رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأثنين 12 اكتوبر 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
حياة الناس
عندما ترهن الدول سيادتها التقنية لدى سحابات عمالقة التكنولوجيا.. الاستعمار الرقمى.. احتلال بلا جيوش
21-9-2026
|
22:34
محمد عيسى
الخوارزميات «بنادق السيليكون» للسيطرة على السيادة الرقمية للأمم والتحكم فى مقدراتها
الأمم المتحدة: تبنى برامج «التحول الرقمى» وحفظها لدى سحابات شركات التكنولوجيا يجعل الدولة «مستعمرة بالكامل»
«البيانات» ثروة العصر الأكثر بريقًا والغنيمة التى يبحث عنها «المستعمرون الرقميون»
الاستعمار الرقمى لا يحتاج إلى إرسال جنود أو توقيع معاهدات إذعان.. والثروات التقليدية مثل الذهب والنفط لم تعد مطمعاً للمستعمر
المعلومات «نفط العصر» تتحول من نتاج ثانوى للتقدم التكنولوجى إلى معادل معاصر لعمليات الاستيلاء على الأراضى
«القفل التكنولوجى» يجعل الكوادر المحلية عاجزة عن صيانة المنظومة أو فهم تفاصيلها دون الرجوع لشفرات الشركة العالمية
فى حال عدم قدرة الدولة على دفع تكلفة إيجار السحابة تواجه مخاطر انقطاع الخدمات وتعرض استقرارها لهزات حقيقية
التخلص من الاستعمار الرقمى يبدأ ببناء مراكز بيانات وطنية وتأهيل كوادر محلية قادرة على تأمين السيادة الرقمية لبلادها
جارتنر للأبحاث: ثلاث شركات أمريكية عملاقة تسيطر على 70% من سوق الحوسبة السحابية وأسرار البنية التحتية فى العالم
الوكالة الأوروبية للأمن السيبرانى: خدمات الإيجار التى تقدمها شركات التقنية تخالف معايير الانتقال السلس بين المزودين وأصحاب البيانات
القبول بتخزين البيانات فى الخارج يمثل تكريسًا لهيمنة أجنبية طويلة الأمد على البنى التحتية
مع مطلع القرن الحادى والعشرين، شهد العالم انقلابًا صامتًا وجذريًا، وعميق الأثر فى بنية الاقتصاد العالمى ومعادلات القوة، لم يعد استعمار الدول يحتاج إلى حروب تدار بالدبابات والطائرات، ولم تعد مصادر الثروة الحقيقية مقتصرة على الذهب، أو النفط والغاز، حيث نشأ اقتصاد جديد كليًا غير المفهوم التقليدى للاستعمار، اقتصاد يعتمد على مادة خام دقيقة، غير مرئية بالعين المجردة، لكنها باتت القيمة الأكثر حيوية وسطوة فى تاريخنا الحديث، وهى"البيانات" نفط العصر كما يطلق عليها الخبراء.
وفى قلب هذا التحول، برز مصطلح «الاستعمار الرقمى» Digital Colonialism حيث تشير تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، إلى أن هذا الاستعمار الجديد لا يحتاج من المستعمر إرسال جنود، أو إنشاء قواعد عسكرية، أو توقيع معاهدات إذعان تقليدية على أراضى الدول المستهدفة؛ بل يكفى تمامًا أن تتبنى تلك الدول برامج «التحول الرقمى» المتسارعة بلا خطط سيادية واضحة، وأن تضع كل بيانات مواطنيها، ومؤسساتها، وحكوماتها، ومصارفها، فى قبضة «سحابات رقمية» تملكها وتديرها عدد قليل من شركات التكنولوجيا العابرة للقارات المتمركزة فى وادى السيليكون وعواصم غربية أخرى.
ويبقى السؤال الأهم أمام صناع القرار تلك الدول: متى تحرر من غلال «الاستعمار الرقمى»، وتستعيد سيادتها الكاملة على أرضها.. وفى سماء سحاباتها الوطنية المستقلة؟
على مدار قرون طويلة انحصرت مفاهيم الاستعمار والتبعية فى إطار تقليدى ملموس ومحدد تمامًا، مثل احتلال عسكرى للأراضى، سيطرة مباشرة على المناجم وحقول النفط، وتحكم قسرى فى طرق التجارة الدولية. كان الغرض الأساسى دائمًا واضحًا ومكشوفًا للعيان، وهو استنزاف الموارد الخام من الدول النامية والناشئة، شحنها إلى الدول الكبرى لتصنيعها وتحويلها إلى سلع، ثم إعادتها فى شكل منتجات تامة الصنع، يتم بيعها إلى شعوب تلك الدول بأضعاف مضاعفة من قيمتها الأصلية.
لكن اليوم فى عصر تدار فيه مفاصل الاقتصاد العالمى، وتتحدد فيه قدرات الدول والديمقراطيات بالخوارزميات والبيانات، لم يعد متبقيًا أمام الحكومات فى الدول النامية والناشئة ترف التباطؤ، أو التعامل مع مشروعات "التحول الرقمي" باعتبارها مجرد إنجاز خدمى شكلى أو رفاهية إدارية، وترك مقدرات الأجيال المقبلة، وأسرار الدولة والمعلومات السيادية رهينة فى سحابات أجنبية تخضع لقوانين وقبضة عمالقة التكنولوجيا، فهذا هو الوجه الأخطر والأشد فداحة لـ"الاستعمار الرقمى".
هذا هو الاستعمار الجديد، حيث تبيع الدول -عن وعى أو بغير وعى- مقدرات أجيالها المقبلة بثمن بخس تحت شعار براق يسمى "الكفاءة التقنية وسرعة الإنجاز"، وحتى ندرك حجم الأضرار الاقتصادية الناتجة عن الاستعمار الرقمى، يجب أن العودة إلى الأرقام الصادمة لحجم البيانات التى يتم إنتاجها عالميًا، حيث تشير التقارير الصادرة عن مؤسسة البيانات الدولية، إحدى أقدم وأعرق مؤسسات أبحاث السوق التكنولوجى فى العالم، إلى أن حجم البيانات المنتجة عالميًا يسجل معدلات نمو غير مسبوقة، حيث تجاوز إجمالى حجم البيانات الجديدة والمستهلكة عالميًا عتبة 120 زيتابايت "الزيتابايت الواحد يعادل مليار تيرابايت)، وهذا الحجم يتضاعف بسرعة الصاروخ، ويتجاوز حاجز 180 زيتابايت وأكثر فى الأعوام القليلة المقبلة.
ويضف التقرير أن هذه التلال الهائلة والمتنامية بلا توقف من البيانات ليست مجرد أرقام عشوائية، بل تضم فى ثناياها أخطر أنواع المعلومات الحساسة، مثل السجلات الطبية والصحية الشاملة لملايين المواطنين، قواعد البيانات الضريبية الكاملة وتفاصيل الأصول والأملاك، المعاملات المصرفية وحركة الحسابات والأرصدة فى القطاع المالى، خرائط الحركة المرورية، وشبكات المياه والكهرباء، واللوجستيات الحيوية للبنية التحتية للدولة، والأنماط السلوكية، الاستهلاكية، والنفسية للمجتمعات والأفراد.
آلية الاستنزاف
فى الاقتصاد التقليدى، إذا استخرجت دولة ما طنًا من خام الحديد، فإنها تتقاضى عائدًا سياديًا، أو تفرض ضرائب تصديرية، وتحتفظ بنسبة كبيرة من القيمة المضافة لعملية التصنيع داخل حدودها. أما فى اقتصاد "الاستعمار الرقمى" الذى تحذر منه أيضًا تقارير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فإن الآلية تعمل بطريقة عكسية تمامًا ومجحفة بالكامل، حيث تقوم المنصات الرقمية والتطبيقات الحكومية التى تدار بخوادم أجنبية بجمع بيانات الأفراد والمؤسسات الوطنية مجانًا تمامًا، ودون أى تكلفة إنتاجية لصالح الشركة المالكة.
ويتم نقل هذه البيانات، عبر شبكات كابلات الألياف الضوئية العابرة للقارات لتخزينها ومعالجتها حصريًا، فى مراكز بيانات عملاقة تقع فى الولايات المتحدة أو دول غربية أخرى، بعد ذلك تقوم الشركات المالكة للبنية التحتية السحابية، بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعى وخوارزميات التحليل والتنبؤ الضخمة على هذه البيانات الوطنية، لتتحول البيانات الخام إلى "منتج معرفى ذكى"، وهنا تضطر الحكومات والشركات المحلية لاحقًا إلى شراء هذه الخدمات التقنية الجاهزة، وبرمجيات التحليل وحلول الذكاء الاصطناعى بمليارات الدولارات.
كما جاء تقارير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: نحن نمنح ثروتنا السيادية والمعلوماتية مجانًا للشركات العالمية العابرة للقارات، لنشتريه منها لاحقًا على شكل أدوات برمجية وحلول ذكاء اصطناعى باهظة التكلفة، وكأننا نمنحهم ذهبنا الخام مجانًا، لنشتريه منهم مصوغًا بأسعار خيالية!
الريع السحابى
عندما تقرر حكومة فى دولة نامية، أو ناشئة تحديث بنيتها التحتية الإدارية والخدمية، تقف أمام مفترق طرق؛ إما الاستثمار الرأسمالى المحلى لبناء مراكز بيانات وطنية مملوكة للدولة، تظل أصلًا مستدامًا للأجيال القادمة، أو اللجوء إلى عقود الإيجار التشغيلى السحابى مع عمالقة التكنولوجيا العالميين، مثل أمازون ومايكروسوفت وجوجل. وتقع كارثة الاستعمار الرقمى عند الاعتماد على خيار الإيجار التشغيلى، حيث تشير تقارير مؤسسة الأبحاث العالمية "جارتنر" بشأن تقنية المعلومات والبنية التحتية، أن ثلاثة عمالقة أمريكيين فقط (أمازون، مايكروسوفت، وجوجل) يسيطرون سيطرة شبه مطلقة على ما بين 65% إلى 70% من إجمالى سوق الحوسبة السحابية والبنية التحتية فى العالم بأسره، وهو ما يشير إلى احتكار واضح، يعكس ببساطة شديدة أن قرار تسعير الخدمات الرقمية، ورفع قيمة الاشتراكات، وفرض شروط التعاقد، لا يخضع لقواعد السوق التنافسية الطبيعية، بل يقع بالكامل فى يد هذه الشركات التى تملك وحدها حق التحكم فى الأسعار.
نزيف العملة الصعبة
وللأسف تختار العديد من الإدارات الحكومية الاعتماد على عقود الإيجار السحابى، وليست مجرد عملية شراء لمرة واحدة، بل فواتير دورية مستمرة (شهرية وربع سنوية وسنوية) يتم دفعها بالعملة الصعبة، مما يشكل ضغطًا هائلًا ومستمرًا على ميزان المدفوعات والاحتياطى النقدى للبلاد، حيث تحويل الأموال إلى حسابات الشركات السحابية عابرة القارات، فإن السيولة النقدية تخرج بالكامل من الاقتصاد المحلى إلى الخارج، دون أن تترك وراءها أى قيمة مضافة أو عوائد ضريبية حقيقية تدعم الخزينة العامة. لكن عندما تنفق الدولة على بناء مراكز بيانات وطنية على أراضيها، فإن هذه الأموال يتم إعادة ضخها مباشرة فى شرايين الاقتصاد المحلى، عبر توظيف المهندسين والفنيين المحليين، شراء مواد البناء والحديد، تنشيط قطاع المقاولات، ودفع الضرائب المحلية.
قانون السحابة الأمريكى
خطورة الاستعمار الرقمى لا تتمثل فقط فى البعد الاقتصادى والمالى فحسب، برغم فداحته، بل تمتد لتضرب بقوة فى عمق الأمن القومى، والاستخبارات، والقانون السيادى، حيث يعتقد المسئولون فى كثير من تلك الدول التى تفضل الإيجار السحابى، أن مجرد وضع بند فى العقود يشترط "تخزين البيانات جغرافياً داخل حدود الدولة" يكفى تمامًا لحمايتها من أى اختراق أو سيطرة خارجية، لكن الحقيقة القانونية والتقنية الصارمة، تفضح هذا الوهم وتنسفه من أساسه، قد يكون الخادم المادى الفعلى موجودًا بالفعل داخل مبنى حكومى محصن فى قلب العاصمة المحلية، لكن نظام التشغيل، وبرمجيات التشفير المتقدمة، ومفاتيح فك الأصفار الحساسة، تدار كليًا عن بُعد بواسطة مهندسى الشركة الأجنبية، وإذا كان مزود الخدمة السحابية شركة أمريكية النشأة والتأسيس، فإنها تخضع خضوعًا تامًا للقوانين العابرة للحدود الخاصة بدولتها الأم، بغض النظر عن القوانين السيادية المحلية للدولة التى تحتضن الخوادم على أراضيها.
لإثبات هذا الخطر بالأدلة القانونية والتشريعية القاطعة التى لا تقبل الشك، تشير الوثائق الرسمية للتشريعات الأمريكية إلى قانون الاستخدام الخارجى للبيانات، والمعروف اختصاراً بـ "قانون السحابة"، والذى أقره الكونجرس الأمريكى فى مارس عام 2018، ينص بوضوح على أن تلتزم شركات الاتصالات وتقنية المعلومات الأمريكية، بتسليم أى بيانات تخزنها أو تديرها (سواء كانت مخزنة فعلياً داخل الولايات المتحدة أم فى أى دولة أخرى بالعالم) متى تلقت أمرًا قضائيًا، أو مذكرة تفتيش، أو طلبًا استخباراتيًا أمريكيًا، ودون أدنى حاجة لإخطار الحكومة المحلية التى توجد فيها البيانات فعلياً على أراضيها.
هذا النص التشريعى الصريح يعنى باختصار أن، الملفات الصحية والدوائية الحساسة للمواطنين، السجلات الضريبية والمالية والمصرفية، المراسلات الحكومية الإستراتيجية، والتحقيقات القضائية والأمنية السرية، المخزنة على سحابات الشركات الأمريكية، يمكن أن يتم سحبها، ونقلها، لتطلع عليها أجهزة الاستخبارات والقضاء الأجنبى فى أى لحظة، ودون أن تملك الحكومة المحلية القدرة القانونية أو التقنية على منع ذلك، أو حتى معرفة أن بياناتها قد تم انتهاكها.
فخ «القفل التكنولوجى»
إذا تنبهت أى دولة لمخاطر هذا الاستعمار الرقمى، وقررت استعادة سيادتها، فسوف ستواجه الصدمة الكبرى، أنها وقعت فى فخ هندسى تقنى محكم يعرف بـ"القفل التكنولوجى"، والذى أشارت إليه وكالة الاتحاد الأوروبى للأمن السيبرانى، ومبادرة السحابة الأوروبية الموحدة، حيث إن شركات التقنية الكبرى لا تقوم بتقديم خدمات تتوافق مع المعايير المفتوحة التى تسهل الانتقال السلس بين المزودين وأصحاب البيانات، وإنما تبنى التطبيقات -وخصوصًا- الحكومية الرقمية والمنظومات الإدارية باستخدام بيئات برمجة مغلقة ومحتكرة تابعة لشركة معينة وحدها، بحيث لا تتوافق مع أى أنظمة أخرى، بحيث تقف الكوادر التقنية والمبرمجون المحليون عاجزين تمامًا عن صيانة المنظومة، أو تعديلها، أو فهم تفاصيلها العميقة دون الرجوع لشفرات الشركة العالمية الأم.
الشلل التشغيلى
كما تؤكد دراسات الجدوى التقنية الصادرة عن هيئات الأمن السيبرانى الأوروبية، أن محاولة دولة ما سحب بياناتها وقواعد معلوماتها الحكومية الضخمة من سحابة شركة عالمية، وإعادة توطينها فى مركز بيانات وطنى مستقل تواجه عقبات هائلة ومكلفة للغاية، حيث تتطلب عملية الهجرة تكلفة مالية ضخمة توازى أضعاف تكلفة التأسيس الأولية، بسبب شروط الجزاءات التعاقدية، وتكاليف إعادة كتابة ملايين الأسطر من البرمجيات، وتدريب الكوادر من جديد.
وفى حال عدم قدرة الدولة على الوفاء بتلك التكلفة المالية، ستواجه مخاطر انقطاع الخدمات الرقمية الحكومية الحيوية أثناء عملية النقل وانهيار قواعد البيانات، ما يعرض استقرار إدارة الدولة وهيبتها لهزات حقيقية، مما يجبر صناع القرار فى تلك الدولة فى النهاية، على غض الطرف والرضا رغمًا عنهم بالاستمرار فى دفع الفواتير الباهظة للشركة الأجنبية.
التخلص من الاستعمارالرقمى
الوقوع فى فخ الاستعمار الرقمى، ليس قدرًا محتومًا لا يمكن الفكاك منه، بل هناك مسارات سيادية حقيقية تبنتها تكتلات ودول واعدة للتحرر والانتقال نحو استعادة السيادة، وذلك عبر تبنى إستراتيجية "السحابة السيادية المفتوحة"، التى ناقشتها مبادرات عديدة، مثل مبادرة "Gaia-X" الأوروبية، التى تم إطلاقها فى عام 2020 بهدف إنشاء بنية تحتية آمنة وموحدة للبيانات والحوسبة السحابية، وتهدف إلى منح الشركات والأفراد سيادة كاملة على بياناتهم وربط مزودى خدمة السحابة ببعضهم بطريقة شفافة ومفتوحة بعيدًا عن هيمنة الشركات الكبرى. ولتحقيق أهداف تلك المبادرة، يجب توجيه الاستثمار الحكومى نحو بناء مراكز بيانات وطنية ضخمة، تملكها وتديرها الدولة بالكامل، وتعتمد فى تشغيلها على البرمجيات مفتوحة المصدر، حيث يتيح هذا النهج للكوادر المحلية الاطلاع على الشفرات البرمجية بالكامل، والاحتفاظ بمفاتيح التشفير محليًا، وتحقيق الاستقلال الكامل دون أى وصاية خارجية.
وإضافة إلى توجيه الاستثمارات، يجب سن تشريعات وطنية صارمة تمنع تخزين أو إدارة أى بيانات تخص القطاعات الحرجة والحساسة (الأمن، الصحة، الضرائب، القضاء، والمالية) خارج الحدود الجغرافية للدولة، أو على خوادم تدار بموجب قوانين أجنبية عابرة للحدود، مع فرض عقوبات صارمة للغاية على أى جهة تخالف هذه الضوابط.
وفى حال إبرام الدولة أى مناقصة أو عقد حكومى للتحول الرقمى مع الشركات العالمية الكبرى، يجب إدراج بند "إلزامية نقل المعرفة فى العقود الحكومية" كشرط أساسى فى العقد، بحيث يكون تدريب وتأهيل المهندسين والكوادر التقنية المحلية تدريبًا عميقًا على إدارة الشفرات، ونقل المعرفة الفنية الكاملة، لضمان قدرة الدولة على الاستغناء عن المزود الأجنبى فى أى وقت تختاره دون حدوث أى انهيار أو شلل تشغيلى فى مرافق الدولة.
الاستعمار الرقمى والأمن البشرى فى غرب إفريقيا
يتخذ التكالب على إفريقيا فى القرن الحادى والعشرين طابعًا غير مرئى، فهو لا يُمارس عبر جيوش الاحتلال أو الاستيلاء على الأراضى، بل من خلال الخوارزميات والبنى التحتية الرقمية العامة، وعمليات الاستخلاص المتواصلة للبيانات البيولوجية والشخصية. تقدم دراسة "الاستعمار الرقمى والأمن البشرى فى غرب إفريقيا: دراسة حالة لغانا" -التى أعدها كل من كريستوفر نويورو، وجورج جيادر، وفرانك كانيجينى تينج-زينج- تحليلًا نقديًا لكيفية إعادة تشكيل الاستعمار الرقمى لركائز الأمن البشرى فى غانا وعموم منطقة غرب إفريقيا. ويجادل المؤلفون بأن استخلاص البيانات - الذى كان يتم النظر إليه سابقًا باعتباره مجرد نتاج ثانوى للتقدم التكنولوجى - قد أصبح المعادل المعاصر لعمليات الاستيلاء التاريخية على الأراضى، حيث تتم مصادرة الحياة البشرية ذاتها من خلال تحويلها إلى بيانات.
يكشف الكتاب أيضًا عن التوتر العميق الكامن فى صميم ممارسة الحكم فى إفريقيا، إذ يجد القادة أنفسهم عالقين بين رغبة جامحة فى تحقيق السيادة السياسية، وبين الحقائق القاسية للتبعية الاقتصادية الكلية. كما يشير إلى آليتين متميزتين للاستحواذ تعيدان حاليًا تشكيل المشهد الرقمى فى غانا. يتسم نموذج "القوة الصلبة" بطابع تبادلى عدوانى، ويتجلى بوضوح فى مطالبة الولايات المتحدة بالحصول على حق الوصول إلى أنظمة البيانات الصحية الوطنية لعقود من الزمن مقابل تقديم مساعدات صحية، وقد أظهر رفض غانا الجرىء لاتفاقية صحية أمريكية بقيمة 109 ملايين دولار فى إبريل 2026، حيث رفضت التنازل عن البيانات الشخصية للمواطنين- تنامى المقاومة لهذا النموذج.
كما يسلط المؤلفون الضوء أيضًا على نموذج أكثر خفاءً ومكرًا يُعرف بـ "القوة الناعمة" وتتبناه فرنسا، حيث يتم دمج منصات رقمية صممها أطراف أجنبيون فى صميم البنية التحتية الوطنية. فعندما قبلت غانا "المنصة الصحية الوطنية" الفرنسية فى إبريل 2026، أدى اعتماد هذا النظام الموحد والمملوك لجهة خارجية، إلى نقل إدارة ما يشبه "الجهاز العصبى المركزى" للبلاد إلى أيد خارجية، إذ إن قبول نظام بُنى فى الخارج لا يمثل بناءً للقدرات، بل يكرس هيمنة أجنبية طويلة الأمد على البنية التحتية. وتكشف هذه المفارقة عن حدود الأيديولوجيا فى عالم يتسم بعدم المساواة، إذ لا يمكن ممارسة سيادة رقمية كاملة فى ظل الأزمات المالية. ويستكشف كتاب «الاستعمار الرقمى والأمن البشرى فى غرب إفريقيا» كيف تتقاطع آليات الاستحواذ هذه مع تهديدات أوسع نطاقاً تواجه الأمن البشرى.
مخاطر الاستعمار الرقمى
■ تعريض الأمن القومى والمعلومات السيادية للدولة للاطلاع الخارجى الفورى، حيث إن ما بين 65% إلى 70% من السحابات العالمية مملوكة لـ 3 شركات أمريكية.
■ لاحصانة للبيانات المخزنة على سحابى تلك الشركات، حيث خضوع البيانات لقوانين أجنبية عابرة للحدود، مثل قانون "السحابة الأمريكى" الذى صدر عام 2018.
■ فقدان القدرة السيادية للدولة على توجيه مسار الرقمنة بسبب التحكم الكامل لتلك الشركات فى البنية التحتية للدولة، وتكريس التبعية الأبدية لها وعجز الكوادر المحلية عن التشغيل.
■ استنزاف الاحتياطى النقدى الأجنبى فى تلك الدولة مع غياب الأصول المستدامة فى قطاع الرقمنة، حيث تخرج مليارات الدولارات دوريًا كرسوم تشغيل سحابية
■ «القفل التكنولوجى» يجعل الانتقال السلس لتلك البيانات يبدو مستحيلا، دون دفع مبالغ مالية صخمة، واحتمال حدوث شلل تشغيلى أثناء عملية الانتقال أمر وارد بنسبة كبيرة.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
مزارات فريدة بأجمل مدينة أثرية فى العالم الأقصر.. مدينة الـ 100 باب
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام