مقالات



‫الإستراتيجية الأمريكية الجديدة‬.. محور الصناعات

30-9-2026 | 02:06
أ. د. أبو بكر حمد

باحث فى القانون الدولى والعلوم السياسية 
 
يتجاوز محور الصناعات فى الإستراتيجية الأمريكية الجديدة، فكرة «إعادة تدوير البترودولار»، التى ميزت العقود الماضية، ليتشكل مرتكزًا على تدوير السيولة فى ثلاثة قطاعات صناعية كبرى، هى: الصناعات المدنية، الصناعات العسكرية، وصناعات الذكاء الاصطناعى.
 
ولفهم أبعاد هذا التحول، يلزم استقراء التاريخ الاقتصادى للولايات المتحدة على مدار 140 عامًا سبقت عام 1913، إذ لم تكن الدولة تعتمد على نظام ضريبة الدخل الفيدرالية، بل ارتكزت فلسفتها على الحمائية الجمركية الصارمة. وفى تلك الحقبة، فرضت الإمبراطوريات الاستعمارية حظرًا على دخول الاستيراد الخارجى إلى مناطق مستعمراتها، مما منع واشنطن من تصدير منتجاتها، فاستعاضت عن ذلك بالانكفاء على الذات، وتحقيق الاكتفاء الذاتى لأسواقها المحلية، عبر فرض حواجز ورسوم جمركية على سلع أجنبية محددة لحماية وتشجيع صناعاتها المحلية.
 
على الرغم من أن حيوية النظام الضريبى المباشر قد بدأت رسميًا فى عام 1913، فإن السياسات الحمائية استمرت كركيزة أساسية، حتى تضاعفت وتيرة التصنيع إبان الحرب العالمية عبر بوابات “المجمع الصناعى العسكرى”. ومع صياغة أسس النظام العالمى الجديد أواخر الثمانينيات والذى ظهر فعليا فى فترة التسعينيات (وتحديدًا عام 1990)، تفتحت الأسواق العالمية، وأصبحت الولايات المتحدة القوة التصديرية الكبرى مستحوذة فى تلك اللحظة على أكثر من 55% من الاقتصاد العالمى. وتعاظمت القوة الشرائية للمواطن الأمريكى بشكل مطرد؛ نظراً لأن نهج النظام فى بداية تأسيسه ركز على تمكين المواطن محلياً ورفع قدرته الاستهلاكية لشراء المنتجات الوطنية، فبات تقاضى الأجور والرواتب يتم على أساس أسبوعي، بل وعلى أساس الساعة، مما ضخم الكتلة الشرائية حتى هيمنت على أكثر من 60% من القوة الشرائية العالمية فى بداية النظام الجديد.
 
جغرافيا التصنيع وصعود «مصنع العالم»
عقب استقرار النظام العالمى الجديد وانهيار التحالف السوفيتى، بدأ الاقتصاد العالمى فى التوزع والانتقال التدريجى نحو القارة الآسيوية، لا سيما الصين والهند. ويظهر عمق هذا التحول فى قطاع الطاقة والحركة البنيوية، فالصين تاريخيًا كانت تستهلك مليون برميل من النفط يومياً فقط، حيث كان نشاطها الصناعى والإنتاجى قائمًا على الفحم الحجرى، والقطارات البخارية، وكان التحرك الداخلى للأفراد يعتمد بصورة شبه كاملة على الدراجات الهوائية.
 
لكن بفعل القوانين المفروضة من داخل المنظومة الدولية، تحولت المصانع الصينية وتغيرت أنماط الاستهلاك إلى عالم السيارات الخاصة والناقلات والقطارات الحديثة المعتمدة على البترول، ليرتفع استهلاك الصين الحالى من النفط إلى 14 مليون برميل يوميًا، استطاعت أن تعوض منها 4 ملايين برميل، وذلك بفضل الإنتاج المحلى الضخم للطاقة الكهربائية بمختلف أنواعها، لتستورد حاليًا نحو 10 ملايين برميل يوميًا فقط.
 
وقد ترسخ هذا المسار بعد الزيارة التاريخية التى قام بها الرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون إلى الصين فى الفترة من 21 إلى 28 فبراير عام 1972، التى وصفت بـ”الأسبوع الذى غير العالم”، حيث أنهت 25 عامًا من القطيعة الدبلوماسية والجمود بين البلدين. وكانت ترمى هذه الزيارة إلى تحويل الصين إلى “مصنع العالم”، وهو ما تحقق فعليًا؛ حيث جرى نقل جميع الصناعات تدريجيًا من داخل البلدان فى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية إلى الصين، والهند، وآسيا. وشملت هذه النقلة الكبرى قطاع صناعة السيارات الأوروبية ذات الماركات المشهورة، وصناعات البتروكيماويات، مع تقديم دعم واسع لإطلاق المصانع ومحطات الكهرباء، متبوعًا بصياغة اتفاقيات البيئة والمناطق العالمية الكثيرة التى تولت واشنطن قيادتها لدمج الصين فى منظومة التجارة العالمية.
 
وتسعى الإستراتيجية الأمريكية من وراء هذه المنظومة إلى تحقيق هدفين رئيسيين، الأول: حماية الملكية الفكرية بشكل صارم وعدم المساس بها، كونها عصب الحياة، وعوائد التقنية للاقتصاد الأمريكى من خلال براءات الاختراع، والهدف الثانى: يتمثل فى حرية الأسواق، بترك البضائع تتحرك بحرية لضمان تداول الدولار.
 
ولتحقيق هذين الهدفين، تعتمد واشنطن على أدوات الضغط الاقتصادية والمالية لعزل المخالفين وحرمانهم من المجال المالى، مدعومة بالقوة العسكرية الصارمة التى تفرض على الصين والشركاء دفع غرامات هائلة وتصحيح التجاوزات فى الملكية الفكرية، التى تتجاوز قيمتها مليارات الدولارات.
 
إعادة توطين الصناعات
فى ظل المؤشرات الراهنة، يقدر حجم الاقتصاد العالمى بنحو 110 تريليونات دولار، تستحوذ الولايات المتحدة الأمريكية منه على نحو 29 تريليون دولار (لتهبط إلى نسبة تقارب 26% بعد أن كانت 55%)، فى حين قفزت الصين من 1% لتصل إلى 17%. وأمام هذا الواقع، تبلور منذ عام 2016 توجه إستراتيجى لإعادة توطين الصناعات فى الداخل.
 
وتتوزع السيولة الدولارية بمبالغ ضخمة فى البنوك المركزية حول العالم (خارج أمريكا) على النحو التالى: 3.5 تريليون دولار داخل البنك المركزى الصينى، و3 تريليونات دولار داخل البنك المركزى الأوروبى، و2  تريليون دولار داخل البنك المركزى الروسى، و1.5 تريليون دولار فى البنك المركز اليابانى، وما يقارب تريليون دولار فى البنك المركزى فى سويسرا، ونحو 600 مليار دولار موجودة فى البنوك المركزية لكل من  الهند، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة. وتخضع هذه الكتلة النقدية الضخمة من الدولار فى البنوك المركزية الأجنبية (خارج أمريكا) لرؤية معينة ترى ضرورة عودتها بالكامل إلى داخل الولايات المتحدة الأمريكية أولًا، ليعاد ضخها وتداولها في الخارج لاحقًا.
 
وتهدف الإستراتيجية الأمريكية الجديدة إلى استرجاع هذه الكتلة، عبر التصنيع المحلى فى المجالات الثلاثة (المدنية، العسكرية، والذكاء الاصطناعى) بميزانية تقدر بنحو 18 تريليون دولار على مدار 4 سنوات، وذلك عبر خمسة مسارات تدويرية منسقة:
 
أولا: معالجة العجز التجارى
تستغل واشنطن العجز التجارى التراكمى التاريخى بينها وبين دول العالم لامتصاص الدولار وتوجيهه نحو المنتجات الأمريكية. فبالرغم من أن العجز التجارى مع الاتحاد الأوروبى تراكم بكميات كبيرة على مدى فترات طويلة، فإنه فى السنة السابقة وحدها، بلغ العجز التجارى 235 مليار دولار. ويتم علاج هذا العجز بفرض الضرائب المتبادلة والضغط لتوقيع اتفاق بقيمة 750 مليار دولار لشراء الغاز، حيث يلزم الطرف الأوروبى بإلغاء الجمارك من طرفه لدخول البضائع الأمريكية دون قيود جمركية. وفى المقابل، بلغ العجز التجارى مع الصين فى السنة السابقة 295 مليار دولار، وجرى التعامل معه تدريجيًا، بالسماح لبكين بشراء البترول والغاز وبالمقابل استرداد الأموال، وتتكرر هذه العجلة التجارية مع اليابان والهند بموجب 114 اتفاقًا مكتملاً لشراء الاحتياجات والشحن بكميات ضخمة.
 
ثانيًا: الحماية والمشتريات العسكرية
يرتكز هذا المسار على تفعيل اتفاقيات الحماية العسكرية؛ حيث يُلزم حلفاء الناتو فى أوروبا، بسداد نسبة 2.5% من ناتجهم الإجمالى، وتجاوزت المداخلات فى هذا البند 1.2 تريليون دولار، حُسمت بدفع مقدم قيمته 230 مليار دولار كتدفقات عائدة بالدولار، والباقى يسدد على أقساط كطلبات حماية سنوية تم رفعها إلى نسبة 5%، ليسدد الحلفاء من طرفهم 850 مليار دولار، متبوعة بمشتريات عسكرية حسب الاحتياج. أما فى منطقة آسيا، فقد تقرر منذ عام 2017 مبالغ سنوية، تسدد للحماية تتراوح بين مليار و4 مليارات دولار سنويًا، تتبعها مشتروات عسكرية مكملة للمحور التصنيعى.
 
ثالثًا: الاستثمار الأجنبى فى البنية التحتية للطاقة
يتضمن هذا المسار السماح للدول الكبرى للاستثمار المباشر بأموالها الدولارية فى مشاريع البنية التحتية للطاقة داخل أمريكا أو عبر منافذها السيادية. ومن ذلك منح الهند محطة أو ميناء على البحر باستثمار قيمته 300 مليون دولار، وإنشاء اليابان لميناء مخصص للغاز على البحر أيضًا. ويمتد الاستثمار المباشر إلى قطاع الطاقة النووية بواقع محطة للصين، محطتين لليابان، محطة لكوريا الجنوبية، ومحطة للهند، إلى جانب ضخ الأموال الدولارية فى مصانع إنتاج السيارات والآليات الثقيلة لضمان تحويل وتدوير العملة فى أصول حقيقية.
 
رابعًا: الاستثمار  فى (الذكاء الاصطناعى)
يستهدف هذا المسار طرح أسهم تكنولوجية واعدة فى سوق الأوراق المالية، حيث تم استهداف 100 شركة فى مجال الذكاء الاصطناعى. وبدأ العمل فى المرحلة الأولى وخلال السنة الأولى بطرح 10 شركات، جرى التركيز مبدئيًا على الأربعة الأولى منها، والمتوقع أن تحقق قيمتها السوقية ما بين 5 إلى 6 تريليونات دولار. وبدأت المحاولة الأولى عبر شركة “سبيس إكس” SpaceX التى توقعت ناتجًا يبلغ تريليون ونصف التريليون دولار، على أن يعود الناتج الإجمالى من الشركات الأربع مستهدفا 5 إلى 6 تريليونات دولار. وتعتمد الخطة على طرح شركة جديدة كل شهرين أو ثلاثة أشهر بتمويلات ومبالغ ضخمة يعاد استثمارها فى صناعات الذكاء الاصطناعى الخادمة للقطاعين المدنى والعسكرى. وتتكامل هذه التدفقات مع استقطاب فوائض الصناديق السيادية الخليجية، حيث تظهر الأرقام بوضوح استهداف أكثر من 5 تريليون دولار من استثمارات السعودية وقطر والإمارات لجمع وتمويل ميزانية الـ18 تريليون دولار المطلوبة للمحور التصنيعي.
 
خامسًا: تأمين المواد الخام والمعادن النادرة
يتعلق هذا المسار بجغرافيا المواد الخام التعدينية والمعادن النادرة اللازمة لصناعات المستقبل، حيث أبرمت الولايات المتحدة اتفاقيات مبدئية لشراء هذه المواد خامًا على المدى القريب، مع التخطيط على المدى البعيد لتأسيس وحدات تصنيع أولى فى مناطق استخراجها حسب المقومات المحلية قبل نقلها وتدويرها نهائيًا فى أمريكا. وشملت هذه العقود المسبقة 5 دول إفريقية مشهورة بقيمة إجمالية بلغت 100 مليار دولار، وعقودًا مع إندونيسيا بقيمة 23 مليار دولار، وماليزيا بـ20 مليار دولار، وسنغافورة، والبرازيل، والأرجنتين بـ20 مليار دولار. كما دخلت الإستراتيجية إلى آسيا الصغرى عبر تأمين خطوط تصدير الغاز الذى كان يصدر تاريخيًا إلى روسيا من أرمينيا، ليتم تحويله وتصديره عبر باكستان كغاز مسال ومشاريع استثمارية مشتركة، والعمل فى كازاخستان، والتركيز فى تركمانستان على قطاع إنتاج رقائق أشباه الموصلات، بالتوازى مع سحب وتقليص استثمارات تكنولوجية محددة من تايلاند وهولندا وتوجيهها نحو الذكاء الاصطناعى لصالح المنظومة الأمريكية الشاملة.
 
معادلة  «الدولار التنافسى»
إن تتبع هذا التحول يوضح المقصد الجوهرى لشعار تيار (ماغا)  المتمثل فى استعادة السيرة الأولى للاقتصاد الأمريكى، وإعادة أمجاد الحقبة الحمائية السابقة لعام 1913 عبر رفع الرسوم وإلغاء القيود من طرف الحلفاء. وتستحضر الذاكرة السياسية هنا المبادئ التاريخية للقاء روزفلت وتشيرشل فى المغرب (ميثاق الأطلسى)، والتى نصت على ضرورة استقلال الدول فى استجلاب واستحواذ المواد الخام وتصنيعها داخليًا. ويتكامل ذلك مع مبادئ “عقيدة مونرو” التى تشجع الدول النامية على الاستيراد من المنظومة الصناعية الأمريكية كشرط لضمان السلام والاستقرار.
 
وتحمل الإستراتيجية المعاصرة انعكاسًا جذريًا فى العقيدة الجيو-سياسية؛ فبينما كان النظام العالمى القديم يعتمد على نموذج “الحروب المستمرة والتفاوض المستمر” دون حسم النزاعات (مما يضمن مبيعات ضخمة دورية ومستمرة للمجمع الصناعى العسكرى عبر 14 حرباً بؤرية فى العالم) ، فإن النموذج الجديد ينعكس نحو “السيرة الأولى” التى ترى أن تحقيق السلام والاستقرار فى مناطق جغرافية معينة يعطى قوة إنتاجية واستهلاكية ضخمة تدور الدولار، وتتيح قوة شرائية واسعة لاستيعاب المنتج الصناعى الأمريكى.
 
ولكى تضمن الخطة نفاذ منتجاتها خارج حدود السوق المحلية المحمية، فإنها تتطلب منح الصادرات الأمريكية سعرًا تفضيليًا تنافسيًا يجبر العالم على استهلاكها إلى جانب المواد الإلزامية كالبترول والغاز والرقائق الإلكترونية. وبناءً عليه، فإن النتيجة المتوقعة والمقصودة اقتصاديًا هى تخفيض قيمة الدولار بصورة كبيرة ومدروسة مقابل العملات الأخرى. وعلى الرغم من أن هذا الانخفاض قد توحى مؤشراته الظاهرية فى الأسواق بوقوع أو هبوط فى قيمة الدولار، فإنه تكتيك متعمد ومقصود، تهدف منه الإدارة الأمريكية إلى خلق قوة شرائية عالمية تتدفق نحو منتجاتها. 
 
وقد شهد قطاع التصنيع المحلى فى الولايات المتحدة الأمريكية طفرة كبيرة؛ بافتتاح أكثر من 1000 مصنع جديد، متخصص فى مواد البناء والتشييد، والصناعات العسكرية، والتقنية المتقدمة. ووفرت هذه المصانع وظائف برواتب مجزية للعمالة المتخصصة، أدت إلى انتعاش القدرة الشرائية عند هذه شريحة من الموظفين، إضافة إلى وفرة فى المنتجات المحلية بالأسواق، واستغناء الدولة أيضًا عن عدد كبير من البضائع التى كانت تستوردها من الخارج.
 
وحاليًا تتجه الرغبة نحو خفض قيمة الدولار لتعزيز القدرة التنافسية للصادرات في مواجهة الاستيراد، بالتوازى مع خفض تكاليف الطاقة التى تشكل جزءًا كبيرًا من تكلفة الإنتاج، مما ينعكس بشكل إيجابى ومباشر على معيشة المواطن عبر خفض أسعار الطاقة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام