رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأثنين 12 اكتوبر 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
ثقافة
ابتعد عن الشاشة حفاظا على إنسانيتك.. 24/7: الرأسمالية المتأخرة ونهاية النوم
17-9-2026
|
19:28
⢴ عزمى عبد الوهاب
فى عالم لا ينام أبدا، حيث تضيء الشاشات وجوهنا فى ساعات الليل العميق، وحيث تتطلب منا الرأسمالية الحديثة، أن نكون متاحين على مدار الساعة، يأتى هذا الكتاب، وعنوانه «24/7: الرأسمالية المتأخرة ونهاية النوم» لمؤلفه «جوناثان كرارى» الناقد الفنى والكاتب الأمريكى، وأستاذ الفن الحديث والنظرية فى جامعة كولومبيا بنيويورك، ليكشف عن آخر معاقل المقاومة البشرية: النوم.
يرى كرارى أن النوم يمثل اليوم آخر حدود الزمن الطبيعى، التى لم تستطع الرأسمالية السيطرة عليها بالكامل، فهو ليس مجرد حالة بيولوجية، بل فضاء للحرية، والخيال، وإعادة الاتصال بالذات، فى مواجهة الزمن الاقتصادى المستمر، والتكنولوجيا، والمراقبة التى طالت كل جانب من جوانب حياة الإنسان، من هذا المنظور، يصبح النوم رمزا لمقاومة الرأسمالية، ومساحة لاختلاق تجارب شخصية لم تستغل بعد اقتصاديا.. يشير كرارى فى كتابه الذى ترجمه إلى العربية «طارق عثمان» أن الرأسمالية المتأخرة تسعى إلى السيطرة على النوم، بوصفه آخر ملاذ طبيعى للبشر، محولة إياه من حاجة بيولوجية أساسية إلى «هدر فى الوقت» يجب الحد منه أو القضاء عليه، ففى عصر الأسواق المفتوحة على مدار الساعة، وثقافة العمل والإنتاج المستمر، أصبح النوم معيقا للإنتاج والاستهلاك، والرأسمالية لا تستطيع القضاء على النوم، لكنها تستطيع تخريبه وتشويهه، وتحويله إلى سلعة نشتريها عبر الأدوية المهدئة، أو إلى فائض زمنى يجب اختزاله.
يستهل كرارى كتابه بحقيقة ترتبط بعصفور «أبيض التاج»، وهو نوع من الطيور المهاجرة التى تستطيع البقاء متيقظة خلال هجرتها مدة تصل إلى سبعة أيام، وقد دفعت هذه السمة الطبيعية وزارة الدفاع الأمريكية إلى دراسة نشاط دماغ هذا الطير للحصول على المعرفة اللازمة التى يمكن أن تساعد فى جعل البشر أيضا يستغنون عن النوم، بهدف إيجاد جندى «لا ينعس ولا ينام».
يوضح أن مثل هذه المحاولات لتطوير ما يعرف بـ«الإدراك المعزز» من أجل السيطرة على نوم البشر، قد تنبئ بقدوم العامل الذى لا ينام أو المستهلك الذى لا يعرف النوم طريقا إليه، أى خلق إنسان بوسعه الانسجام مع البنى العالمية للعمل ومع الأسواق المفتوحة على مدار الساعة.
كما يورد مثالا عن مشروع أقمار صناعية تعكس ضوء الشمس إلى الأرض لتحويل الليل إلى نهار، وهو مشروع قوبل بمعارضة بسبب انتهاكه للحق فى ظلمة الليل كملكية مشتركة للبشرية، ويستعرض أيضا استخدام الحرمان من النوم، كأداة تعذيب فى مراكز الاعتقال الأمريكية، ما يكشف عن البعد السياسى للسيطرة على النوم.
يستعيد كرارى بدايات الثورة الصناعية فى القرن الثامن عشر، مع تركيزه على مصانع ريتشارد آرك رايت التى عملت بنظام الورديات المتواصلة، منقطعة بذلك عن إيقاعات الليل والنهار الطبيعية، فقبل التصنيع، كان النوم متوافقا مع إيقاعات الطبيعة والمجتمع، مع المواسم والطقوس والعمل الزراعى، ومع صعود الرأسمالية، انهارت هذه الإيقاعات، وتحول النوم إلى عنصر معرض للضغط المستمر.
كما يشير الكاتب إلى أن بعض فلاسفة الحداثة مثل ديكارت وهيوم ولوك استخفوا بحالة النوم، لعدم صلتها بعمليات العقل، وعدم توافقها مع الأفكار الحديثة التى تركز على الإنتاجية والعقلانية، ويوضح كرارى أن الرأسمالية منذ نشأتها سعت إلى “إلغاء الزمن الدوري” واستبداله بزمن خطى مستمر، وأن النوم بقى عقبة طبيعية أمام هذا المشروع حتى يومنا هذا.
يبحث كرارى كيف أن الزمن اللامتناهي الذى تنتجه الرأسمالية، يطمس أى فصل بين الاستهلاكية المكثفة والمنتشرة فى كل مكان وإستراتيجيات المراقبة الناشئة، ويورد أمثلة صادمة على محاولات السيطرة على النوم، مثل تطوير أدوية تمنع النوم، وتقنيات تتبع العين لتحسين الإعلانات، وتحويل الانتباه البشرى إلى سلعة تباع وتشترى فى “اقتصاد الانتباه”.
كما يناقش كيف أن التليفزيون، ومن بعده الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى، أعادا تشكيل الزمن الخاص والعام، محولين الحياة اليومية إلى سلسلة من المهام والاستجابات الآلية التى لا تتوقف، ويشير إلى أن شركات مثل Google وFacebook تعمل على تطبيع فكرة “الواجهة المستمرة” مع الشاشات، بحيث يصبح الانفصال عنها أمرا شاذا، ما يؤدى إلى تآكل القدرة على التأمل والانعزال الذاتي.
يخلص كرارى إلى أن النوم، بوصفه آخر حاجز طبيعى لم تستطع الرأسمالية تجاوزه بالكامل، يشكل مساحة مقاومة طبيعية ضد الهيمنة الاقتصادية، فالإنسان يحتاج إلى النوم للبقاء على قيد الحياة، وهذا ما يجعل منه فعلا مقاوما لا يمكن القضاء عليه بسهولة، لكن هذا الحاجز بدأ يتصدع مع تزايد محاولات السيطرة على النوم عبر التكنولوجيا والمراقبة وثقافة العمل المستمر.
يعود كرارى إلى فلاسفة مثل سارتر وديبورد ولفيناس، ويناقش كيف أن النوم يمثل “فعل انتظار” جماعيا، وفعل انسحاب من فردانية الاستهلاك، وهو أيضا مساحة للحلم والتخيل التى لم تستعمر بعد بالكامل.
الفيلسوف إيمانويل لڤيناس واحد من بين عدة مفكرين، حاولوا تناول معانى الأرق فى سياق التاريخ الحديث، وهو يرى أن الأرق وسيلة لتخيل الصعوبة الشديدة التى تكتنف المسئولية الفردية فى مواجهة الكوارث التى يشهدها عصرنا.
كما أن الأرق يتوافق مع ضرورة اليقظة، ورفض التغاضى عن الرعب والظلم الذى يسود العالم، وهو يمثل قلق الجهود المبذولة لتجنب عدم الانتباه إلى عذاب الآخر، ولكن ما يزعجنا فى هذا السياق هو أيضا عدم فاعلية أخلاقيات اليقظة، ذلك أن فعل الشهادة وما يصاحبه من رتابة، قد يتحول إلى مجرد تحمل لليل أو الكارثة فلا هو يحدث فى العلن ولا هو يحدث فى السر بالكامل.
بحلول منتصف القرن التاسع عشر بدأ تصور العلاقة غير المتماثلة بين النوم واليقظة، حيث فهم النوم بوصفه انحدارا إلى وضع أدنى وأكثر بدائية، حيث يجرى «تثبيط» نشاط الدماغ الأعلى الأكثر تعقيدا، ويعد شوبنهاور أحد المفكرين النادرين الذين قلبوا هذا التسلسل الهرمى رأسا على عقب، وأشاروا إلى أنه فى النوم وحده يمكننا تحديد “النواة الحقيقية” للوجود البشري.
إن نظام العمل على مدار الساعة، وطوال أيام الأسبوع 24/7 يعمل على تقويض التمييز بين النهار والليل، بين النور والظلام، بين الفعل والهدوء، إنه منطقة من انعدام الإحساس، وفقدان الذاكرة، وما يهزم إمكانية التجربة، منطقة تنتمى، بحسب تعبير موريس بلانشو، إلى الكارثة وما بعدها، متسمة بالسماء الفارغة، حيث لا يمكن رؤية أى نجم أو علامة، وحيث يفقد المرء اتجاهاته، ويصبح من المستحيل تحديد الوجهة وبشكل أكثر تحديدا يشبه هذا النظام حالة الطوارئ.
يختتم الكتاب بتأكيد أن النوم ليس هروبا من التاريخ، بل شكل آخر من أشكال الزمن التاريخى، وفيه تكمن إمكانية تصور مستقبل خارج منطق الرأسمالية، وسيطرتها شبه الكاملة على حياتنا اليومية ويجمع بين التحليل الفلسفى والتاريخى والاقتصادى، ويقدم رؤية فريدة من نوعها حول النوم بوصفه فعلا سياسيا ومقاوما، ما يجعله إسهاما مهما فى نقد الرأسمالية المعاصرة، كما أن اعتماده على مراجع متنوعة (من ماركس إلى ديبورد وسارتر وبلانشو) يمنح الكتاب عمقا نظريا استثنائيا.
يكشف الكتاب أن النوم أصبح عقبة أمام المنطق الرأسمالى، لأنه فضاء للانفصال عن دورة الإنتاج والاستهلاك اللانهائية، إنه دعوة لإعادة النظر فى معنى أن نكون بشرا فى عصر يريد منا أن نكون آلات تعمل بلا توقف، النوم هو تذكير يومى بأن هناك حدا طبيعيا لا تستطيع الرأسمالية تجاوزه، وأن المقاومة تبدأ من أبسط حقائق وجودنا البيولوجي.
الكتاب يفضح محاولات الرأسمالية المعاصرة لاستعمار آخر ملاذ طبيعى للإنسان، ويستعرض التحول التاريخى للنوم من إيقاع طبيعى إلى عائق أمام الإنتاج، والمحاولات العسكرية والتكنولوجية للسيطرة عليه، كما أنه ليس مجرد تحليل اقتصادى، بل صرخة تحذيرية من مستقبل قد نفقد فيه قدرتنا على الحلم، والتأمل، والانفصال عن دورة الإنتاج والاستهلاك اللانهائية.
فى عصر تنتشر فيه ثقافة العمل عن بعد، والتواصل الرقمى على مدار الساعة، والشاشات التى ترافقنا حتى فى الفراش، تحول النوم إلى مساحة لا تستطيع الرأسمالية اختراقها، فنحن نعمل، نستهلك، ننتج، نشارك فى شبكات التواصل لكن، عندما ننام نصبح خارج الشبكة، خارج السوق، خارج السيطرة، وهذا هو التهديد الحقيقى للنظام الحالي: النوم هو الفعل الوحيد الذى لا يمكن تحويله إلى سلعة، لا يمكنك شراء أو بيع النوم، لا يمكنك استغلال شخص نائم، لا يمكنك بث الإعلانات فى عقله أثناء استراحته.
ولهذا، فإن الرأسمالية المتأخرة تشن حربا مفتوحة ضد النوم، تسعى إلى تقليصه، إلى تشويشه، إلى جعله أقل عمقا وأقل أهمية، هذه ليست مجرد عبارات عابرة، بل هى جزء من أيديولوجيا تروج باستمرار فى وسائل الإعلام، حيث يحتفى بالأشخاص الذين يعملون بلا توقف، وينظر إلى النوم وكأنه عقبة فى طريق النجاح، فكيف تحارب الرأسمالية النوم؟ منذ اللحظة التى نستيقظ فيها حتى اللحظة التى نضع فيها رؤوسنا على الوسادة، تحيط بنا شاشات صممت لجذب انتباهنا، وإبقائنا يقظين لأطول وقت ممكن!
تطبيقات الهواتف، الإشعارات التى لا تتوقف، منصات البث التى تعرض حلقات المسلسلات بشكل متتابع دون توقف، حتى طريقة تصميم وسائل التواصل الاجتماعى تعتمد على الإدمان الرقمى، حيث تتم برمجة المحتوى ليحفز الدماغ ويمنعه من الانفصال، نحن اليوم نعيش فى عالم، حيث “الإيقاف التلقائي” لم يعد خيارا.
لا شيء ينتهى من تلقاء نفسه: الفيديو التالى يبدأ فور انتهاء الأول، الأخبار تتجدد بلا توقف، والبريد الإلكترونى يستمر فى المطالبة بانتباهك حتى بعد ساعات العمل الرسمية، إنها دورة لا نهائية تبقى العقل فى حالة تأهب دائم، ما يجعل النوم السليم أمرا شبه مستحيل.
فى ثقافة اليوم، النوم ينظر إليه على أنه ترف لا ضرورة، وكل الدراسات تؤكد أن قلة النوم تؤدى إلى انخفاض الإنتاجية، وتراجع الصحة النفسية، وتقصير العمر، ومع ذلك، فإن النظام الاقتصادى الحالى لا يريدك أن تفكر بهذه الطريقة، لأنه بحاجة إلى أشخاص منهكين، غير قادرين على مقاومة إيقاع الاستهلاك والعمل المستمر.
فى العصور القديمة، كان النوم فعلا اجتماعيا وروحيا، كانت هناك طقوس للنوم، للحلم، للراحة، لم يكن النوم مجرد “فترة انقطاع” بل كان جزءا من دورة الحياة الطبيعية، الناس كانوا ينامون بشكل متقطع، يتأملون فى الليل، يعيشون فى تناغم مع الطبيعة، لكن اليوم، أصبح النوم مجرد ضرورة مزعجة، نحاول تقليصها قدر الإمكان، عدد ساعات النوم انخفض بشكل حاد خلال القرن الماضى، ومعه انخفضت جودة الحياة.
الأرق أصبح ظاهرة جماعية، مشاكل النوم تضاعفت، والقلق أصبح مرض العصر والأسوأ أننا لم نعد نعرف كيف نرتاح، حتى عندما نحصل على وقت فراغ، فإننا نملؤه بالشاشات، بالضوضاء الرقمية، بجرعات متواصلة من المحتوى الذى يُبقى عقولنا مستيقظة بلا توقف.
نحن لسنا آلات، نحن كائنات بشرية لها إيقاعها الطبيعى، حاجاتها العميقة، ومساحاتها الخاصة التى يجب ألا تستباح، والنوم، برغم بساطته الظاهرية، قد يكون آخر مساحة حقيقية نستطيع فيها أن نكون أحرارا، فى عالم لا يتوقف، فإن النوم أصبح فعل مقاومة.. أن تغلق هاتفك، أن تنام فى وقت مناسب، أن تسمح لعقلك بالراحة، هى كلها أفعال تتحدى النظام الرأسمالى الرقمى الذى يريدك متصلا طوال الوقت.
هذا الكتاب يؤكد أننا نعيش فى زمن يعمل فيه النظام العالمى على مدار الساعة (24 ساعة فى اليوم، 7 أيام فى الأسبوع) هذا النظام لا يعترف بالراحة، أو التوقف، أو حتى الليل، والهدف هو جعل الإنسان فى حالة استهلاك أو إنتاج دائمة، فالنوم وقت يتوقف فيه الإنسان عن الشراء، والبيع، ويتحدث الكتاب عن التكنولوجيا (الهواتف، الإنترنت) وكيف تجعلنا متصلين دائما بالعمل والسوق، ما يؤدى إلى فقدان “الوقت الخاص” الذى كان الإنسان يقضيه فى التأمل أو الراحة الحقيقية.
الكتاب لا يهاجم التكنولوجيا لذاتها، بل يحلل كيف أثرت على بيولوجيا الإنسان وعاداته اليومية، إنه كتاب يجعلك تعيد التفكير فى أهمية “إغلاق عينيك” والابتعاد عن الشاشة كفعل من أفعال المقاومة للحفاظ على إنسانيتك، فعلى امتداد القرن العشرين شهدنا محاولات مستمرة لتقليص مدة النوم، النوم الذى يذكرنا بعصر ما قبل الحداثة، الذى لم يتجاوزه أحد تماما، وبعالم الزراعة الذى بدأ يتلاشى قبل 400 عام فلم يكن النوم شيئا متجانسا، بل إنه اتخذ على مر القرون أنماطا متنوعة.
أصبح النوم أدنى قيمة فى مواجهة امتيازات الوعى والإرادة ومفاهيم المنفعة والموضوعية والمسئولية التى تخدم المصلحة الذاتية، فبالنسبة لجون لوك كان النوم انقطاعا مؤسفا، وإن كان لا مفر منه للأولويات التى قصدها الله للبشر: أن يكونوا مجتهدين وعقلانيين.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
قبل أن تتآكل الروح التى بنيت من أجلها «الأكاديميا المظلمة».. هكذا تموت الجامعات
د. عبد العزيز المسلم رئيس معهد الشارقة للتراث: الأجهزة الرقمية.. أحدثت
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام