مقالات



‫فك الارتباط الأخلاقى (1)‬

26-9-2026 | 00:26
د. إيمان طاهر

هل سألت نفسك يومًا: هل أنا أطبق المعايير الأخلاقية على نفسى والآخرين وحتى أعدائى بحيادية تامة؟ هل أدين وأفضح وأبرر للآخرين ما أبرره لنفسى؟ هل أعمم أخطاء شخص واحد على جماعته؟ وحين يرتكب شخص ما من جماعتى ذات الأخطاء أعتبره استثناء وزلة توجب السماح؟ كم هى مؤلمة تلك الأسئلة وثقيلة على النفس الإنسانية السوية، لأنها وبمجرد الإجابة عنها بصدق وشفافية، ستظهر لنا مدى التناقضات والتحيز، وستكشف أيضًا كمًا كبيرًا من الحقد الذى انزلقت فيه الإنسانية تدريجيًا.
منذ عقود طويلة حدث تقاطع لأزمات عديدة رافقت العولمة، منها الاقتصادية التى عمقت بلا شك الفوارق الطبقية، وخلفت مشاعر بالحرمان، وأوجدت طبقة جديدة كانت تعانى من النقص الشديد فى التقدير والتهميش، فاكتسحت الأوساط المالية وتحولت لنخب فاسدة، وأفرزت لنا أزمة هوية غائبة سواء على المستوى الإنسانى أم الثقافى والسياسى، فرافقتها أيضًا أزمة ثقة فى النخب السياسية، التى عجزت عن مواكبة تحديات هذا العصر المتأزم، فحدث الانقسام المجتمعى فى كل العالم وظهرت مفاهيم أو مصطلحات، مثل الشعبوية فى العلوم السياسية على سبيل المثال، وهى فكرة قائمة على شعب نقى ونخب فاسدة، وهو مصطلح فى الواقع السياسى يُساء إليه، ويعتبره الغرب نوعًا من الإهانة السياسية لأحزاب بعينها خصوصا اليمين المتطرف.
لكن فى الواقع هى ليست يمينية فقط، بل موجودة أيضًا فى اليسار، الذى يؤمن بالاشتراكية وحماية المجتمعات على عكس اليمين، الذى يتخذ من الرأسمالية شعارًا ونهجًا، وكل منهما يعتقد بأنه الممثل الوحيد للشعب! تلك الآليات الحادة والإقصائية التى تستخدمها الشعبوية، هى ذاتها التى تستخدمها التيارات التكفيرية فى تحديد أو توصيف الآخرين، فهذا مؤمن وذاك كافر! لتمنحهم حصانة نفسية وهمية لتبرير العنف أو الإقصاء أو حتى ادعاء امتلاك الحقائق. 
إذن هى بنية نفسية عميقة لدى أى إنسان، لكنها تحتاج فقط لإدراك وتنشيط وتحفيز خارجى، هى لم تخلق من عدم - لابد أن نعرف أن الإنسان خلق بإرادة صلبة، يستطيع من خلالها التحكم ورفض تلك الرذائل - ولكى تبدأ ممارستها الفعلية لابد أن تتوافر منظومة متكاملة لإنتاج الحقد وتسويقه واستثماره، مستخدمة فى ذلك عددًا لا متناهٍ من الأدوات للتدمير الإنسانى سواء رمزيًا أم ماديًا، لإحداث نوع من التفاعل المعقد بين الدوافع النفسية الفردية والسياقات الاجتماعية والسياسية، والدفع بالاستقطاب الشديد الذى بدوره يؤثر على مشاعر الناس وأحكامهم ومن ثم سلوكياتهم. فإذا ما نظرنا لمجموعة تنتمى لهوية اجتماعية معينة سواء على المستوى المادى أم المعيشى، سنرى بوضوح كيف ترى وتفصل تلك المجموعة أى مجموعة أخرى عنها، بل تتوقف عن رؤيتهم كبشر مثلهم! لأنهم تدريجيًا نُزعت منهم الإنسانية وتم فك الارتباط الأخلاقى الإنسانى، وسرعان ما برروا لأنفسهم أى سلوكيات لا أخلاقية اتبعوها أو سيتبعونها، لاحظ أى مناقشات أو حوارات فردية وأحاديث فى أى تجمعات، ستجد دائمًا أن الحديث لابد أن يدور عن شخص ما أو مجموعة غائبة سواء كان فردًا عاديًا أم شخصية عامة أو سياسية، سرعان ما ستصدمك من الكيفية التى يتحدث بها الناس سواء عن طبيعته التى شخصوها كشر مطلق، بالطبع تلك الأحكام هنا غالبًا تعود لاضطرابات نفسية أم عقلية شديدة ومعقدة، تتزايد وتنمو ورغبتهم فى رؤية هذا الشخص، وهو تحل به المصائب!
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام