رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأثنين 12 اكتوبر 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
نحن والعالم
عون فى باريس.. هل تستعيد فرنسا لبنان من هامش التسويات؟
26-9-2026
|
00:22
⢴ إلهامى المليجى
من هنا، تكتسب زيارة عون لفرنسا أهميتها، فهى تأتى فى لحظة لم يعد فيها السؤال متعلقًا بمقدار تعاطف باريس مع لبنان، بل بقدرتها على أن تمنحه قيمة سياسية وعسكرية ودبلوماسية مضافة، فى ظل انفراد واشنطن تقريبًا بإدارة مسار التفاوض مع إسرائيل، وسعى حكومة بنيامين نتنياهو إلى فرض وقائع ميدانية، تجعل أى اتفاق لاحق مجرد اعتراف بما حققته القوة العسكرية.
لقد خبر اللبنانيون كثرة المبادرات الفرنسية، كما خبروا حدودها. لكنهم يدركون فى الوقت نفسه، أن غياب فرنسا عن الملف اللبنانى لا يعنى انتقاله إلى أيدى اللبنانيين، بل وقوعه بصورة أكبر داخل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، لذلك يسعى الرئيس عون إلى استعادة باريس، لا بوصفها وصيًا تاريخيًا أو بديلًا عن الولايات المتحدة، إنما باعتبارها شريكًا قادرًا على توسيع هامش الحركة اللبنانية، ومنع احتكار مصير البلاد من طرف دولى واحد.
ما الذى يريده لبنان من فرنسا؟
تتمثل الأولوية اللبنانية فى الحصول على دعم سياسى دولى، يربط بين استعادة الدولة سلطتها الكاملة على الجنوب، وبين انسحاب الجيش الإسرائيلى ووقف اعتداءاته. فالمعادلة الإسرائيلية تحاول اختزال الأزمة فى سلاح حزب الله، والتعامل مع الانسحاب من الأراضى اللبنانية، بوصفه مكافأة تقدمها تل أبيب إذا اقتنعت بسلوك لبنان. أما المقاربة اللبنانية التى حملها عون إلى باريس، فتنطلق من أن سيادة الدولة لا يمكن أن تكون التزامًا أحادى الجانب، وأن حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، يجب أن تقابلها نهاية الاحتلال ووقف الانتهاكات وضمان عدم تحويل الجنوب إلى منطقة مكشوفة أمنيًا.
لا يرفض لبنان تقوية جيشه أو بسط سلطة الدولة، بل إن الرئيس عون جعل هذا الهدف فى قلب مشروعه السياسى، لكنه يريد تنفيذه من دون دفع البلاد إلى مواجهة داخلية أو حرب أهلية مصغرة، ومن دون أن يتحول الجيش اللبنانى إلى قوة تعمل تحت الضغط الإسرائيلى، ولذلك شدد فى باريس على أن تعزيز سلطة الدولة خيار لبنانى، وليس استجابة لإملاء خارجى، وأن الجيش يمثل الركيزة الأساسية للسيادة الوطنية.
ويحتاج لبنان، ثانيًا، إلى مساعدة عاجلة لبناء قدرات الجيش. فالمؤسسة العسكرية مطالبة بالانتشار فى الجنوب ومراقبة الحدود وتأمين السكان والتعامل مع مخلفات الحرب، بينما ما زالت تعانى تداعيات الانهيار الاقتصادى ونقص التمويل والتجهيزات. ولا تكفى فى هذه الحالة بيانات التأييد؛ إذ يحتاج الجيش إلى رواتب مستقرة، وآليات وذخائر ووقود، ومعدات للهندسة وإزالة الألغام، وأنظمة استطلاع ومراقبة وحماية من الطائرات المسيّرة، فضلًا عن التدريب وتبادل المعلومات.
هنا تستطيع فرنسا أن تنقل الدعم من مستوى الوعود إلى برنامج محدد، وأن تستخدم علاقتها بالمؤسسة العسكرية اللبنانية، لحشد مؤتمر دولى للمانحين. كما تستطيع الجمع بين الدعم الأوروبى والمساندة العربية، بحيث لا يبقى الجيش رهينة مساعدات متقطعة أو مشروطة بحسابات سياسية متغيرة.
معركة ما بعد اليونيفيل
القضية الأكثر إلحاحًا فى زيارة عون، تتعلق بمستقبل الجنوب بعد انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة فى لبنان. فالانسحاب التدريجى لهذه القوات، يهدد بترك فراغ أمنى فى منطقة لم تستقر بعد، بينما لا يمتلك الجيش اللبنانى الموارد اللازمة للقيام منفردًا بكل المهام التى كانت تضطلع بها القوة الدولية.
ولا ينظر لبنان إلى اليونيفيل باعتبارها قوة قادرة على ردع إسرائيل عسكريًا؛ فقد أثبتت الأحداث محدودية قدرتها على منع الاعتداءات أو فرض الانسحاب. لكن وجودها وفر غطاءً دوليًا، وآلية اتصال، وشهودًا على الانتهاكات، وإطارًا قانونيًا يربط الجنوب بقرارات مجلس الأمن. ومن ثم فإن انتهاء مهمتها من دون بديل واضح، قد يسمح لإسرائيل بمزيد من حرية الحركة، ويجعل الوقائع الميدانية المصدر الوحيد للقواعد الجديدة.
تمتلك فرنسا فى هذا الملف ميزة لا تتوافر لكثير من الشركاء، فهى عضو دائم فى مجلس الأمن، ومن أكبر الدول الأوروبية حضورًا فى اليونيفيل، ولديها خبرة طويلة فى الجنوب وعلاقة مباشرة بالجيش اللبنانى. كما تقود، مع إيطاليا وعدد من الدول الأوروبية، نقاشًا حول إنشاء مهمة دولية أو أوروبية جديدة، تركز على تدريب الجيش وتجهيزه ومساعدته فى المراقبة والاستطلاع وإزالة الألغام.
لكن لبنان لا يريد مجرد تغيير اسم القوة الدولية، المطلوب تحديد مهمتها وضمان ألا تتحول إلى أداة لفرض ترتيبات إسرائيلية، أو إلى قوة صدام مع بيئة الجنوب، نجاح أى صيغة بديلة يتوقف على وجود تفويض واضح يحترم السيادة اللبنانية، ويربط انتشار الجيش بانسحاب إسرائيل، ويمنع قيام منطقة عازلة، تفرضها تل أبيب داخل الأراضى اللبنانية.
ومن هنا يمكن لزيارة عون، أن تنتج خريطة طريق تتضمن جدولًا لانسحاب إسرائيل، وخطة مرحلية لانتشار الجيش، وحزمة دولية لتمويله، وصيغة تمنع الفراغ بعد اليونيفيل. أما الاكتفاء بإعلان النيات، فسوف يمنح فرنسا حضورًا إعلاميًا من دون أن يمنح لبنان حماية فعلية.
القيمة الفرنسية المضافة
لا تستطيع فرنسا إجبار إسرائيل منفردة على الانسحاب، ولا تملك أدوات الضغط التى تمتلكها واشنطن. كما أن حكومة نتنياهو تنظر بريبة إلى السياسة الفرنسية، خصوصًا بعد المواقف التى اتخذتها باريس تجاه القضية الفلسطينية، وتسعى إلى استبعادها من المسارات التى يمكن أن تحد من حرية الحركة الإسرائيلية.
لكن ضعف القدرة الفرنسية على فرض الحل لا يلغى أهميتها، فقيمة باريس تكمن أولًا فى قدرتها على منع تحوّل التفاوض إلى حوار غير متكافئ بين لبنان ووسيط أمريكى، يتبنى جانبًا كبيرًا من المطالب الإسرائيلية. دخول فرنسا لا يقلب ميزان القوى، لكنه يوسع دائرة الوساطة، ويمنح لبنان نافذة أوروبية، ويجعل المطالب اللبنانية حاضرة داخل مجلس الأمن والعواصم الغربية.
وتكمن قيمتها الثانية فى قدرتها على بناء تحالف دعم لا يقتصر على دولة واحدة. تستطيع باريس جمع إيطاليا والأردن وعدد من الدول الأوروبية والعربية حول مشروع لدعم الجيش، كما تستطيع التواصل مع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وتحويل احتياجات المؤسسة العسكرية إلى التزامات محددة بدل بقائها قائمة طويلة من المطالب.
أما القيمة الثالثة فتتمثل فى الخبرة السياسية والأمنية الفرنسية بالواقع اللبنانى. وعلى الرغم من أن هذه الخبرة لم تمنع أخطاء فرنسية متكررة، فإن باريس تدرك حساسية التوازنات اللبنانية، وتعرف أن محاولة نزع السلاح بالقوة، قد تدفع البلد إلى انفجار داخلى بدل استعادة الدولة. ولذلك تبدو المقاربة الفرنسية أقرب إلى دعم مسار لبنانى تدريجى، يحقق حصرية السلاح من خلال السياسة وتقوية المؤسسات، لا من خلال تكليف الجيش بخوض حرب داخلية.
ومن مصلحة لبنان توظيف هذه المقاربة، لكن من دون المبالغة فى الرهان عليها. ففرنسا تستطيع أن تساعد وتجمع وتحشد وتصوغ المبادرات، لكنها لا تستطيع أن تقوم مقام الدولة اللبنانية، ولا أن تعوض غياب القرار الوطنى أو الانقسام الداخلي. وكلما قدم لبنان خطة واضحة وموحدة، ازدادت قدرة باريس على الدفاع عنها؛ وكلما تحدث اللبنانيون بلغات متناقضة، أصبح الخارج هو من يحدد أولوياتهم.
ماذا يعنى لبنان لفرنسا؟
لبنان بالنسبة إلى فرنسا أكثر من دولة كانت خاضعة لانتدابها، وأقل من أن يكون محمية فرنسية. إنه مساحة تختبر فيها باريس قدرتها على الاحتفاظ بدور فى المشرق، فى وقت تراجع فيه نفوذها فى مناطق متعددة، وتصاعدت المنافسة الأمريكية والإقليمية على إدارة أزمات الشرق الأوسط.
يحمل لبنان فى الذاكرة الفرنسية بعدًا تاريخيًا وثقافيًا خاصًا، تدعمه شبكة المدارس والجامعات والمؤسسات الفرنكوفونية، ووجود جالية لبنانية مؤثرة فى فرنسا، وروابط اجتماعية واقتصادية ممتدة. كما يمثل نموذجه التعددى، برغم أزماته، مساحة تتقاطع مع الصورة التى تحب فرنسا تقديمها عن نفسها، بوصفها حامية للتنوع الثقافى والدينى.
لكن المصالح الفرنسية ليست ثقافية فقط، فاستقرار لبنان يرتبط بأمن شرق المتوسط، وبالحد من موجات الهجرة، ومنع تمدد الفوضى والتطرف، وحماية المصالح الأوروبية فى المنطقة، كما أن نجاح فرنسا فى مساعدة لبنان، يمنحها دليلًا على أنها ما زالت قادرة على إنتاج سياسة مستقلة نسبيًا، وليست مجرد تابع للمسارات التى ترسمها واشنطن.
لهذا تحمل زيارة عون مصلحة متبادلة، لبنان يحتاج إلى فرنسا لكيلا يبقى وحيدًا بين الضغط الأمريكى والتفوق العسكرى الإسرائيلى، وفرنسا تحتاج إلى لبنان، لكى تثبت أن حضورها فى المشرق لم يتحول إلى مجرد حنين تاريخى وخطب برتوكولية.
بين الذاكرة والقدرة
لا ينبغى للبنان أن ينتظر من باريس معجزة دبلوماسية، ولا لفرنسا أن تتوقع أن تمنحها العلاقة التاريخية تفويضًا مفتوحًا فى الشأن اللبناني. الاختبار الحقيقى هو ما إذا كانت زيارة عون ستنتج آلية مستمرة، لا مناسبة عابرة: مؤتمرًا فعليًا لدعم الجيش، وتفاهمًا على القوة التى ستعقب اليونيفيل، وتحركًا داخل مجلس الأمن، وضمانات تربط أى ترتيبات أمنية بانسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها
تستطيع فرنسا أن تمنح لبنان رئة دبلوماسية ثانية، وغطاءً قانونيًا، وشبكة دعم دولية، وقدرات يحتاج إليها الجيش لاستعادة الأرض والقرار. لكنها لا تستطيع أن تمنحه إرادة سياسية غير موجودة، أو وحدة داخلية لم يصنعها اللبنانيون بأنفسهم
زيارة عون إلى باريس ليست رحلة إلى الماضى، بل محاولة لاستثمار الماضى فى معركة المستقبل. فإذا نجح لبنان فى تحويل الخصوصية الفرنسية إلى التزامات سياسية وعسكرية محددة، أمكنه أن يستعيد جزءًا من التوازن المفقود. أما إذا بقيت العلاقة أسيرة العاطفة، فسوف تظل فرنسا تتحدث عن لبنان الذى تحبه، بينما يواصل الآخرون تقرير مصير لبنان الذى يتعرض للحرب.
فالذاكرة، مهما كانت عميقة، لا تحمى وطنًا؛ لكنها عندما تتحول إلى قرار وتمويل وضمانة دولية، يمكن أن تصبح إحدى أدوات استعادته.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
طرح كل أوجاع الإقليم وتصورات.. حلولها حضور عربى مختلف فى نيويورك
لحظة سياسية فاصلة فى تاريخه العراق بعد الانسحاب الأجنبى..السيادة فى مواجهة
فى افتتاح الدورة الأولى من منتدى «العلمين – إفريقيا» للأعمال.. طموحات
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام