نحن والعالم



الموالاة والمعارضة الإسرائيلية تتكاتفان لإغلاق ملفاتها.. الدولة الفلسطينية المستقلة تواجه خطر التلاشى

25-9-2026 | 22:52
⢴ العزب الطيب الطاهر

مع اتساع قاعدة عدوانيته، وتكثيف سعيه لتمديد وتوسيع مشروعه الاستعمارى الاستيطانى فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، يعمل الكيان الصهيونى بكل قواه وطاقاته على التهامها بالكامل، عن طريق متواليات مخططات الضم والاستيطان بالضفة الغربية التى تتم على مدار الساعة، والإصرار على البقاء عسكريا فى غزة، وفق تأكيدات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لدى زيارته للقطاع قبل نحو ثلاثة أسابيع.
والهدف الرئيس والمحورى يكمن فى محو وإزالة أى إمكانية لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، التى تشكل هاجسا مرعبا للنخبة السياسية، سواء فى الحكم أم فى المعارضة، بيد أن التيار اليمينى المتطرف الذى يقبض على مفاصل السلطة فى هذا الكيان، هو القوة الأكثر تفاعلا، إن كان من حيث التخطيط أو على صعيد التطبيق على الأرض، ما أفضى إلى اضمحلال المساحات القابلة لاستيعاب الدولة المستقلة فى المدى المنظور.
وهو دفع الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمى، إلى الحديث غير مرة عن تزايد التحديات التى تواجه إطلاق هذه الدولة، وتأكيده، أنها باتت أخطر وتستوجب تحركاً دولياً وقانونياً حازماً لحماية حل الدولتين، قبل أن يتلاشى جغرافياً على الأرض، سواء فى مداخلته القوية أمام وزراء الخارجية العرب فى دورتهم الـ166 التى التأمت فى السابع من سبتمبر الجارى، أم خلال استقباله الرئيس الفلسطينى محمود عباس بمقر الأمانة العامة للجامعة الأربعاء قبل الماضى، أم فى لقاءاته المتعددة مع كبار المسئولين ووزراء الخارجية من الإقليم ودول العالم المختلفة، خصوصا على هامش مشاركته فى الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك التى التحق بركابها يوم السبت الماضى.
 
تنسجم رؤية فهمى مع الثوابت التاريخية والمقررات الرسمية للجامعة، حول شروط ومحددات إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والتى تستند إلى مرجعيات القانون الدولى وبنود مبادرة السلام العربية، ويمكن تلخيصها فى النقاط التالية:
- حدود الجغرافيا ومحددات الأرض، بحيث تقوم هذه الدولة على كامل الأراضى الفلسطينية التى احتلت فى العدوان الذى شنته القوة القائمة بالاحتلال فى الخامس من يونيو 1967 وفقا لحدود الرابع من الشهر ذاته.
- وحدة الإقليم الجغرافى عبر التشديد على أن الضفة الغربية وقطاع غزة، يشكلان معاً وحدة جغرافية واحدة وإقليم الدولة المستقبلية المتصل دون أى فصل سياسى بينهما.
- رفض التغيير الديموغرافى بما يعنى عدم القبول بأى تعديلات فرضها الاحتلال عبر الاستيطان، والرفض القاطع لمخططات ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها. 
- التمسك الكامل بأن تكون القدس الشرقية هى العاصمة السياسية والسيادية للدولة الفلسطينية، ورفض المساس بالوضع التاريخى والقانونى للمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها، على نحو تتمتع فيه الدولة بسيادة حقيقية على حدودها وأجوائها ومواردها الطبيعية والاقتصادية، بعيداً عن أى مقاربات أمنية ينتهجها الكيان الصهيونى تجعل منها دولة منقوصة السيادة أو «كانتونات» معزولة.
- ضرورة توافر شروط الحل العادل للملفات العالقة، وفى مقدمتها حل قضية اللاجئين الفلسطينيين حلاً عادلاً ومتفقاً عليه وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، لا سيما قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وتفكيك وإزالة المستوطنات والبؤر الاستيطانية باعتبارها غير شرعية وعقبة رئيسية تدمر مقومات حل الدولتين جغرافياً.
 
إمعان فى تطبيق المخططات 
بيد أن القوة القائمة بالاحتلال باتت تمعن فى السنوات القليلة المنصرمة، لا سيما منذ إطلاقها حرب الإبادة على قطاع غزة، التى امتدت توابعها إلى باقى الأراضى المحتلة فى القدس والضفة الغربية، فى تطبيق عديد الخطط والمخططات، التى تحذر منها جامعة الدول العربية وتعرقل إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة حول مسار أساسى، وهو تغيير الواقع الجغرافى والديموغرافى على الأرض، وتثبيت واقع يمنع تطبيق حل الدولتين، والتى تشتمل على ما يلى:
- مخططات الضم الفعلى والزاحف للضفة الغربية، والتى ما فتئت سلطة الاحتلال تسرع فى تطبيقها تمهيدا لفرض سيادتها القانونية والأمنية على مناطق واسعة منها، لا سيما مناطق (ج) والأغوار، لقطع الطريق أمام أى سيادة فلسطينية مستقبلية.. وحسب أحدث التقارير الفلسطينية الرسمية، فقد أقدمت هذه السلطة على القيام بالمزيد من التصعيد فرض وقائع جديدة على الأرض، فى مسار يتجاوز المنطقة المصنفة «ج» ويمتد بصورة متزايدة إلى مناطق «أ» و«ب»، بما يهدد الأراضى الفلسطينية، ويقوض التواصل الجغرافى بين المدن والبلدات والتجمعات الفلسطينية فى الضفة الغربية، من خلال إنشاء بؤر استيطانية، والاستيلاء على الأراضى، وشق الطرق، وفرض قيود على وصول المواطنين إلى أراضيهم، إلى جانب توسيع صلاحيات ما تسمى «الإدارة المدنية» فى هذه المناطق، وقد تم توثيق إقامة 26 بؤرة استيطانية ومزرعة رعوية فى المنطقة المصنفة «ب»، منها سبع بؤر جديدة فى نهاية عام 2024، تلتها 19 بؤرة أخرى، معظمها أقيم خلال الأشهر الأخيرة،وترافق إقامة هذه البؤر مع شق طرق، والاستيلاء على مصادر المياه وفرض قيود على حركة المواطنين، بما يتيح لأعداد محدودة من المستوطنين السيطرة على مساحات واسعة من الأراضى، وترتكز خطط الاحتلال فى هذا الشأن، (خصوصاً المخططات الاستيطانية الممتدة لعام 2026) على بناء بؤر استيطانية جديدة، وتوسيع المستوطنات القائمة، بهدف عزل المدن والبلدات الفلسطينية عن بعضها (مثل خطة طوق المستوطنات حول أريحا).. ما يفضى إلى تفتيت جغرافى يحول دون وجود وحدة جغرافية متصلة للدولة الفلسطينية.
- تطبيق ما أطلق عليه مركز المعلومات لحقوق الإنسان فى الأراضى المحتلة «بتسيلم» الكائن فى الكيان الصهيونى - وهو مؤسسة مناهضة لسياساته وتوجهاته - مشروع المحو المتكامل فى الضفة الغربية وبصورة أكثر عنفًا وأسرع وتيرةً، فيما تجرى مأسسة خطوات تنفيذه بدرجة متزايدة ومتدرجة، بغية تفكيك الوجود الجماعى الفلسطينى فى الضفة وإعادة تنظيم الحيّز بواسطة العنف، بهدف ترسيخ وجود سيادة القوة القائمة بالاحتلال على نحو مستدام ومتواصل، وذلك من خلال أربع آليات، أولها تكثيف العنف والإكراه وبثّ الرعب، باستخدام قوات جيش الاحتلال وميليشيات المستوطنين المسلحة، ما أسفر عن استشهاد 1,107 فلسطينى، بينهم 245 طفلًا فى الفترة من السابع من أكتوبر 2023 وحتى نهاية أغسطس الماضى، فيما تتجلى الآلية الثانية فى التطهير العرقى والاستيلاء على الحيّز، اعتمادا على العمليات العسكرية واقتحام المخيمات والمدن والقرى وهدم المنازل، وإقامة البؤر والمزارع الاستيطانية المدعومة من الدولة، بغية تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وتوسيع الوجود اليهودى فى هذه المناطق ، ما أفضى إلى تهجير 75 تجمّعًا فلسطينيًا حتى الأسبوع، واستيلاء البؤر والمزارع الاستيطانية على 1,07 مليون دونم، أى ما يعادل 18 % من مساحة الضفة الغربية، فضلا عن تهجير نحو 33,000 فلسطينى قسرا من مخيمات اللاجئين فى شمال الضفة الغربية.
وتكمن الآلية الثالثة فى تقييد الحركة والتنقّل، إذ تجزّئ سلطة الاحتلال الحيّز الفلسطينى بواسطة الحواجز والبوابات وسَدّات الطرق.. وحتى نهاية العام 2025، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية «أوتشا» نحو 925 عائقًا للحركة فى أنحاء الضفة الغربية.. أما الآلية الرابعة فتعتمد على الخنق الاقتصادى، إذ تستخدم سلطة الاحتلال سيطرتها على فرص العمل، وحجز أموال الضرائب والجمارك المقررة للسلطة الفلسطينية والتى تقدر بمليارات الدولارات، ما تسبب – وما زال- فى أزمة مالية خانقة تشل قدرتها إدارة شئون المواطنين وبناء ركائز الدولة التحتية والاقتصادية، إلى جانب التضييق على جهازها المالى والاقتصادى، سعيا لتعميق أزمتها الاقتصادية وفرض تبعية الفلسطينيين للكيان المحتل.
وعلى ضوء ذلك، فإن «ما يعيشه الفلسطينيون فى الضفة الغربية – الكلام للمديرة العامة لـ»بتسيلم»، «يولى نوفاك»- ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل هو مشروع سياسى واحد يتغلغل فى جميع مناحى الحياة ، حيث «يجرى تهجير التجمّعات، ويُدفع الاقتصاد إلى حافة الانهيار ويعيش ملايين الأشخاص فى حالة خوف دائم من عنف جيش الاحتلال أو المستوطنين، وهذه الآليات تعمل معًا لتفكيك الحياة الجماعية الفلسطينية، وفى الوقت نفسه لترسيخ نظام ثابت من الفوقية اليهودية فى أنحاء الضفة الغربية.
- فرض مقاربة أمنية إقليمية بديلة، من خلال محاولة حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة تحويل القضية الفلسطينية، من «حق سياسى فى تقرير المصير وإقامة دولة» إلى مجرد «ملف أمنى وإنسانى يتم إدارته بالاحتلال المتواصل»، مع العمل على الفصل التام بين قطاع غزة والضفة الغربية، لضمان عدم قيام كيان فلسطينى موحد.
 
ترسانة تشريعات وقوانين وقرارات 
ومع إعداد هذه المخططات والخطط وفرت القوة القائمة بالاحتلال، عبر برلمانها - الكنيست - سلسلة من التشريعات والقوانين والقرارات غير المسبوقة، المصممة خصيصاً لإجهاض حل الدولتين ومنع إقامة دولة فلسطينية، وتحولت إلى ترسانة قانونية وتشريعية تحظى بإجماع واسع، يجمع بين الائتلاف الحاكم وأقطاب المعارضة الصهيونية، وفى صدارتها القرار الذى أصدره الكنيست فى منتصف ليلة السابع من يوليو 2024، ووصف من قبل الدوائر السياسية والحزبية بأنه تاريخى وحاسم، ونص رسميا على الرفض القاطع والتام لإقامة دولة فلسطين، وحظى بأغلبية ساحقة (68 عضواً مقابل 9 أصوات فقط)، مؤكدا فى مضمونه أن إقامة دولة فلسطينية فى قلب أرض الكيان الصهيونى، سيشكل خطراً وجودياً عليه وعلى مواطنيه، وسيؤدى إلى تمديد النزاع وزعزعة استقرار المنطقة»، معتبراً الدولة الفلسطينية بمثابة مكافأة للعناصر الفلسطينية المناهضة للاحتلال، التى توصف دوما بأنها إرهابية، حسب الأدبيات الصهيونية المتطرفة، إلى جانب قرار رفض «الاعترافات الدولية أحادية الجانب» بدولة فلسطين، فقد صوت الكنيست فى شهر فبراير فبراير 2024، بأغلبية ساحقة بلغت 99 عضواً من أصل 120 لصالح قرار حكومى، يقضى برفض أى إعلان دولى أحادى الجانب لقيام دولة فلسطينية، وذلك لقطع الطريق قانونياً ودبلوماسياً على موجة الاعترافات الدولية التى تصاعدت من الدول الأوروبية والغربية، لاسيما خلال القمة الخاصة التى ترأسها الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، على هامش الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة فى الثانى والعشرين من سبتمبر من العام المنصرم، والتشديد على أن تل أبيب لن تتعامل مع أى اعتراف خارجى لا يمر عبر شروطها ومفاوضاتها المباشرة. 
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد مرر الكنيست فى السنوات الفائتة قوانين، تهدف إلى منع إخلاء أى مستوطنة فى الضفة الغربية مستقبلاً، بل وشرعنة البؤر العشوائية، بما يعنى حظر تقييد وتفكيك الاستيطان، والأخطر تثبيت الضم.. ومن بين القوانين التى أقرها الكنيست فى 21 مارس 2023، قانون إلغاء «قانون الانفصال، أو فك الارتباط والذى شمل إلغاء بنود من قانون الانفصال لعام 2005، مما سمح للمستوطنين بالعودة إلى مستوطنات معزولة فى شمال الضفة الغربية كانت قد أُخليت سابقاً، وهو تشريع يهدف مباشرة إلى منع خلق أى تواصل جغرافى فلسطينى ممتد.
إلى جانب ذلك، سن الكنيست بأغلبية واسعة سلسلة تشريعات وقوانين، تستهدف تقويض السيادة الفلسطينية فى القدس الشرقية، من خلال التقييد الكامل لأى نشاط سياسى أو تمثيلى فلسطينى فى العاصمة التاريخية الموعودة للدولة الفلسطينية، فضلا عن تمرير مشروعات قوانين تمنح صلاحيات واسعة لفرض عقوبات، وإغلاق أى مقرات أو أنشطة تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، أو منظمة التحرير الفلسطينية، أو حركة فتح داخل القدس الشرقية ومحيطها، ما نتج عنه إغلاق مؤسسة بيت الشرق على سبيل المثال لا الحصر، بالإضافة إلى التشريعات التى تمنع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من العمل فى القدس، بهدف شطب ملف اللاجئين وتجريد الفلسطينيين من الركائز الخدمية الدولية الداعمة لجهود صمودهم، وكذلك تمديد «قانون المواطنة والدخول إلى الخط الأخضر» الذى يمنع لم شمل العائلات الفلسطينية (بين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وأولئك فى الضفة وغزة)، الأمر الذى اعتبرته المنظمات الحقوقية، مثل مركز عدالة القانونى، أداة ديموغرافية عنصرية، تهدف إلى منع التداخل السكانى والحفاظ على هيمنة القوة القائمة بالاحتلال، من خلال تكريس نظام «الفصل العنصري» لمنع تشكيل هوية وطنية فلسطينية موحدة، وبذلك يكون الكنيست قد تجاوز ما يصفه باحثون مرحلة «المماطلة السياسية» إلى مرحلة «التحصين القانوني» لرفض حل الدولتين، حيث أصبحت محاربة قيام الدولة الفلسطينية، عقيدة تشريعية ملزمة لحكومات الاحتلال أيا كان توجهها السياسى، مما يضع المجتمع الدولى والتحالفات العربية أمام واقع يتطلب أدوات ضغط تتجاوز لغة البيانات.
لا فرق بين الموالاة والمعارضة
واللافت للنظر أن النخب السياسية فى الكيان الصهيونى بمختلف شرائحها ونزوعها السياسة، سواء فى معسكر الائتلاف الحكومى اليمينى، أم فى صفوف المعارضة (التى تُصنف مجازاً بالوسط واليسار) تجتمع على قاسم مشترك ينهض على رفض إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة، وإن تباينت مبرراتهم بين الدوافع الأيديولوجية الدينية والمخاوف الأمنية والعسكرية، ويتلخص دور هذه النخب، بكل أطيافها، فى تعطيل قيام الدولة الفلسطينية من خلال الأدوار والتوجهات التالية:
أولا - الائتلاف الحاكم (اليمين واليمين المتطرف) ويقود هذا المعسكر الإستراتيجى الأكثر شراسة لتصفية حل الدولتين ميدانياً وقانونياً، وأبرز رموز هذا التيار، الوزيران المتطرفان بتسلئيل سموتريتش حامل حقيبة المالية والمسئول عن ملف الاستيطان، وإيتمار بن غفير حامل ما يسمى بحقيبة الأمن القومى، وكلاهما لديه تصور غير قابل للمناقشة، مضمونه أن الضفة الغربية (يهودا والسامرة) هى «أرض توراتية» لليهود فقط، وفى الآن ذاته تعمل النخبة الحاكمة على شرعنة البؤر الاستيطانية، ونقل الصلاحيات المدنية فى الضفة للوزارات الحكومية لفرض الضم الفعلى الزاحف.
ثانيا - على الرغم من أن أحزاب الوسط واليمين الليبرالى تقدم نفسها أمام المجتمع الدولى كبديل «معتدل»، فإن مواقفها الجوهرية تلتقى مع اليمين فى تعطيل الدولة الفلسطينية، فقد تحول قادتها (مثل يائير لبيد وبنى جانتس) نحو تبنى لغة أكثر تشدداً، وصوت أقطاب المعارضة الرئيسية فى الكنيست، لصالح القرارات التى ترفض قيام دولة فلسطينية، تماشياً مع المزاج العام الرافض لتقديم أى تنازلات سياسية داخل القوة القائمة بالاحتلال، خصوصا بعد عملية «طوفان الأقصى»، ويتبنى جادى آيزنكوت، زعيم حزب يشار المعارض والمنافس البارز لبنيامين نتنياهو فى انتخابات اكتوبر المقبل ورئيس الأركان الأسبق، موقفا مناهضا لإقامة دولة فلسطينية وينظر إلى حل الدولتين بحسبانه خطأً كبيراً، وإن كان يبدى معارضة للضم الرسمى والأحادى لأراضى الضفة الغربية، وينتقد بعض مشاريع الاستيطان المتطرفة ليس من منظور مبدئى، وإنما لأنها تنطوى على الإضرار بعلاقات الكيان الصهيونى مع الولايات المتحدة، ولكن أقصى ما تطرحه هذه النخب فى أحاديثها الدبلوماسية، هو منح الفلسطينيين «حكماً ذاتياً موسعاً» أو كياناً منزوع السلاح بالكامل دون سيادة على الأجواء أو الحدود أو الأمن (ما يُعرف دولياً بـ «الدولة المبتورة» أو الكانتونات) وهى صيغة ترفضها الشرعية الدولية والفلسطينيون.. أى تبنى مفهوم «الدولة المنقوصة» أو الكيان الأمني.
ثالثا - تشترك المعارضة مع الحكم فى لاءات حاسمة: لا عودة لخطوط عام 1967، لا تفكيك للكتل الاستيطانية الكبرى فى الضفة، والقدس الموحدة ستبقى عاصمة للكيان الصهيونى، وهى لاءات تدمر عملياً أى فرصة لقيام دولة فلسطينية متصلة وعاصمتها القدس الشرقية.
رابعا - فيما يتعلق بتيار يسار الوسط واليسار الصهيونى التقليدى (أحزاب العمل وميرتس السابقة) فقد شهدت قيادتها ونخبها، خصوصا تلك التى وقعت اتفاقيات أوسلو تاريخياً، انهياراً شبه كامل فى الشارع السياسى.. وحتى الأصوات المتبقية من هذا التيار، باتت ترهن أى حديث عن السلام بالمقاربة الأمنية الصارمة التى تتبناها حكومة الاحتلال، ولم تعد تمتلك الوزن السياسى أو الجرأة لطرح مشروع «دولة فلسطينية كاملة السيادة» خوفاً من خسارة ما تبقى لها من ناخبين.
هكذا تتوزع الأدوار فى الكيان الصهيونى، بين يمين حاكم يجهز على مقومات الدولة الفلسطينية ميدانياً بالاستيطان والضم، ومعارضة توفر الغطاء السياسى والتشريعى لهذا الرفض محلياً ودولياً، تحت مبررات «المخاوف الأمنية».. ولا شك أن هذا الانسجام بين الحكم والمعارضة أدى إلى غياب أى شريك سياسى داخل القوة القائمة بالاحتلال، مستعد للقبول بحل الدولتين وفق المقررات الدولية.
 
خيارات التصدى والمقاومة 
مع أن قسمات الصورة تميل نحو قدر واسع من العتمة، إلا أن الفلسطينيين والعرب بوسعهم توظيف مجموعة من الأوراق الإستراتيجية والدبلوماسية والقانونية، التى يمكن الاستفادة منها وتفعيلها للضغط من أجل إنهاء الاحتلال والدفع نحو قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وهى تتوزع على عدة جبهات أساسية:
أولا - الأوراق الفلسطينية (صمود الأرض والمشروع الوطنى) من خلال ما يلى:
- المقاومة الشعبية والصمود الديموغرافى، فبقاء الفلسطينيين وتجذرهم فى أرضهم بالضفة الغربية، والقدس، وقطاع غزة، يشكل العقبة الديموغرافية الأكبر أمام مخططات التصفية التى تسعى إليها القوة القائمة بالاحتلال.
- اللجوء إلى الشرعية القانونية والقضائية، من خلال استثمار الانضمام للمؤسسات الدولية، لا سيما محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، لملاحقة قادة الاحتلال ومحاسبتهم على جرائم الاستيطان والتهجير، وتحويل الاحتلال إلى عبء قانونى دولى. 
- تفعيل ورقة الوحدة الوطنية لإنهاء الانقسام الداخلى، وإعادة ترتيب البيت الفلسطينى تحت مظلة «منظمة التحرير الفلسطينية»، وذلك من شأنه أن يفوت على القوة القائمة بالاحتلال ذريعة عدم وجود شريك فلسطينى موحد.
وتتمثل هذه المسارات فى انتزاع العضوية الكاملة لفلسطين، من خلال مواصلة الضغط الدبلوماسى الجماعى، لرفع مكانة فلسطين إلى دولة كاملة العضوية فى الأمم المتحدة، لإحراج الولايات المتحدة ودفعها لتقليل استخدام «الفيتو» أمام الإجماع الدولى الممتد حتى عام 2026، فى حين يتمثل المسار الثانى فى البناء على «التحالف العالمى لتنفيذ حل الدولتين» الذى تقوده قوى عربية وغربية كبرى واستثماره، لتحويل الاعترافات السياسية بالدولة الفلسطينية إلى خطوات تنفيذية واقتصادية، مثل مقاطعة منتجات المستوطنات وفرض عقوبات على المستوطنين وقادتهم.
لكن ثمة مسارا ميدانيا مؤسسيا، يتعين على الدول العربية المضى فيه بقوة لحماية الشريك الفلسطينى، ويقوم بصورة محورية على توفير شبكة أمان مالية عربية مستدامة، لتحصين السلطة الفلسطينية من الانهيار المالى الناتج عن قرصنة القوة القائمة بالاحتلال لأموال المقاصة (الضرائب) وتعزيز صمود المؤسسات الفلسطينية فى القدس ومناطق (ج) على نحو يمنعها من فرض الأمر الواقع عبر الخنق المالى.
أما فيما يتعلق بأوراق أحرار العالم والمجتمع الدولى (الضغط الشعبى والأخلاقى) فإن أبرزها يتمثل على النحو التالى :
- تفعيل حركات المقاطعة الدولية، ولاشك أن سلاح المقاطعة الأكاديمية والثقافية والاقتصادية للمنتجات الصهيونية (خصوصا منتجات المستوطنات) أثبت قدرته على إلحاق خسائر اقتصادية ومعنوية بالاحتلال، وعزله دولياً على غرار نظام الفصل العنصرى السابق فى جنوب إفريقيا.
- الرأى العام العالمى والشباب: التحول التاريخى غير المسبوق فى وعى الشعوب الغربية، خصوصاً جيل الشباب وطلاب الجامعات فى أمريكا وأوروبا، يمثل أداة ضغط هائلة على الحكومات الغربية، لتغيير سياستها المنحازة للقوة القائمة بالاحتلال.
- المنظمات الحقوقية الدولية: تقارير المنظمات الكبرى (مثل العفو الدولية) التى تصنف ممارسات الاحتلال كجرائم «فصل عنصري» من شأنها أن توفر غطاءً أخلاقياً وقانونياً لمحاصرة حكومة الاحتلال فى المحافل الدولية
المؤكد أن قوة هذه الأوراق لا تكمن فى وجودها منفردة، بل فى التكامل والتشبيك بينها؛ بحيث يتحول الصمود الفلسطينى على الأرض إلى حراك دبلوماسى عربى وقانونى دولى، تسانده ضغوط شعبية عالمية، تخلق تكلفة باهظة للاحتلال تجبره فى النهاية على الانصياع لحق تقرير المصير الفلسطينى.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام