حياة الناس



مفتى مدينة كوموتينى اليونانية الدكتور يشار شريف أوغلو: الفتوى لا تنفصل عن الواقع

25-9-2026 | 23:13
⢴ أجرت الحوار - حسناء الجريسى

على هامش مؤتمر الإفتاء الحادى عشر، الذى اختتمت فعالياته الأسبوع الماضى بالقاهرة، التقت «الأهرام العربى» فى هذا الحوار الدكتور يشار شريف أوغلو مفتى مدينة كوموتينى اليونانية والذى تطرق الحوار معه إلى واقع المسلمين فى اليونان، ودور الفتوى فى المجتمعات ذات الأغلبية غير المسلمة، وكيفية التعامل مع القضايا المستجدة، إلى جانب رؤيته لدور الأزهر والمؤسسات الدينية المعتدلة فى دعم المسلمين. كما أكد فى حواره معنا أن التحديات التى تواجه الأسرة ليست شأنا خاصا بالمسلمين، وإنما هى قضية إنسانية عامة، محذرا من تأثير بعض المحتويات التى تفرضها وسائل التواصل الاجتماعى على وعى الشباب.
 
< بداية.. كيف ترون أهمية مشاركتكم فى المؤتمر الحادى عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء، الذى يناقش التحديات الكبرى التى تواجه الأسرة؟
التحديات التى تواجه الأسرة هى تحديات تواجه الإنسانية كلها، وليست مقصورة على المسلمين أو غير المسلمين. ولا شك أن هناك جهات وأجهزة تعمل على تفكيك الأسرة وإضعاف الروابط التى تجمع أفرادها، والدفع باتجاه أن يعيش الإنسان وفقا لما يريده، بعيدا عن الضوابط التى يفرضها الضمير والقيم الإنسانية.
فالإنسان يولد على الفطرة، ومن طبيعته أن يحب الخير وينكر الشر، كما أنه يحب ألا يقع عليه ما يرفضه أو يكرهه. وبالتالى فإن الأصل فى الطبيعة الإنسانية هو الميل إلى الخير والابتعاد عن الشر.
لكننا نشهد اليوم تأثيرا كبيرا لوسائل التواصل الاجتماعى، التى قد تعرض للإنسان، من دون أن يبحث عنها، محتويات لا تتفق مع الفطرة والقيم التى تربى عليها. فالإنسان بطبيعته يحب الاطلاع، وعندما تتكرر أمامه بعض هذه المضامين، قد يتأثر بها تدريجيا، من هنا تأتى أهمية هذا المؤتمر، لأنه يبحث عن حلول جذرية لهذه المشكلات، ويقدمها للإنسانية كلها، فمن أراد الأخذ بها فليأخذ، ومن لم يرد فله اختياره، الأسرة فى الإسلام تقوم على التعاون بين الأجيال
< كيف تنظرون إلى مفهوم الأسرة فى الإسلام فى ظل التحولات الاجتماعية الحالية؟
الأسرة والعائلة تحتلان مكانة أساسية فى الإسلام، وهناك تأكيد دائم على الترابط الأسرى والتعاون بين أفراد الأسرة، فليس من المفاهيم الموجودة فى الإسلام أن يصل الإنسان إلى سن معينة، ثم تنتهى مسئوليته تجاه أسرته، أو أن يصبح الابن مطالبا بمجرد بلوغه سن التاسعة عشرة بأن يعيش منفردا ويتحمل كل أعبائه. بل تقوم الأسرة على التعاون، فالأبوان يساعدان أبناءهما، ثم يأتى دور الأبناء فى مساعدة الآباء والأمهات، وهذا الترابط هو أحد أهم عناصر قوة الأسرة واستمرارها، الفتوى للمسلمين فى أوروبا.. قضايا يومية أكثر منها قضايا مستعصية.
<  أوروبا ليست مجتمعا واحدا.. ولكل دولة خصوصيتها، أوروبا تشهد تحولات اجتماعية وفكرية متسارعة.. كيف يمكن للمؤسسات الدينية التعامل مع هذه التحولات دون أن تفقد ثوابتها؟
عندما نتحدث عن الغرب، لابد أن ندرك أن لكل دولة مشكلاتها وظروفها الخاصة، فما يواجهه المسلمون فى دولة ما قد لا يكون هو نفسه الموجود فى ألمانيا أو هولندا أو بلغاريا أو غيرها، ومن وجهة نظرى، يمكن أن تكون هناك معسكرات أو برامج صيفية للشباب من أبناء المسلمين فى أوروبا، خصوصًا طلاب المرحلة الثانوية، بحيث يأتون إلى الأزهر خلال العطلات، ففى سنوات الدراسة يكون من الصعب إبعاد الشاب عن البيئة التى يعيش فيها، وكلما قوى عوده أصبح من الصعب تغييره لذلك فإن وجود برامج صيفية أو شتوية، أو تنظيم رحلات عمرة، يمكن أن يسهم فى تجديد الانتماء الدينى وتعزيز الوعي.
كما أن رؤية الشباب للمجتمعات الإسلامية على أرض الواقع مهمة جدا؛ فعندما يأتى الشاب ويرى المساجد ممتلئة بالمصلين، ويرى المسلمين فى أعداد كبيرة، يدرك أنه ليس أقلية معزولة، وأن له امتدادا ومجتمعا واسعا، وهذا يمكن أن يكون له تأثير إيجابى كبير، تجديد الخطاب الدينى لا يعنى التنازل عن الثوابت.
< هناك جدل مستمر حول تجديد الخطاب الديني.. كيف ترون مفهوم التجديد والحدود الفاصلة بينه وبين الحفاظ على الثوابت؟
كثير من الناس يتجنبون استخدام بعض الألفاظ الجديدة، خشية أن تحمل الكلمة الواحدة دلالات إيجابية أو سلبية، وعندما نتحدث عن تجديد الخطاب الدينى، لابد أولا أن نحدد ماذا نعنى بالتجديد. فهناك أمور معلومة من الدين بالضرورة ومسلمات دينية لا يمكن تغييرها، التجديد لا يعنى تغيير الأحكام أو التنازل عن مبادئ الإسلام وأسس الدين. وإنما يمكن أن يكون التجديد فى الأسلوب، وفى طريقة تقديم الخطاب الدينى، وفى الوسائل التى نخاطب بها الناس، أما الثوابت الدينية، فلا يمكن أن تكون محل تنازل تحت أى مسمى .
< ما رؤيتكم لدور الأزهر الشريف والمؤسسات الدينية المعتدلة فى دعم المسلمين فى أوروبا ونشر خطاب دينى يقوم على الوسطية؟
هناك تعاون، وهناك دائما أمور إيجابية يمكن البناء عليها، لاسيما أن الإعلام أصبح يمتلك تأثيرا كبيرا فى تشكيل الوعى والوصول إلى الناس، ومن المهم أن تستثمر المؤسسات الدينية هذا التأثير من أجل دعم الخطاب المعتدل وتعزيز الوعى لدى المسلمين، خاصة الشباب.
<  وسائل التواصل الاجتماعى.. مئات الأصوات أمام الشاب الواحد هل أثرت وسائل التواصل الاجتماعى على وعى الشباب المسلم فى أوروبا؟ وما دور الفتوى فى هذا الإطار؟
بالتأكيد أثرت وسائل التواصل الاجتماعى على وعى الشباب، فعندما يبحث الإنسان عن موضوع معين، قد تظهر أمامه عشرات أو مئات الآراء والمقاطع والمصادر. وقد لا يعجبه رأى، فينتقل إلى آخر، ثم إلى ثالث، ويبدأ فى المقارنة بين الآراء المختلفة، فى الماضى كان الإنسان قد يسأل شيخا واحدا، أما اليوم فقد يجد أمامه مئات المشايخ والأصوات المختلفة فى اللحظة نفسها، وهذا الأمر يمكن أن يكون إيجابيا أحيانا، لكنه قد يكون سلبيا فى بعض الحالات، عندما يجد الشاب نفسه أمام آراء متناقضة، ولا يمتلك الأدوات التى تمكنه من التمييز بينها.
< الفتوى لا تنفصل عن واقع الناس إلى أى مدى تحتاج الفتوى إلى أن تكون مرتبطة بواقع الناس وظروفهم الاجتماعية والثقافية؟
لابد للمفتى أن يعرف الواقع حتى يستطيع أن يفتى، فلا يمكن للإنسان أن يصدر حكما على قضية وهو لا يعرف ظروفها وملابساتها، لهذا قد لا نفتى فى بعض القضايا من منطقة إلى أخرى، لأن الظروف قد تكون مختلفة، وما يناسب مجتمعا قد لا يناسب مجتمعًا آخر.
< كيف تتعاملون مع القضايا المستجدة، خاصة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فى ظل ما يشهده العالم من تطورات متسارعة؟
فى القضايا المستجدة نرجع إلى المجامع الفقهية فى العالم، ولا نتسرع فى إصدار الفتاوى بصورة فردية، فالقضايا الجديدة تحتاج إلى بحث ودراسة، لذلك نأخذ فى هذه المسائل بما يصدر عن المجامع الفقهية والجهات العلمية المختصة.
< ما رسالتكم للمسلمين فى اليونان بشأن علاقتهم بمجتمعهم ووطنهم؟
لابد للمسلمين أن يلتزموا بما هو معلوم من الدين بالضرورة، وأن يبدأوا بالفرائض.
لا نستطيع أن نتحدث عن المحرمات وعن القضايا الفرعية بينما الإنسان لا يؤدى الفرائض الأساسية، لابد أولا من الالتزام بالفرائض، ثم يأتى الحديث عن بقية الأمور.
< هل تتشابه القضايا التى ترد إليكم من المسلمين فى اليونان مع الأسئلة التى تطرح فى الدول العربية؟
لا أستطيع أن أحدد طبيعة الأسئلة التى ترد فى العالم الإسلامى كله، لكن لدينا فى اليونان أسئلة ترتبط بالمناسبات والظروف اليومية للمسلمين، فعندما يأتى شهر رمضان، تكثر الأسئلة المتعلقة بالزكاة وزكاة الفطر، وقيمة ما يدفعه المسلم، وكذلك مع اقتراب عيد الأضحى تكثر الأسئلة حول الأضحية، ومنها: هل يجوز إرسال الأضحية إلى إفريقيا أو إلى فلسطين؟ كما ترد أسئلة حول الزكاة، وهل يجوز إعطاؤها لشخص واحد أو توزيعها على أكثر من شخص وتأتى أيضا أسئلة الطلاق، ومنها حكم من طلق زوجته ثلاث مرات فى مجلس واحد، وما إذا كان يمكن تجديد العقد وغير ذلك من المسائل لا توجد فتوى واحدة تسيطر على الأسئلة.. إنما قضايا تتغير بحسب الموسم.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام