نحن والعالم



بين هدنة الأسواق والتنافس السياسى.. واشنطن وبكين.. صراع القوة والنفوذ

25-9-2026 | 22:47
هانى فاروق

قمة ترامب وشى جين بينج تؤسس لدبلوماسية احتواء الصدمات ونزع فتيل المواجهة الشاملة
 
لم تكن القمة الصينية - الأمريكية بين الرئيسين دونالد ترامب وشى جين بينج مجرد محطة تفاوضية عابرة، بل جاءت لتكرس تحولًا مفصليًا فى إدارة العلاقات بين القوتين الأكبر عالميًا، بنقلها من مجرد هدنة تكتيكية مؤقتة إلى صيغة إدارة منظمة ومحسوبة للصراع، فى قمة عنوانها شراكة الاضطرار، وكيف تحولت من بحث عن سلام دائم إلى هندسة دقيقة للصراع.
 على الرغم من عمل القمة فى كبح جماح الحرب التجارية والتوافق على صفقات اقتصادية وتفاهمات إستراتيجية بشأن التكنولوجيا والمعادن النادرة، فإن هذه المخرجات لا تعنى حسم القضايا الهيكلية أو إنهاء الخلافات الجيوستراتيجية الشائكة حول تايوان والذكاء الاصطناعى وخطوط النفوذ الدولى.
هذه القمة جاءت لتؤكد أن المصالح الاقتصادية المتبادلة قادرة على فرض التهدئة وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، لكنها تعجز عن إزالة رواسب الشك، ليخرج العالم منها بمتنفس مؤقت وقواعد لعبة جديدة، تهدف إلى ضبط إيقاع التنافس ومنع انزلاقه إلى صراع مفتوح، دون أن تغلق ملفات الخلاف الكبرى أو تفتح صفحة جديدة بالكامل. 
يؤكد الدكتور فرنك مسمار، أستاذ العلاقات الدولية والاقتصاد السياسى ورئيس المجلس الاستشارى بجامعة ميريلاند الأمريكية، أن القمة الأمريكية - الصينية بين الرئيسين دونالد ترامب وشى جين بينج، تعد من أهم القمم التى جمعت الزعيمين خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب الملفات التى طرحت على جدول أعمالها، وإنما لأنها تأتى فى مرحلة شديدة الحساسية من التنافس بين واشنطن وبكين، الذى انتقل من التجارة إلى التكنولوجيا والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعى والأمن الإقليمى.
أوضح أن القمة يمكن قراءة نتائجها من خلال ثلاثة مسارات رئيسية، تبدأ من مجرد تمديد الهدنة التجارية، مرورًا بهدنة أكثر تنظيمًا تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا، وصولًا إلى اختراق شامل يظل الأكثر صعوبة، مشيرًا إلى أن المسار الأول يتمثل فى تمديد الهدنة التجارية، والإبقاء على حالة التهدئة التى أعقبت التفاهمات السابقة بين واشنطن وبكين، بما يمنع العودة إلى حرب رسوم جمركية واسعة، خصوصًا الرسوم التى يمكن أن تتجاوز حاجز الـ٪100، وهذا المسار قد يترافق مع خطوات اقتصادية محدودة، من بينها زيادة المشتريات الصينية من المنتجات الأمريكية، وفى مقدمتها الطائرات، مشيرًا إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة، هو إعلان الصين شراء نحو 200 طائرة بوينج كدفعة أولى من صفقة يمكن أن تصل فى مراحلها اللاحقة إلى نحو 500 طائرة من طراز 737 MAX.
أضاف أن مثل هذه الصفقات تحمل دلالة تتجاوز قيمتها الاقتصادية المباشرة، لأنها يمكن أن تمثل رسالة سياسية على استعداد بكين لاستخدام التجارة كأداة لخفض التوتر مع واشنطن، وفى المقابل يمكن أن يقدمها ترامب، باعتبارها مكسبًا اقتصاديًا وصناعيًا أمريكيًا، مشيرًا كذلك إلى إمكانية خفض محدود لبعض الرسوم على السلع غير الإستراتيجية، إلى جانب التزامات صينية بتحسين إمدادات المعادن النادرة، بما يساعد على تخفيف المخاوف المتعلقة بسلاسل الإمداد العالمية.
يرى مسمار أن المسار الثانى يتمثل فى الانتقال من مجرد تمديد الهدنة التجارية إلى هدنة أكثر تنظيمًا، تقوم على تفاهمات قابلة للقياس فى ملفات التجارة والتكنولوجيا والمعادن النادرة، مع إبقاء الملفات الأمنية الأكثر حساسية تحت سقف التصعيد المحسوب، موضحًا أن الجانب الاقتصادى يمكن أن يشمل إعلانًا بشأن زيادة المشتريات الزراعية الصينية من الولايات المتحدة، وإزالة بعض الحواجز غير الجمركية أمام المنتجات الأمريكية، إلى جانب آليات أكثر وضوحًا لتنفيذ الالتزامات المتبادلة.
فى ملف المعادن النادرة، أشار إلى أنها تمثل واحدة من أهم أوراق القوة الصينية، فى الوقت الذى تحتاج فيه الصناعات الأمريكية، ومنها السيارات والإلكترونيات والصناعات الدفاعية، إلى هذه المواد، قائلًا إن واشنطن لا تبدو مستعدة لمقايضة تخفيف القيود الأمريكية على تصدير التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين مقابل حصولها على المعادن النادرة، وإنما تسعى إلى الحصول على التزامات صينية واضحة وجدول زمنى يمكن قياسه والتحقق من الالتزام به.
فى ملف تايوان، أكد د. فرانك مسمار، أن أى تفاهم أمريكى - صينى سيظل محكومًا بدقة هذا الملف، موضحًا أن بكين تسعى إلى دفع واشنطن نحو صياغة أكثر وضوحًا فى معارضة استقلال تايوان، مشيرًا إلى أن الانتقال فى الخطاب الأمريكى من عبارة مثل «لا ندعم استقلال تايوان» إلى عبارة أكثر وضوحًا مثل «نعارض استقلال تايوان» سيكون تحولًا سياسيًا مهمًا، وقد يثير نقاشًا واسعًا داخل الكونجرس، وبين الحلفاء الآسيويين للولايات المتحدة، فالقضية لا تتعلق باللغة الدبلوماسية وحدها، وإنما ترتبط مباشرة بمستقبل التوازن الأمنى فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ، وبمستوى التزام واشنطن تجاه تايوان.
يرى الدكتور فرانك مسمار، أن المفاوضات الأمريكية - الصينية تجاوزت أبعادها الاقتصادية التقليدية لتدخل فى مرحلة إدارة المخاطر الشاملة، حيث تبرز ملفات الفنتانيل وإيران كعوامل معقدة، تُلقى بظلالها على أى تفاهم مرتقب، فمن جهة، تضغط واشنطن باتجاه تجفيف مصادر المواد الكيميائية الأولية المُصنعة فى الصين والتى تُغذّى شبكات تهريب الفنتانيل عبر الكارتلات المكسيكية، متداركةً أبعاد هذه القضية القومية داخل المجتمع الأمريكي. ومن جهة أخرى، يظل التنسيق الاقتصادى بين بكين وطهران، خصوصًا عبر شبكات الالتفاف على العقوبات، محل رصد وقلق بالغين فى الأوساط الأمريكية، والشواهد تؤكد أن أى اتفاق بين الطرفين، لن يكون مجرد صفقة تجارية منفصلة، بل يأتى كجزء من إستراتيجية أوسع لخفض نقاط الاحتكاك وتجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.»
يضيف: أما المسار الثالث، فيتمثل فى اختراق كبير يقود إلى صفقة شاملة، تجمع بين التجارة والمعادن النادرة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تفاهمات أكثر وضوحًا بشأن تايوان، وهذا السيناريو هو الأصعب، لأن الوصول إليه يتطلب معالجة ملفات إستراتيجية عميقة لا تتعلق بالخلاف التجارى فقط، وإنما بمستقبل النظام الدولى والتفوق التكنولوجى والنفوذ العسكرى والأمني، موضحًا أن مساحة المناورة لتحقيق اختراق شامل تظل محدودة، لأن واشنطن وبكين لا تتفاوضان فقط حول أسعار السلع أو الرسوم الجمركية، وإنما حول شكل العلاقة بين قوتين تتنافسان على النفوذ العالمى.
حول ما إذا كانت القمة يمكن أن تمنح العالم «هدنة جيوسياسية»، أكد مسمار أن القمة تمثل هدنة تكتيكية وليست هدنة إستراتيجية، فهى عملت إدارة أعراض الصراع، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة أسبابه البنيوية، مشيرًا إلى أنه فى حال نجاح القمة فى تثبيت الرسوم، وزيادة المشتريات الصينية من الولايات المتحدة، وتحسين تدفقات المعادن النادرة، وتهدئة المنافسة التكنولوجية، وتجنب التصعيد حول تايوان، سيمنح الأسواق وسلاسل الإمداد العالمية مساحة من الهدوء، لكن هذا الهدوء لا يعنى انتهاء الصراع، لأن الخلافات البنيوية بين القوتين ستظل قائمة، وقد تنتقل فى مرحلة لاحقة إلى ملفات أخرى مثل أشباه الموصلات، وبحر الصين الجنوبي، والفضاء.
أكد أن المصالح الاقتصادية قادرة على فرض قدر من التهدئة على المنافسة الإستراتيجية، لأن الدخول فى حرب تجارية شاملة، ستكون تكلفته مرتفعة على الطرفين وعلى الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن الصين تحتاج إلى الأسواق والتكنولوجيا، فيما تحتاج الولايات المتحدة إلى سلاسل توريد مستقرة وإلى المعادن النادرة والأسواق الصينية، وهو ما يجعل الاقتصاد عاملًا ضاغطًا باتجاه التهدئة.
شدد على أن المصالح الاقتصادية تستطيع أن تفرض عدم الانفجار، لكنها لا تفرض الثقة، وبالتالى فإن التفاهمات الاقتصادية يمكن أن تحد من التصعيد دون أن تنهى التنافس الإستراتيجى.
فى ملف الذكاء الاصطناعى، يرى د. فرانك مسمار أن هناك مفارقة مهمة، فالذكاء الاصطناعى هو فى الوقت نفسه ساحة تنافس حادة بين واشنطن وبكين، ومجال يمكن أن يفرض قدرًا محدودًا من التعاون، موضحًا أن الطرفين لديهما مصلحة مشتركة فى منع الاستخدامات الخطرة للذكاء الاصطناعي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأسلحة النووية والأنظمة العسكرية والأمن السيبراني، لكن التعاون فى تطوير النماذج المتقدمة نفسها يبدو أكثر صعوبة فى ظل الصراع على أشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة، ولذلك، فإن السيناريو الأكثر واقعية هو التعاون على قواعد السلامة، ومنع الاستخدامات الخطرة، وإنشاء قنوات اتصال سريعة لتجنب سوء الفهم والحوادث، وليس إنهاء المنافسة التكنولوجية بين البلدين.
يؤكد مسمار أن الاختبار الأهم للقمة ليس فقط حجم الاتفاقات الاقتصادية، وإنما ما إذا كان ترامب وشى جين بينج قادرين على وضع قواعد تمنع انتقال التنافس من المجال الاقتصادى والتكنولوجى إلى المواجهة العسكرية، مشيرًا إلى أن إعادة تفعيل قنوات الاتصال العسكرى المباشر، ووضع آليات للتعامل مع الحوادث والأزمات، والحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة فى أوقات التوتر، يمكن أن تكون عناصر أساسية فى منع سوء التقدير، مشيرًا إلى أن قضية تايوان تظل الاختبار الأصعب، لأن أى حادث عسكرى أو تغيير مفاجئ فى الوضع القائم، يمكن أن يدفع العلاقات إلى مسار يصعب احتواؤه.
اختتم د. فرانك مسمار بالتأكيد أن النتيجة الأكثر واقعية لأى تفاهم أمريكى - صينى ليست إنهاء المنافسة، وإنما تنظيمها، بحيث تستمر واشنطن وبكين فى التنافس اقتصاديًا وتكنولوجيًا وإستراتيجيًا، لكن داخل قواعد تمنع تحول هذا التنافس إلى صراع مفتوح.
 
الاقتصاد جوهر المنافسة
من جهته، يرى الدكتور جاد رعد، خبير العلاقات الدولية والشئون الآسيوية، أن التهدئة هى جل ما يطمح إليه الطرفان، مشيرًا إلى أن القمة الصينية - الأمريكية لها حظوظ جيدة، لا سيما أنها جاءت قبيل انتخابات مفصلية للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى يسعى إلى توظيف مخرجات القمة بما يخدم مصالحه الانتخابية، كما أن الصين تدرك جيدًا أن صفقات السلاح الأمريكية لتايوان لن تتوقف، وفى المقابل فإن سياسة تقطير صادرات المعادن النادرة لن تتراجع، وبعدما أعلنت واشنطن رسميًا عن إجراءات اقتصادية إضافية، فإن بكين لا تهدف إلى خوض مواجهة صفرية مع واشنطن، لذلك يمكن القول إن الهدنة حتمية، أما نسيان الماضى فمستحيل.
يؤكد أن حسابات الربح والخسارة، عسكريًا وسياسيًا، يصح احتسابها على الأسس والخلفيات الاقتصادية، والعكس ليس صحيحًا، معتبرًا أن المنافسة الإستراتيجية الحقيقية، هى فى جوهرها منافسة على المصالح الاقتصادية، وأن أياً من الطرفين لن يتهاون فى مصالحه، وإن كانت الهدنة فى بعض الأحيان ضرورية لغايات تكتيكية، لكنها لن تأتى بالمجان.
يوضح أن الصين قد تقبل بالتعهد بشراء بعض المنتجات الأمريكية، بما يسمح للرئيس ترامب وحزبه باقتناص مكاسب انتخابية، لكن العبرة، تبقى فى خواتيم الأمور، مستشهدًا فى هذا السياق بتجربة صادرات محاصيل الصويا من الولايات المتحدة إلى الصين، معتبرًا أن القادم قد يكون أكبر، ولكن ضمن إطار الإبقاء على الحد الأدنى من التفاهم.
يشير رعد إلى أن ترامب يعلم، قبل غيره، أنه برغم الإجراءات الضريبية والرسوم التى اتخذتها إدارته، فإن صادرات الصين زادت، مرجعًا ذلك إلى التهافت على شراء المنتجات بهدف التخزين، فيما دفع المستهلك الأمريكى فارق السعر، فكلا الطرفين يختلفان حول أطر إدارة الصراع وترتيب المواثيق والاتفاقات ذات الصلة، لكنهما يتفقان، على أن الحلول النهائية، أو فتح صفحة جديدة بيضاء، أصبحت جميعها من المستحيلات، حتى لما بعد عهد ترامب.
فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعى، يرى أن هذا المجال يتحول إلى سياقات وسباقات أكثر تعقيدًا مع كل تقدم علمى وابتكارى وتطبيقي، وأن الصراع فيه لا يبدو قابلًا للتراجع، مرجعًا ذلك، من بين أسباب أخرى، إلى أن البنية التحتية فى الصين أكثر حداثة وأوسع انتشارًا، بما يجعلها، وفق تقديره، أكثر قابلية للتطوير السلس فى هذا المجال، مقارنة بالبنية التحتية الموجودة فى الدول الغربية، سواء الولايات المتحدة أم الدول الأوروبية، فالصين تحصنت وتعلمت جيدًا من تجربتها مع الانتشار العالمى للجيل الخامس، وما رافق ذلك من عناوين وضغوط وصراعات، وهو ما يجعلها، بحسب رؤيته، أكثر استعدادًا للتعامل مع السباق التكنولوجى الجديد.
على الصعيد العسكرى، يؤكد رعد أن ترامب وشى جين بينج، يدركان أن التوقيت الحالى لا يناسب أى مواجهة عسكرية، فالولايات المتحدة، لا تريد رفع الكلفة التى أرهقتها، فى ظل غياب حلول تلوح فى الأفق المنظور بشأن إيران، بينما تطمح بكين إلى الوصول بمشروعاتها الخاصة بتطوير قدراتها العسكرية إلى خط النهاية دون أى مخاطر، مشيرًا إلى أن الصين استخلصت أكثر من عبرة من نجاح أدوات غير عسكرية فى التأثير، مستشهدًا فى هذا الإطار ببيع سندات الديون الأمريكية لعدة سنوات، والذى انضمت إليه، مع اختلافات معينة، دول مثل اليابان.
ويؤكد أن التجربة، تشير إلى مفارقة متكررة فى السياسة التجارية الأمريكية تجاه الصين، فـفى كل مرة اعتقد فيها ترامب أنه أغلق أبواب بلاده أمام المنتجات الصينية، زادت الصادرات الصينية وترنح المستهلك الأمريكى، وهو ما يدفع، بحسب تعبيره، إلى التفكير فى أن المصالح الحقيقية لترامب، قد لا تكون دائمًا متطابقة مع ما يقوله للإعلام.
واختتم رعد بالتأكيد على أن العلاقة الأمريكية - الصينية ستظل قائمة على معادلة شديدة التعقيد، تهدئة عندما تفرض المصالح ذلك، ومنافسة عندما يتعلق الأمر بالمصالح الإستراتيجية، مع استمرار كل طرف فى الاحتفاظ بأوراق ضغطه الأساسية، ومن ثم، فإن ما يمكن أن تنتجه القمة هو مساحة جديدة لإدارة التنافس، وليس نهاية للتنافس نفسه، فـالهدنة قد تكون ممكنة، لكن نسيان الماضى أو إغلاق ملفات الصراع بصورة نهائية يظل أمرًا بعيد المنال.
 
تنافس وإدارة للخلافات
بينما يؤكد نادر رونج ووهان، المحلل السياسى الصيني، أن القضايا الخلافية وحالة التنافس بين الصين والولايات المتحدة، لا يمكن حسمها من خلال قمة واحدة أو اجتماع واحد، موضحًا أن تعدد الملفات وتشعبها يجعل من الصعب الوصول إلى تسوية شاملة لجميع الخلافات فى لقاء واحد بين الرئيسين، موضحًا أن أهمية القمة تكمن فى قدرتها على المساهمة فى تحقيق هدنة جيوسياسية وتجارية، وإدارة الخلافات بين البلدين بصورة مناسبة، والحفاظ على تطور العلاقات الصينية - الأمريكية فى مسار سليم ومستقر، بما يمنع خروجها عن نطاق السيطرة، فالتوصل إلى تفاهمات بين بكين وواشنطن، يمكن أن يساعد أيضًا فى بناء قدر من الاستقرار الإستراتيجى بين البلدين، مؤكدًا أن الهدف الأساسى ليس إلغاء المنافسة أو الخلافات، وإنما منعها من التحول إلى صراع يصعب التحكم فيه.
أكد أن التعاون بين الصين والولايات المتحدة يصب فى مصلحة الطرفين، خصوصًا فى المجال الاقتصادى والتجاري، موضحًا أن العلاقات الاقتصادية والتبادل التجارى بين البلدين تقوم، فى جانب كبير منها، على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة، وهو ما يجعل استمرار التعاون الاقتصادى عاملًا مهمًا فى الحد من احتمالات التصعيد، فحجم الترابط الاقتصادى بين القوتين، يجعل الحوار والتفاهم أكثر فائدة من المواجهة، خصوصًا فى ظل التأثير الذى يمكن أن يتركه أى تصعيد اقتصادى واسع على البلدين وعلى الاقتصاد العالمى، لذا فإن المصالح الاقتصادية لا تلغى الخلافات السياسية والإستراتيجية، لكنها توفر مساحة يمكن من خلالها للطرفين البحث عن نقاط التوافق وإدارة نقاط الاختلاف.
وفيما يتعلق بما إذا كانت القمة تمثل حلًا للصراع أم مجرد إدارة له، أكد رونج ووهان أن إدارة الخلافات هى الخيار الواقعى بين الصين والولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الاختلاف بين البلدين أمر طبيعي، فى ضوء الفوارق فى الثقافة والنظم السياسية والتاريخ والمصالح، مشددًا على أن وجود الخلافات ليس المشكلة فى حد ذاتها، وإنما تكمن المشكلة فى الطريقة التى يتم التعامل بها مع هذه الخلافات، مشيرًأ إلى أن المطلوب هو إتقان إدارة الخلافات بصورة مناسبة، بحيث لا تتحول إلى مواجهات أو أزمات خارجة عن السيطرة، مؤكدًا أن الحوار والتشاور يمكن أن يوفرا آليات عملية للتعامل مع الملفات الحساسة.
فى ملف الذكاء الاصطناعى، أوضح رونج ووهان، أن هذا المجال يمثل أحد أهم ملامح النظام العالمى فى المستقبل، لذلك سيكون من الطبيعى أن يصبح أيضًا مجالًا للتنافس بين الصين والولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن القمة تفتح نقاشًا حول كيفية إدارة التنافس والخلافات فى مجال الذكاء الاصطناعي، مع الدفع فى الوقت نفسه نحو تحقيق تقدم مشترك فى هذا المجال.
وأكد أن التنافس فى التكنولوجيا المتقدمة، لا يعنى بالضرورة قطع قنوات التعاون، وإنما يمكن للطرفين البحث عن مساحات مشتركة تحقق مصالحهما، وتحد من المخاطر الناتجة عن سوء الاستخدام أو سوء التقدير.
بشأن قدرة الرئيسين ترامب وشى جين بينج على وضع قواعد تمنع الانزلاق من المنافسة إلى المواجهة العسكرية، أكد رونج ووهان أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إنشاء وتعزيز آليات الحوار والتشاور بين البلدين، موضحًا أن ذلك يمكن أن يشمل آليات للحوار التجارى والاقتصادي، ومؤسسات أو مجالس مشتركة معنية بالتجارة، إلى جانب الحفاظ على التفاعل رفيع المستوى بين قيادتى البلدين، واستمرار التواصل المباشر بين الرئيسين يمثل عنصرًا مهمًا فى ضبط العلاقات الصينية - الأمريكية، والحفاظ عليها فى مسار مستقر، خصوصًا فى أوقات الأزمات والتوتر.
وأكد أن التواصل رفيع المستوى يمكن أن يساعد فى منع سوء الفهم، وفتح قنوات سريعة لمعالجة الأزمات قبل أن تتحول إلى مواجهات أكبر.
واختتم رونج ووهان بالتأكيد على أن الحوار والتشاور، يجب أن يكونا البديل عن المواجهة فى مختلف المجالات بين الصين والولايات المتحدة، معتبرًا أن إدارة الخلافات بصورة مسئولة، تمثل الطريق للحفاظ على استقرار العلاقات ومنعها من الخروج عن السيطرة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام