رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأثنين 12 اكتوبر 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
مقالات
حديثُ الهوِيةِ فى عروسِ البحر
29-9-2026
|
18:07
محمد عبد المنعم شرباش
على شاطئ عروس البحر الأبيض المتوسط، ومن خلال أروقةِ صرحٍ ثقافى يمتد تاريخه لثلاثة قرون قبل الميلاد، اختتم مؤتمر «الهوية الوطنية» الذى أقيم تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسى المنعقد بمكتبة الإسكندرية أعماله التى امتدت على مدار ثلاثة أيام، وحضره العديد من الأكاديميين والمثقفين والخبراء والوزراء والمسئولين والشباب، من جميع المشارب والأطياف.
«الهوية الوطنية» عنوان تتقاسم الاهتمام به علوم الاجتماع والسياسة والتاريخ والجغرافيا، ويلفه فيض من المشاعر والعاطفة والوجدان، وقد كان رجل هذا المنتدى بامتياز هو «اللواء خالد فودة» رئيس المؤتمر، الذى استطاع – كعادته - أن يغمر كل الموجودين بالألفة والكرم والمودة، فبذل جهداً فائقاً لتذليل كل الصعاب العلمية واللوجستية، بأسلوب إدارة يجمع بين الصرامة والملاءمة، ويزاوج بين البشاشة والانضباط، وقد عبّر الرجل فى كلمتيه - الافتتاحية والختامية - بدقة ووضوح عن أهداف المؤتمر ومراميه بشأن الهوية الوطنية، باعتبارها قضية مركزية، تنال جُلَّ اهتمام زعيم البلاد، فى فترة يسعى فيها المتربصون لاستهداف هويتنا التى ظلت على مر العصور الحصن الأكبر، التى جعلت من شعب مصر نموذجاً فريداَ يستعصى على التشرذم والانقسام.
اللواء خالد فودة
وقد ضم المؤتمر مجموعة من الموضوعات ذات الأهمية التى يحتاج كل منها لمؤتمر مستقل، وتدفقت أحاديث الأكاديميين والخبراء والمسئولين فى أطر متعمقة وضرورية، وفى خضم من الأطروحات العلمية والأيديولوجية لتوثيق المفهوم العلمى للهوية الوطنية وعناصرها وروافدها والأخطار المحدقة بها.
ولكم تمنيت لو كان الراحل الكبير جمال حمدان مازال بيننا ليعيد علينا معزوفته الخالدة عن عبقرية المكان وعبقرية الزمان، فهو الذى يصف الهوية المصرية بالجامعة والتراكمية، ويؤكد أنها جمعت بين الفرعونية والقبطية والمسيحية والإسلام والعروبة على نحو تراكمى، فلم يكن وجود عنصر ما فى مكونات الهوية، خَصما من رصيد العناصر الأخرى، وإنما كان إضافة تثرى هذه الهوية المصرية المتفردة.
كما تمنيت لو استدعينا عبر سجاف الغيب حديث «هيردوت» عن عراب الهوية المصرية الأعظم والأقدم «نهر النيل الخالد» فى مقولته الشهيرة (مصر هبة النيل).
وإزاء ازدحام طاولة المؤتمر بالقضايا والملفات المهمة والضرورية، كان عليّ أن أفاضل بين أولويات الطرح خلال المداخلة السريعة المنتزعة من ضيق الوقت، فكان الاختيار لقضية اللغة العربية باعتبارها السياج الأهم، والمعين الأرحب للهوية المصرية، فضلاً على كونها القضية الأكثر إلحاحاً بالنظر إلى ما تتعرض له «بنت الضاد» - سواء عن عمدٍ أو غير عمد- من ممارسات خطيرة فى نمطيها الفصيح والعامى، فباتت معظم الصحف والمواقع ووسائل الإعلام مكتظة بأخطاء نحوية ولفظية تئن منها فى القبور عظام «أبى الأسود» و«سيبويه» وغيرهما،، فضلاً على هذا الغزو الذى تتعرض له العامية المصرية من ألفاظ وتعبيرات منبتة الصلة عن ثقافتنا وتراثنا.
الأمر الذى يستلزم الإسراع بإصدار قانون حماية اللغة العربية، الذى طُرح للمناقشة بمجلس النواب فى دورته السابقة.. للتصدى لكل السلوكيات التى تنال من علاقتنا باللغة العربية، هذا الرافد الأهم والأبقى للهوية المصرية، بدءاً بما اقترفته الدراما منذ أوساط القرن الماضى، بالتندر على اللغة العربية ومعلميها وتجسيدهم فى شخصيات تتسم بالسطحية والتحذلق مثل «الأستاذ حمام» و«خميس أفندى» وغيرهما، وإطلاق السخرية من «كان وأخواتها».. (وعمتها وخالاتها)، ومروراً بالألفاظ الأجنبية التى اخترقت فى الآونة الأخيرة عاميتنا المصرية.. فأصبحت الطعمية (جرين برجر)، وأصبحت الملوخية (جرين سووب)، وأصبح الدور الثانى فى نتيجة الامتحان، والذى كنا نعاير صاحبه «أبو ملحق» (سمر كوورس) إلى آخر هذه التعبيرات.
لقد أُدخل فى روع الشباب بل والكبار أيضاً.. أن خلو حديثه من الكلمات الأجنبية هو نوع من التخلف وقصورٌ عن مواكبة العصر.. وتمشياً مع هذا الاعتقاد تعاملت شركات الدعاية والإعلان مع أبناء الشعب المصرى وكأن العربية هى لغته الثانية، وليست الأولى، فرفعت العديد من لافتات الإعلانات بالطرقات العامة بالإنجليزية الخالصة دون أى ترجمة، هذا النمط من السلوك قد استدعته أيضاً المتحدثة الأكثر ألقاً بالمؤتمر، الدكتورة «ريم بسيونى»، أستاذ اللغويات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، للتدليل على التحديات اللغوية التى تواجه الهوية.
وعلى ذات النهج تتعامل الفنادق الكبرى مع نزلائها بالصياغة الإنجليزية للتعليمات وقوائم الأسعار والأطعمة دون الكتابة بالعربية، فى إهمال واضح لهوية أبناء الوطن من النزلاء،
وفى مجال السينما نجد فيلماً من إنتاجٍ عربى، وأبطال عرب يمثلون بالعربية، ويُعرض الفيلم بالدول العربية، بينما تنتشر لافتات الدعاية له بالشوارع.. وعلى واجهات دور السينما خالية من أى حرف عربى، ويحمل الفيلم نفسه عنواناً بالإنجليزية «سفن دوجس» دون أى ترجمة (سبعة كلاب)!
وتمتد فكرة “التزين باللغة الأجنبية” حتى إلى الأسر المحافظة بالريف المصرى إذ يتحرج بعضهم من كتابة اسم العروس فى بطاقة الدعوة بالعربية فيلجأ إلى كتابته كاملاً أو بحرفه الأول بالإنجليزية دون سبب مفهوم إلا إظهاراً للمدنية أو ربما (لستر العورة!).
ويصل مثل هذا السلوك إلى عدد كبير من المثقفين والمختصين باللغة العربية والمطالبين بدعمها، حين يصرّون على كتابة أسمائهم بالإنجليزية دون مبرر على حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعى، فى الوقت الذى يتباكون فيه على تجاهل العالم لمقام اللغة العربية!
ثم يأتى المثال الأكثر فجاجة وخطراً بنزوع معظم الشباب بكتابة اللغة العربية بالحروف الإنجليزية، ويطلقون على ذلك (الفرانكو)، وهو ما لم تعرف مصر مثيله حتى خلال فترة الاحتلال البريطانى!! هذا الأمرُ يمثل نكوصاً عن الهوية اللغوية، ويكشف عن تفضيلِ غير مبررٍ، وغير مستحق للغة الأخرى.. والذى أدى من قبل إلى تحول تركيا كلية من الكتابة بالحروف العربية إلى الحروف اللاتينية، وهو ما يستوجب تصدياً قانونياً ومجتمعياً لهذه الظاهرة حفاظاً على اللغة والهوية.
وفى وسط هذا الزخم الأكاديمى، كان هناك ثُلة من الأنقياء الوطنيين الذين عبروا بطريقتهم عن الهوية المصرية كما تختزنها فطرتهم الوطنية، وبعيداً عن السجالات الدائرة لسبر أغوار المصطلح، ليثبتوا أن الهوية تكاد تكون غريزة لدى كل أبناء الكنانة.
تلك الهوية الكامنة خلف سلوكنا الساعى لحفظ ثوابتنا الوطنية، المتمثلة فى الوحدة والانتماء والتعايش وقبول الآخر، ليصفوا الهوية الوطنية من خلال إحساسهم الصادق بها، دونما حاجة للخوض فى خضم التعريفات الأكاديمية المتعمقة.
فالهوية وفق هذا الإحساس الفطرى هى تلك الحالة التى تملأ كل منا فخراً حين يقول: «أنا مصرى»، وتلك الرجفة التى تنتابنا فور أن تصدح الموسيقى بمقام «العجم» مصحوباً بالآلات النحاسية لعزف السلام الوطنى «بلادى بلادى»، وهذا الغناء العصى على النشاز عندما نقول: «كم لنيلكٍ من أيادى»، وهذه الدمعة الواقفة على أعتاب العين حين نهتف «تحيا مصر»، وهذا الثراء الذى يمنعنا الانبهار بغير تاريخنا، وهذا الحبل السرى المتين الذى يعيدنا إلى الوطن سريعاً إذا ابتعدنا، مهما كانت إغراءات الرفاهية هناك، ومهما كان شظف العيش هنا، إنها الحالة التى يقول عنها أمير الشعراء:
(قد يهون العمرُ إلا ساعةً // وتهونُ الأرضُ إلا موضعا).
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
«ديماجوجيا» الإعلام الإخوانى بين إثارة الحقد و«نعمة الحاقدين»
النيل لا ينسى
هل ننفق على صحة المصريين أقل من غيرنا؟
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام