل على التزام إسرائيلى واضح ومحدد زمنيًا بالانسحاب ووقف الغارات.
إنها معادلة تقدم فيها بيروت التزامًا قابلًا للقياس والتحقق، بينما تقدم إسرائيل وعدًا مؤجلًا يمكنها تعطيله بذريعة أن الخطر لم ينته بعد.
إلى أين يمكن أن تذهب إسرائيل؟
يفتح ما جرى فى على الطاهر أمام إسرائيل ثلاثة مسارات محتملة.
الأول، توسيع التوغل نحو المرتفعات الواقعة شمال الموقع وشرقه، بما يسمح بتأمين السيطرة عليه وفتح الطريق أمام مزيد من الضغط على النبطية وإقليم التفاح وهذا هو المسار الأخطر، لأنه ينقل الاحتلال من شريط حدودى إلى عمق الجنوب، ويجعل الحرب المفتوحة أكثر احتمالًا.
المسار الثاني، تدمير البنية العسكرية فى المرتفعات، ثم الانسحاب من أجزاء منها مع الاحتفاظ بالسيطرة النارية والجوية وبهذا تحصل إسرائيل على معظم المزايا العسكرية، دون أن تدفع كلفة الاحتفاظ بقوات كثيرة فى موقع معرض للاستنزاف.
أما المسار الثالث، وهو الأرجح سياسيًا قبل الانتخابات، فيتمثل فى استخدام على الطاهر ورقة تفاوضية. تعرض إسرائيل الانسحاب منها أو تخفيف وجودها فى مقابل خطوات لبنانية تتجاوز جنوب الليطانى إلى المطالبة بنزع سلاح حزب الله على امتداد الأراضى اللبنانية.
وقد تجمع تل أبيب بين المسارات الثلاثة: تهدد بالتوسع، وتواصل الغارات، وتثبت سيطرتها عن بُعد، ثم تعرض التراجع الجزئى باعتباره تنازلًا يستحق ثمنًا سياسيًا كبيرًا.
كيف يواجه لبنان الضغط المزدوج؟
لا يملك لبنان ترف تجاهل موازين القوة، لكنه لا يستطيع أيضًا قبول معادلة تتحول فيها كل خسارة ميدانية إلى تنازل سياسي. وتبدأ المواجهة بإسقاط الفصل المصطنع بين الانسحاب الإسرائيلى والخطوات اللبنانية.
فحصر السلاح بيد الدولة هدف وطنى يرتبط ببناء لبنان واستعادة مؤسساته لقرار الحرب والسلم، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى شرط إسرائيلى يسبق الانسحاب. والصيغة القابلة للتنفيذ هى التزامن المتدرج: تنسحب إسرائيل من منطقة محددة وتتوقف غاراتها عليها، فينتشر الجيش اللبنانى ويثبت سلطته ويخليها من السلاح خارج الدولة، ثم تنتقل العملية إلى منطقة أخرى تحت رقابة متوازنة.
ويجب أن تصبح على الطاهر نفسها اختبارًا لهذه المعادلة، لا أن تطلب إسرائيل إنشاء «مناطق تجريبية» فى أماكن لا تحتلها، بينما تستثنى المواقع التى انتزعتها بالقوة. فإذا كان الهدف المعلن هو تمكين الجيش اللبناني، فالبداية المنطقية تكون بانسحاب إسرائيل وتسليم المرتفعات ومحيطها إلى الجيش.
كما يتعين تحويل زيارة الرئيس جوزيف عون إلى النبطية وزوطر الغربية، مصحوبًا بقيادات الأجهزة الأمنية، من رسالة طمأنة رمزية إلى خطة تثبيت للدولة والسكان: تعزيز انتشار الجيش، وحماية الطرق، وإعادة الخدمات، ومساعدة النازحين على العودة، ومنع إسرائيل من تحويل الخوف إلى أداة لتفريغ المنطقة.
فالوجود المدنى فى الجنوب ليس تفصيلًا إنسانيًا فحسب، بل خط الدفاع الأول عن الجغرافيا اللبنانية وكل قرية تعود إليها الحياة تقلل قدرة الاحتلال على تحويل المنطقة إلى حزام أمنى خالٍ من أهلها.
أما دبلوماسيًا، فعلى لبنان أن يطالب واشنطن بأن تكون ضامنًا للاتفاق، لا ناقلًا للضغوط الإسرائيلية فالوساطة التى تقيس تنفيذ لبنان لالتزاماته ولا تضع جدولًا لانسحاب إسرائيل، تتحول إلى جزء من اختلال ميزان القوة والمطلوب آلية تحقق متبادلة، توثق انتشار الجيش وضبط السلاح، مثلما توثق الغارات وعمليات الهدم والتوغل الإسرائيلي.
بين حرب لا يريدها واستسلام لا يحتمله
لا مصلحة للبنان فى الانجرار إلى حرب واسعة تمنح نتنياهو الإنجاز الانتخابى الذى يبحث عنه، وتعرض الجنوب لمزيد من الدمار لكن تجنب الحرب لا يعنى التسليم بأن الاحتلال أصبح أمرًا واقعًا، أو أن «السيطرة العملياتية» تمنح إسرائيل حقًا مكتسبًا فى الأرض.
وهنا تظهر الحاجة إلى إستراتيجية وطنية توحد قرار الدولة والمقاومة، بحيث لا ينفرد فصيل بقرار التصعيد، ولا تنفرد الحكومة بتقديم تنازلات تمس عناصر القوة دون مقابل فالمعادلة الصعبة ليست الاختيار بين الحرب والاستسلام، بل إدارة الردع والتفاوض والدبلوماسية فى مسار واحد هدفه إنهاء الاحتلال، لا التعايش معه.
لقد صعدت إسرائيل إلى مرتفعات على الطاهر، لأنها تعرف أن من يمسك بالقمة يرى الأرض من حوله مكشوفة أمام عينيه وسلاحه لكن السيطرة على التلال لا تعنى السيطرة على مستقبل الجنوب، كما أن تدمير الأنفاق لا يكفى لبناء أمن دائم فوق أرض محتلة.
وإذا أرادت واشنطن منع جولة جديدة من الحرب، فعليها أن توقف سياسة مطالبة لبنان وحده بتقديم البراهين، وأن تلزم إسرائيل بالانسحاب ووقف الغارات أما لبنان، فعليه أن يحول على الطاهر من ورقة إسرائيلية لابتزازه إلى اختبار لصدقية التفاوض كله: إما انسحابا متزامنا يعيد الأرض إلى الجيش اللبناني، وإما اعترافا بأن ما يجرى ليس طريقًا إلى السلام، بل محاولة لإلباس الاحتلال ثياب التسوية.
فعلى الطاهر ليست نهاية المطامع الإسرائيلية، لكنها قد تصبح بداية لحدود أمنية ترسمها تل أبيب بالنار، ما لم يدرك لبنان أن معركة القمة لا تُحسم فوقها وحدها، بل فى قدرته على توحيد الداخل، وتثبيت الناس فى أرضهم، ومنع واشنطن من تحويل الوساطة إلى ضغط فى اتجاه واحد.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
لحظة سياسية فاصلة فى تاريخه العراق بعد الانسحاب الأجنبى..السيادة فى مواجهة
فى افتتاح الدورة الأولى من منتدى «العلمين – إفريقيا» للأعمال.. طموحات
عقيد أحمد عثمان شولاق بطل الصاعقة يروى الملحمة الأسطورية: استسلام العدو
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام