نحن والعالم



ماذا لو أصبحت أول عضو منتسب فى الاتحاد الأوروبى؟.. كندا وأوروبا.. تقارب يثير مخاوف واشنطن

25-9-2026 | 22:56
⢴ رشا عامر

وسط التوترات مع واشنطن أضفى رئيس الوزراء الكندى «مارك كارنى»، الطابع الرسمى على تقارب كندا مع الاتحاد الأوروبى فى ستراسبورج، حيث كان ضيف الشرف فى خطاب حالة الاتحاد الذى ألقته أورسولا فون دير لاين يوم الثلاثاء 16 سبتمبر، وكانت هذه المرة الأولى التى يحضر فيها زعيم أجنبى هذا الحدث، ومع منح الاتحاد الأوروبى كندا دورا غير مسبوق كدولة تسعى مثل الاتحاد الأوروبى، إلى إعادة التوازن فى علاقتها مع الولايات المتحدة، اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أن تصبح أوتاوا «أول عضو منتسب» فى الاتحاد الأوروبى.
 
السؤال الذى يطرح نفسه بداية هو: هل دفع دونالد ترامب دون قصد كندا وأوروبا نحو التقارب؟ والإجابة أنه بالفعل هو الذى تسبب فى الإسراع بهذه العملية، فعلى الرغم من أن رئيس الوزراء الكندى مارك كارنى، أكد أن هذا التحول لا يعزى بالكامل إلى دونالد ترامب إلا أن الولايات المتحدة أوضحت حقيقة واحدة، وهى أنه عندما يستحوذ مستهلك واحد على ثلاثة أرباع واردات دولة ما، فإن أدنى تغيير يحدث من الممكن أن يضعف الدولة المنتجة، وقد شهدت كندا هذا الأمر بشكل مباشر مرة أخرى الشهر الماضى، بعد تعليق المفاوضات التجارية مع واشنطن، حيث تصاعدت بعدها حدة التوترات الجمركية، ومع ذلك لا مجال للتخلى عن الولايات المتحدة فالسوق الأمريكية لا تزال أساسية لكندا.
تمسك مارك كارنى بالموقف الذى دافع عنه منذ البداية، لكن بإلحاح أكبر وهو تنويع الأسواق واستعادة المزيد من المرونة، وفى هذه الإستراتيجية تعد أوروبا خيارا طبيعيا فهى بالفعل ثانى أكبر شريك تجارى لكندا بسوق تضم 450 مليون مستهلك.
 
عشر سنوات على اتفاقية التجارة الحرة
مرت عشر سنوات تقريبا منذ أن أبرمت كندا اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبى، لكن تطمح أوتاوا الآن إلى ما هو أبعد من مجرد التجارة، فهى تتحدث عن تحالف اقتصادى وأمنى فريد، يشمل الطاقة والتقنيات الإستراتيجية، فضلا عن الدفاع، وبالفعل يتم الإعداد لذلك فقد أصبحت كندا هذا العام أول دولة غير أوروبية، تنضم إلى برنامج «سيف» وهو أداة مالية إستراتيجية جديدة بقيمة 150 مليار يورو، تهدف إلى دعم الإنتاج الدفاعى داخل التكتل، كما أنه يفتح أسواقا دفاعية مشتركة معينة أمام شركاتها، وتتطلع أوروبا بدورها إلى كندا لتأمين إمداداتها وخاصة المعادن الحيوية، ويسعى البرلمان الأوروبى الآن إلى تمثيل مباشر فى أوتاوا بافتتاح مكتب يمتد نطاق عمله ليشمل القطب الشمالى.
يحب مارك كارنى، أن يقدم كندا على أنها «أكثر الدول غير الأوروبية شبها بالثقافة الأوروبية»، ويتفق الكنديون مع هذه الفكرة لدرجة أن نصفهم يتساءلون الآن: «لماذا لا ننضم إلى الاتحاد الأوروبي؟» حيث كان مجرد طرح هذا السؤال قبل فترة وجيزة يبدو ضربا من الخيال.
بالتأكيد ليس هذا ما يخطط له مارك كارنى، فالقواعد الحالية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبى لا تسمح بذلك، لكن جاذبية الفكرة تدل على تغير ما ويتجلى هذا التغير فى نظرة الكنديين إلى جارتهم الأمريكية، حيث يشعر غالبية الكنديين الآن أن لديهم قواسم مشتركة أكثر مع أوروبا منها مع الولايات المتحدة، ولذلك فهم يؤيدون بشدة هذه العلاقة الوثيقة.
كيف سيبدو هذا التحالف المعزز؟ وماذا يعنى وضع الدولة العضو المنتسب؟
ترغب رئيسة المفوضية فى تجاوز اتفاقية التجارة الحرة المبرمة بالفعل مع كندا من خلال تعزيز التعاون فى مجالات الذكاء الاصطناعى والدفاع والمواد الخام، وتوضح أن هذا التحالف المستقبلى بين كندا والاتحاد الأوروبى ليس موجها ضد أى دولة، هذا التوضيح شكلى بحت إذ من الواضح أن هذا التقارب، يجرى فى سياق بالغ الحساسية والتحديات بالنسبة للأوروبيين والكنديين على حد سواء فى ظل صراعات القوى مع واشنطن على الصعيد التجارى وأحيانا على صعيد السيادة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، كما أنها اقترحت إنشاء مجلس أمن أوروبى يضم كندا والنرويج والمملكة المتحدة، وطالبت بأن يكون الاتحاد الأوروبى أكثر استجابة فى حال وقوع أزمة ولتحقيق هذه الغاية اقترحت «بروتوكولا أمنيا طارئا» على غرار المادة الرابعة من معاهدة حلف شمال الأطلنطى (الناتو) التى تنص على عقد اجتماعات طارئة بين أعضاء الحلف حتى إذا ما تسببت دولة عضو فى اندلاع أزمة تجتمع جميع الدول الأعضاء لتنسيق استجابة أوروبية ومنع تصعيدها والتخفيف من آثارها. 
 
الانضمام بين الترغيب والترهيب
فى الوقت الذى لاقى اقتراح أورسولا فون دير لاين بجعل كندا أول «عضو منتسب» فى الاتحاد الأوروبى ترحيبا فى كندا، لكنه  أثار بالفعل مخاوف بشأن تداعياته العملية، كان الهاجس الرئيسى هو السيادة وقد جعل حزب المحافظين المعارض هذا الأمر خطا أحمر إذ حذر زعيم حزب المحافظين بيير بوليفر، من أنه لا مجال للسماح لبروكسل بفرض قواعدها على كندا خاصة فكرة دفع الضرائب للحكومة الأوروبية أو الخضوع للقوانين الأوروبية أو السماح بسياسات الحدود، ورغم أن هذه المرحلة لا تتضمن هذه السيناريوهات إلا أن أوتاوا ترى أن هذه العلاقة الجديدة لا تزال قيد التحديد، فبينما ترحب الحكومة بتحالف مستقبلى أقوى وأكثر طموحا مع أوروبا، فإنها تتجنب بعناية استخدام مصطلح «العضو المنتسب» فى بياناتها، ويتوافق هذا الحذر إلى حد كبير مع الرأى العام إذ يرغب ثمانية من كل عشرة كنديين فى تعزيز العلاقات مع أوروبا مع البقاء خارج الاتحاد. 
بالنسبة للاتحاد الأوروبى نفسه تمثل هذه المبادرة تحولا جذريا بعد أن سبق ورفض أوضاع العضوية الوسيطة حيث قوبل اقتراح ألمانيا فى مايو الماضى بجعل أوكرانيا عضوا منتسبا قبل انضمامها الكامل المحتمل برفض من معظم الدول الأخرى، وحتى الآن لا توجد دولة تتمتع بصفة العضو المنتسب فى الاتحاد الأوروبى لكن ها هو يتم مناقشة إمكانية استحداث وضع جديد يقرب بعض الدول من الاتحاد دون ضمها إليه فعليا، وبما أن كندا لن تنضم داخل الاتحاد الأوروبى فإنه يمكن استخدام فكرة إنشاء وضع خاص لاسترضاء الدول الأوروبية الراغبة فى الانضمام.
 
موقف أمريكا من هذه التحالفات
على المدى البعيد سيضعف النفوذ الأمريكي، حتى بعد مغادرة دونالد ترامب منصبه فقد تضررت مصداقيته، وحتى لو تولى السلطة شخص أكثر عقلانية فقد أدرك جميع حلفاء واشنطن أن الأمور فى الولايات المتحدة قد تخرج عن السيطرة بسرعة.
وحتى لو بقيت الولايات المتحدة دولة قوية وذات نفوذ كبير إلا أنها ستفقد مركزيتها بالنسبة لحلفائها، وسيظهر تحالفات متعدد الأطراف والتى ستقلل بشكل كبير من قدرة الولايات المتحدة على التأثير، ولذلك سيصبح الأوروبيون أكثر استقلالية وكذلك الكنديون واليابانيون والسويسريون والكوريون، وربما هذا ما أثار رد فعل قوى من دونالد ترامب، فقد وصف الرئيس الأمريكى الخطة بأنها «سخيفة» وهدد باتخاذ إجراءات تجارية ضد الاتحاد الأوروبى فى حال تنفيذ ذلك فعليا، معتبرا أن هذا عملا عدائيا وبالتالى فلو صح فسيفرض رسوما جمركية باهظة كما أنه سيوقف جميع التجارة مع أوروبا.
 
الوضع المتاح للدول غير الأعضاء
مع اقتراح رئيسة المفوضية الأوروبية، منح كندا صفة العضو المنتسب مع ميزة إضافية تتمثل فى مقعد فى مجلس الأمن الأوروبى المستقبلى، نجد أن هذه الصفة غير منصوص عليها فى أى معاهدة أوروبية، لكن سيضيف وضع «العضو المنتسب» بعدا آخر إذ سينشئ فئة وسيطة بين العضوية فى المنطقة الاقتصادية الأوروبية والشراكة التقليدية البسيطة، وستضاف هذه الفئة الجديدة إلى الفئات القائمة بالفعل بين الاتحاد الأوروبى والعديد من الدول الأخرى.
فبالنسبة لأوكرانيا ومولدوفا وجورجيا ودول غرب البلقان، فإن هذه الدول تتمتع بوضع الدول المرشحة، وهذا يعنى أنها أبرمت اتفاقيات شراكة وتتلقى تمويلا تمهيديا للانضمام لكنها لا تستطيع الوصول إلى السوق الموحدة، إلا بعد إتمام عملية الانضمام وهذه عملية قد تستغرق عقودا فبالنسبة لأوكرانيا وجمهورية مولدوفا افتتح مؤتمر يونيو 2026 المفاوضات بشأن العناصر الأساسية بينما أطلق مؤتمر يوليو فريق العمل المعنى بالعلاقات الخارجية.
ويشمل هذا الفريق العلاقات الخارجية بالإضافة إلى السياسة الخارجية والأمنية والدفاعية، ويعتمد قرار الانضمام على جهات فاعلة أخرى إلى جانب المفوضية، إذ يجب أن يوافق البرلمان الأوروبى على معاهدة الانضمام وأن يقبلها المجلس بالإجماع ثم توقعها وتصادق عليها جميع الدول الأعضاء والدولة المرشحة، ويحدد تاريخ الانضمام فى المعاهدة، وتؤكد قائمة المبادرات التى قدمتها المفوضية بعد اجتماع حالة الاتحاد الأوروبى على وعدها بوضع خارطة طريق دون تفصيل آلياتها، ولا تزال الدول المعنية والإصلاحات والمراحل التى ستغطيها بحاجة إلى تحديد بالإضافة إلى أى مواعيد نهائية محتملة.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام